سلفتي اتريقت على توك المدرسه الى جبتها لبنتي ج2

منى السيد

مليكة قعدت تعيط وتهز راسها برفض، بس حماتي شاورتلها بإيدها
تعالي يا قلب ستك، متخافيش من أمك، مفيش حد هيقدر يمد إيده عليكي ولا يلمسك.. تعالي وقولي الحق، مريم بتكدب؟
مليكة انفضت من جمب أمها، وجريت اترمت في حجر ستها، ودفنت وشها في صدرها وانفجرت في عياط هستيري كان مكتوم بقاله أسابيع وشهور، وقالت بصوت متقطع طالع من بين شهقاتها
مريم مش بتكدب يا تيتة.. مريم بتقول الحق.. أنا اللي قطعت الشنطة بالمقص، وأنا اللي رميت اللانش بوكس والمقلمة في المنور اللي ورا المدرسة.. أنا مش عايزة الحاجات دي! أنا بكرهها وبكره المدرسة وبكره كل حاجة بتجيبها ماما!
نيفين وشها بقى أصفر زي الليمونة، ورجعت خطوة لورا وهي بتتلعثم
مليكة.. إنتي.. إنتي بتقولي إيه؟ إنتي اتجننتي يا بت؟
مليكة رفعت وشها اللي كان مغرق دموع، وبصت لأمها بوجع وصرخت فيها بصرخة طفولية قطعت قلوبنا كلنا
إنتي مبتفكريش غير في نفسك يا ماما! إنتي بتجيبيلى الحاجة عشان تتصوري بيها وتوريهم لطنط إيمان ولعماتي، وميهمكيش أنا حاسة بإيه! كل يوم الصبح تقوليلي قولي لصحابك جيباها منين، وقولي لمريم مامتك متقدرش تجيبلك كدة! البنات في الفصل بعدوا عني وقالولي إنتي شايفة نفسك علينا ومش هنلعب معاكي، ومريم هي الوحيدة اللي بتديني من سندوتشاتها وبتلعب معايا ومبتسيبنيش.. أنا مكنتش عايزة ألبس الشنطة دي تاني، كنت عايزاها تبوظ عشان تسبيني في حالي وتجيبيلي حاجة زي بقية البنات!
الكلمات كانت كفوف بتنزل على وش نيفين مش قلم واحد، ده كان فضح صريح لكل الغل والنقص والمرض اللي كان ساكن جواها. كل التباهي وكل المظاهر الفارغة اللي كانت بتبني بيها مجد وهمي على قفا

طفلتها الصغيرة، اتهدت في دقيقة واحدة قدام الحقيقة العارية.
نيفين كانت بتسند على الباب، مش لاقية كلمة واحدة تقولها، ملامحها اتكسرت وضاعت كل الغطرسة اللي كانت بتدخل بيها علينا.
عماد جوزها وقف، وبص لمراته بنظرة احتقار عمري ما شفتها في عينه قبل كده. قرب منها بخطوات بطيئة، وصوته كان واطي بس فيه غضب يهد بيوت
هو ده اللي كنتي قالية بيه دماغي؟ هو ده اللي مخليكي تبهدلي عيشتنا وتضيعي قرشنا في الهوا؟ عشان تحاربي أخويا ومراته وتكسري نفس بت صغيرة؟ تخلي بنتك تكرهك وتكره عيشتها وتعمل في نفسها كده عشان تهربي من نقصك؟ أنا الغلطان، أنا اللي سكتلك من الأول وقولت بتدلع بنتها، لكن إنتي مريضة، مريضة ومش هسمحلك تدفني بنتي في مرضك ده أكتر من كده!
نيفين حاولت تتكلم وصوتها بيرتعش
عماد.. اسمعني.. البت دي ملعوب في دماغها.. إيمان ومريم هما اللي…
قاطعها عماد بصوت جهوري رج البيت كله
اخرسي! كلمة زيادة وهيكون ليكي معايا تصرف تاني خالص ميعجبكيش! لمي نفسك واطلعي شقتك فوق، ومشوفش وشك تحت هنا لحد ما أعرف أنا هعمل معاكي إيه!
نيفين بصت لحماتي عشان تستنجد بيها، لكن حماتي دارت وشها الناحية التانية وقالت بقرف
اطلعي فوق يا نيفين.. ربنا يهديكي لنفسك، ده الحقد بياكل في صاحبه زي ما النار بتاكل في الحطب، وإنتي نارك كلت بنتك قبل ما تطول حد تاني.. اطلعي ومتورينيش وشك.
خرجت نيفين من الشقة وهي بتجر رجليها، مكسورة ومفضوحة قدام البيت كله، والباب اتقفل وراها بصوت كأنه قفل صفحة كاملة من التكبر والتعالي.
عماد قرب من محمد أخوه، وحط إيده على كتفه، ونزلت دمعة من عينه مسحها بسرعة
حقك عليا يا محمد.. حقك عليا يا أخويا، وحقك على راسي يا إيمان، وبوسة على راس بنتك مريم اللي طلعت بميت راجل، وأحسن مننا كلنا.. سامحوني على اللي حصل، وعيلتكم دي طول عمرها على راسي من فوق.
محمد قام ووقف، وحضن أخوه بحرقة
مفيش بينا اعتذار يا عماد، إنت أخويا وشقي شقايا، والعيال ولادنا كلنا، المهم تاخد بالك من بنتك، دي لحمك ودمك ومحتاجة حنية مش مناظرة ومظاهر.
أنا قومت بهدوء، روحت ناحية مليكة اللي كانت لسه قاعدة في حجر حماتي بتترعش من العياط. وطيت لمستواها، ومسحت دموعها بإيدي، وابتسمت في وشها
متزعليش يا مليكة يا حبيبتي، إنتي بنوتة طيبة وجميلة، ومحدش زعلان منك خالص.. إنتي أخت مريم، ومن هنا ورايح شنطتك وحاجتك إنتي اللي تختاريها باللي يريحك ويبسطك، ومفيش حد هيبعد عنك تاني أبدا.
مليكة رفعت عينيها وبصت لمريم، ومريم قربت منها ومسكت إيدها وقالتلها
تعالي نطلع فوق يا مليكة، نلعب بالعروسة ونلون في الكشكول بتاعي، وماما هتعملنا كيكة بالشوكولاتة ناكلها سوا.
مليكة ابتسمت من وسط دموعها وهزت راسها، وقاموا الاتنين ماسكين إيد بعض، وطلعوا على شقتنا فوق، كأن سحابة الصيف السودة عدت ومفضلش غير ندى الصبح الصافي.
حماتي بصتلي، وعينيها كانت مليانة رضا ومحبة، وقالتلي بصوتها الدافي
تعالي يا إيمان يا بنتي.. اقعدي جنبي هنا.
قعدت جنبها، فمسكت إيدي الاتنين وطبطبت عليهم
الله يباركلك في تربية بنتك يا إيمان، ويجبر بخاطرك زي ما جبرتي بخاطر جوزك ومحسستيهوش بالعجز ولا بالقلة. الفلوس بتروح وتيجي يا بنتي، ولبس المدارس والشنط الغالية بكرة تدوب وتترمي، بس الأصل الطيب والشبع اللي في العين والقلب مبيفناش أبدا. بنتك طلعت نبتة صالحة عشان شربت من رضاكي وأصلك الطيب، ونيفين ربنا يسامحها حصدت اللي زرعته بإيدها.
محمد بصلي من بعيد، عيونه كانت بتقول كلام كتير أوي مكنش محتاج يتقال بلسان. كانت نظرة شكر وامتنان وحب حقيقي، نظرة راجل حاسس إن في ضهره ست بجد، ست حامية بيته وصاينة بنته وبتصبر على حلو الزمان ومره من غير ما تشتكي ولا تبص للي في إيد غيرها.
طلعنا شقتنا في المسا، كان الجو هادي ومريح بشكل غريب، البيت اللي كان الصبح مشحون ومضغوط، اتملى بنور وسكينة كأن الملايكة حلت فيه.
دخلت المطبخ وعملت الكيكة اللي وعدت البنات بيها، ودخلتلهم الأوضة. كانوا قاعدين على السجادة، فارشين الألوان والورق الأبيض، ومليكة كانت بتضحك من قلبها وهي بتشوف مريم بتعلمها ترسم بيت وشجرة ووردة، والتوك البسيطة اللي نيفين كانت بتتريق عليها وبتقلل منها، كانت مريم مديّة منها توكة بينك لمليكة ومليكة حطاها في شعرها بكل فخر وفرحة، وبتبص في المراية وتقول
دي لايقة عليا أوي يا مريم!
وقفت على باب الأوضة وسندت على كتف محمد اللي جه وقف ورايا، وابتسمنا إحنا الاتنين وإحنا بنبص للمشهد ده. في اللحظة دي اتأكدت من حاجة واحدة، إن النقص مش في الجيب الفاضي، النقص في العين اللي متتمليش وفي القلب اللي ميعرفش معنى القناعة. الحاجة البسيطة بتفضل دهب طول ما اللي ماسكها قلبه نضيف وراضي، والكنوز كلها متسواش مليم لو كانت بتتحط عشان تكسر قلوب الناس أو ترضي غرور أعمى.
مريم كبرت في اليوم ده سنة قدام عيني، وكبرت في عيون العيلة كلها، وعرفت إن كل جنيه بنحسبه وكل صبر بنصبره ربنا بيعوضنا عنه براحة بال ورضا ميتشتريش بكنوز الدنيا، وإن البساطة مش عيب ولا فقر، البساطة هي توب الغنى الحقيقي اللي مبيبهتش مع الأيام.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *