جوزها الغني

حكايات بسمه

أحمد ما عرفش ينطق.

الست كملت:

— اسمي زينب محمد…

وسكتت لحظة، كأنها بتجمع كل شجاعتها.

— وأنا… أمك.
حكايات بسمة

أنزل أحمد يديه ببطء، وتراجعت خطوة إلى الخلف كأن المكان كله صار يدور به. كان صوت أنفاس العجوززينب مسموعاً ومتقطعاً، وثقل السنوات والشقاء بادٍ على وجنتيها الغائرتين.
التفت أحمد نحو مريم بنظرة حادة يمتزج فيها الوجع بالذهول:
— «مريم… قولي لي إن الكلام ده مش صح! قولي لي إنك مش جرة في لعبة أكبر منكِ!»
تقدمت مريم بخطوات ثابتة، وأمسكت بيد أحمد المرتجفة، وقالت بنبرة صادقة يملؤها الثبات:
— «أحمد… يوم ما عرفت الحقيقة من أربع شهور، كنتُ أظن أن هناك خطأً ما. لكنني أجريت تحليل DNA بنفسي بصورة سرية تماماً، بأخذ عينة منك ومن الحاجة زينب… والنتيجة كانت مطابقة بنسبة 99.9%. هذه المرأة هي أمك الحقيقية التي حرمك فؤاد منها منذ أن كنت طفلاً في الخامسة من عمرك!»
جلس أحمد على كرسي خشبي متهالك بالقرب من النافذة، وحط رأسه بين يديه. بدأت الصور القديمة التي طمسها الزمن تنبعث من طيات ذاكرته البعيدة: صورة امرأة

كانت تطعمه بيديها، وتردد له أغنيات الصيد القديمة، قبل أن يختفي وجودها فجأة ويُقال له إنها توفيت في حادث سيارة أليم!
التفتت الحاجة زينب نحو أحمد وصوتها يخالطه البكاء:
— «أبوك فؤاد كاستنيادا يا بني… تزوجني وأنا فتاة بسيطة من إحدى قري طنطا، عندما كان في بداية عمله بالمقاولات. ولما اتسعت ثروته وبدأ يتقرب من عائلات المجتمع الراقي، شعر أن وجود امرأة بسيطة مثلي يسيء لبرستيجه. فلما رفضت التنازل عن حضانتك ورجوتُه أن يتركك لي، طردني، وزوّر شهادة وفاة باسمي، وهددني بسجني وإخفائي عن وجه الأرض إن حاولتُ الاقتراب من الفيلا أو الوصول إليك!»
استرسلت زينب والألم يعصر كلماتها:
— «طوال ثلاثين سنة يا أحمد… كنتُ أكتفي برؤية صورك في الصحف والمجلات. كنت أتابع أخبارك من بعيد وأنا أدعو لك في صلاتي. ولما اشتد عليّ المرض وأكل جرح السكري قدمي، شاءت الأقدار أن تتعرف عليّ مريم في إحدى جمعيات رعاية المرضى الفقراء بطنطا… ولما رأت الشامة وعرفت اسمي الكامل، بدأت تبحث خلف الحقيقة حتى وصلت للمستندات القديمة.»
التفت أحمد إلى مريم وسألها بصوت خفيض:
— «ولماذا لم تحكي لي منذ اللحظة الأولى؟ لماذا بعتِ مجوهراتك واستسلمتِ لإهانات أبي وتشديده عليكِ؟»
ردت مريم وهي تجلس عند قدميه:
— «لأنني كنت أعلم طبيعة فؤاد كاستنيادا! لو عرف أنك اكتشفت الأمر قبل أن نؤمن موقفنا القانوني ونصل للحقيقة الكاملة، كان سيهرب أموالك ويحرمك من حقك في الشركة، بل وربما كان أذى هذه المسكينة التي لا حول لها ولا قوة! الألف والثمانون ألف جنيه والأدوات والمجوهرات كانت لنفقات علاجها ورعايتها الطبية وتوفير حراسة بسيطة تحميها في هذا البيت البعيد.»
في تلك اللحظة… سمع الجميع صوت توقف سيارات فخمة بالخارج، وإضاءة مصابيحها العالية التي اخترقت ظلام الشارع غير المرصوف.
انفتح باب المنزل الصغير بقوة!
دخل فؤاد كاستنيادا، وبجواره نادية، ورجال أمن خاص يحيطون به. كان وجه فؤاد يقطر قسوة وغضبًا، لكنه حين رأى زينب ورأى أحمد يجلس بجوارها، تتطاير الشرر من عينيه.
وقف أحمد حائلاً بين أبي وأمه العجوز، وقال بصوت هز جدران البيت:
— «أهلاً يا فؤاد بيه… أهلاً بالرجل العظيم الذي بنى إمبراطوريته على الكذب وزور شهادة وفاة أمه ليدفنها وهي حية!»
تراجع فؤاد خطوة، لكنه سرعان ما استعاد بأس السلطة والنفوذ وقسوة القلب، وقال ببرود:
— «أحمد… لا تدع هذه المرأة الصعلوكة ومريم يضحكون عليك! هذه المرأة ادعت هذا السر لتستنزف أموالك فقط!»
تخلت نادية عن صمتها وسحبت ملفًا كبيراً من يدها ورمته أمام فؤاد على الطاولة:
— «كفى يا بابا! كفى كذباً وزوراً طوال هذه السنين! مريم اتصلت بي الأسبوع الماضي وأرتني التحاليل والأوراق الموثقة! أنت لم تكتفِ بطرد أم أحمد، بل استوليت على الأرض الصغرى التي كانت تمتلكها عائلتها وضمنتها لشركتك الأولى كضمان بنكي!»
بهت فؤاد، ونظر لنادية بغضب قاتل:
— «أنتِ تخونينني يا نادية؟!»
— «أنا لا أخونك… أنا أصلح الخطيئة التي شاركت فيها بالصمت طوال هذه السنين!»
اقترب أحمد من أبيه، وتطلع في عينيه برهن كامل وموقف حاسم:
— «فؤاد بيه… الصورة التي ألتقطتها لمريم أمام العيادة كانت لأخصائي الأوعية الدموية الذي أعدته لإنقاذ قدم أمي! والأموال التي سحبتها مريم كانت لكرامتي وكرامة أمي التي أهنتها. ابتداءً من هذه اللحظة، مجلس إدارة مجموعة كاستنيادا سيعقد اجتماعاً طارئاً غداً لتنحيتك عن الإدارة التنفيذية بناءً على بند الإساءة للسمعة المالية والإخلاقية للمؤسسة، والأوراق الرسمية بتزوير شهادة الوفاة ستكون أمام المحامي العام صباح الغد!»
صرخ فؤاد:
— «أنا من صنعتك يا أحمد! أنا من جعلتك كاستنيادا!»
رد أحمد بثبات وكبرياء:
— «أنت صنعت ثروة من ورق وزيف… لكن هذه المرأة البسيطة ومريم هما من صنعا إنسانيتي وكرامتي. اخروجوا جميعاً من هنا!»
غادر فؤاد ورجاله والكسرة تعلو وجهه، وسقطت إمبراطورية غروره وكذبه في لحظة واحدة أمام حقيقة بسيطة ناصعة.
بعد ستة أشهر من تلك الليلة…
كانت الفيلا الكبيرة في الشيخ زايد تعج بالدفء والحياة. جرى تعديل الطابق الأرضي كاملاً ليكون مهيأً لرعاية الحاجة زينب، التي استعادت عافيتها وصحتها وسط عناية طبية وفائقة ورعاية مستمرة من مريم.
جلس أحمد في حديقة الفيلا، يمسك ببراد الشاي، وتجلس بجواره أمه زينب المبتسمة، ومريم التي تحمل بين يديها طفلتهما الجديدة التي أسمياها “زينب” على اسم جدتها.
نظر أحمد إلى مريم، وابتسم بامتنان وحب لا ينتهي:
— «سامحيني يا مريم… يومها شككتُ فيكِ وبكيتُ من التصرفات التي لم أفهمها.»
وضعت مريم يدها فوق يده وقالت بابتسامة دافئة:
— «الذهب والمجوهرات والمال يُعوض يا أحمد… لكن الحقيقة والوالدين والكرامة لا تعوض أبداً. وأنا لم أكن لأفعل شيئاً سوى حماية الرجل الذي أحببته وحماية العائلة التي تنتمي إليها.»
ابتسمت الجدة زينب وهي تداعب حفيدتها الصغرى، ورُفعت راية الحق، وعرفت العائلة أن القوة الحقيقية ليست في النفوذ والمال، بل في الصدق والوفاء وحفظ الجميل.
تمت

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *