حماتي منعتني

قبل ما يبدأ.
١٥ بعد أسبوع
الأسبوع اللي بعده كان أصعب أسبوع في حياتي.
مش عشان الطلاق.
عشان اكتشفت قد إيه كنت سايبة حياتي مفتوحة للناس.
غيرت كل كلمات المرور.
وقفت كل البطاقات الإضافية.
راجعت حسابات الشغل مع عمرو.
واكتشفنا إن فيه تحويلات تانية صغيرة، بمبالغ مختلفة، اتعملت على مدار سنة ونص.
مش كلها كانت من حازم.
بعضها كان من موظف في المخزن، وبعضها من حساب تابع لشركة عفاف.
لكن كل حاجة كانت متسجلة.
وكل حاجة كان لها أثر.
عمرو قال لي
مدام نادين، عندك حق قانوني تطالبي برد المبالغ، وكمان فيه شبهة استخدام غير مصرح به لبياناتك.
أنا مش عايزة أؤذي حد.
المطالبة بحقك مش أذى.
عارفة.
وفيه حاجة تانية. لازم نراجع ملكية الشقة.
راجعت عقد الشقة.
كانت باسمي.
مش باسم حازم.
أنا اللي دفعت الأقساط.
أنا اللي دفعت التأمين.
أنا اللي دفعت المصاريف.
حازم كان عايش فيها، لكن الملكية كانت ليا.
ولأول مرة، فهمت إن فيه حاجات كنت بعتبرها مش مهمة لأنها تخص الفلوس، لكنها كانت في الحقيقة بتحدد حياتي.
١٦ اعتذار متأخر
بعد أسبوعين، حازم جه البيت.
كان معاه شنطة صغيرة.
أنا جاي أتكلم.
اتفضل.
دخل وقعد.
أنا بدأت إجراءات الطلاق.
عارفة.
ووقعت على إقرار بكل المبالغ اللي استخدمتها من حساباتك.
بصيت له.
ليه؟
عشان أنا غلطت.
دي أول مرة تقولها من غير ما تضيف بس.
ابتسم ابتسامة حزينة.
أيوه.
إنت هتعمل إيه؟
هبيع العربية، وأي حاجة باسمي، وأسدد اللي أقدر عليه.
والمبالغ اللي مش هتقدر عليها؟
هعمل جدول سداد.
تمام.
أنا مش بطلب منك ترجعي.
سكت.
بس عايزك تعرفي إني كنت بحبك، حتى لو أنا بوظت كل حاجة.
بصيت له.
يمكن كنت بتحبني. بس إنت كنت بتحب صورتك قدام أهلك أكتر.
هز راسه.
ممكن.
وأنا مش عايزة أكرهك.
وأنا مش عايزك تكرهيني.
بس مش هقدر أرجع.
عارف.
قام.
وقبل ما يخرج، قال
أمي عايزة تكلمك.
مش دلوقتي.
هي تعبانة.
أتمنى لها الشفاء.
نادين
حازم، أنا مش هتكلم معاها إلا لما يبقى فيه محامي حاضر.
سكت.
وبعدين خرج.
١٧ عفاف من غير تاج
بعد شهر، وصلني استدعاء رسمي بخصوص التحقيق في المستندات.
عمرو كان معايا.
عفاف حضرت.
كانت لابسة بدلة بسيطة، من غير العقد الغالي اللي كانت بتلبسه في كل مناسبة.
وشها كان مرهق.
المحقق سألها عن التوقيعات، والتحويلات، والشركة.
في البداية حاولت تنكر.
لكن لما ظهرت سجلات الدخول، ورسائل البريد الإلكتروني، ونسخ المستندات، ماقدرتش تكمل.
اعترفت إنها استخدمت بياناتي عشان تنقل التعاقد، وإنها كانت ناوية تستخدم جزء من فلوسي في تسديد التزامات شركتها.
أما حازم، فاعترف إنه ساعدها في الدخول على حسابات الشغل، وإنه كان عارف إن بعض الشحنات خرجت من المخزن من غير إذني.
النتيجة كانت واضحة.
اتعملت تسوية قانونية للمبالغ اللي ثبت استخدامها، واترد جزء كبير منها بعد بيع ممتلكات وحسابات الشركة.
والباقي اتحدد له جدول سداد رسمي.
أما المستندات المزورة، فالإجراءات القانونية استمرت، لأن الموضوع ماكانش مجرد خلاف عائلي.
كان استخدامًا لبياناتي من غير إذني.
وفي يوم من الأيام، وأنا خارجة من مكتب المحامي، قابلت نيرة.
كانت لوحدها.
نادين.
وقفت.
أيوه؟
أنا وسيف انفصلنا.
اتصدمت.
ليه؟
مش بسببك.
أنا مقلتش حاجة.
عارفة. بس إحنا اكتشفنا إننا بدأنا حياتنا غلط. كل حاجة كانت مبنية على استعراض، وعلى إن الناس تشوفنا بشكل معين.
سكتت.
أنا فسخت الخطوبة رسميًا.
أتمنى لك الخير.
أنا كنت فاكرة إن التعليم والشهادات هما اللي بيحددوا قيمة الإنسان.
بصيت لها.
التعليم مهم. بس الأخلاق أهم.
هزت راسها.
عارفة دلوقتي.
أتمنى تفضلي فاكرة.
١٨ بداية جديدة
بعد تلات شهور، نقلت شغلي من البيت لمكتب صغير في وسط القاهرة.
مش مكتب كبير.
ولا فخم.
لكن كان فيه اسمي على الباب.
نادين الشاذلي تجارة وتوزيع الملابس والأحذية.
أول يوم علقت اللافتة، وقفت قدامها شوية.
افتكرت عفاف وهي بتقول
شغل إيه؟ بتشتري حاجات وتبيعها.
ابتسمت.
الشغل اللي كانت شايفاه قليل، بقى سبب إني أبدأ حياتي من جديد.
كبرت المخزن.
فتحت حسابات منفصلة.
عينت محاسب.
وبقيت أنا اللي أراجع كل تحويل.
مش عشان بقيت شكاكة.
عشان اتعلمت إن الثقة مش معناها إنك تدي حد مفاتيح حياتك كلها.
في يوم افتتاح المكتب، منى كانت معايا.
قالت
إنتِ مبسوطة؟
بصيت حواليّ.
أيوه.
رغم كل اللي حصل؟
يمكن عشان كل اللي حصل.
يعني إيه؟
زمان كنت فاكرة إن قيمتي في إنهم يحبوني. دلوقتي فهمت إن قيمتي مش محتاجة موافقة حد.
ضحكت.
طب وحازم؟
كل واحد في طريقه.
وعفاف؟
ربنا يهديها.
وسيف؟
بدأ يشتغل مع والده، بعيد عن تنظيم المناسبات.
ونيرة؟
بتكمل دراستها، وبتشتغل في مجالها.
سكتنا شوية.
وبعدين منى قالت
إنتِ عمرك فكرتي إن كل ده كان لازم يحصل عشان تعرفي نفسك؟
بصيت لها.
يمكن. بس كنت أفضل أعرف نفسي من غير ما أخسر أربع سنين.
١٩ آخر مواجهة
بعد ست شهور، كنت في المكتب لما لقيت رسالة من رقم غريب.
نادين، أنا عفاف. محتاجة أشوفك.
مبعتش رد.
بعدها رسالة تانية
مش عشان فلوس. عشان أقولك حاجة.
اترددت.
وبعدين اتصلت بعمرو.
أستاذ عمرو، عفاف عايزة تقابلني.
لو هتقابليها، خلي المقابلة في المكتب، وأنا موجود.
حاضر.
في اليوم المحدد، عفاف دخلت المكتب.
بصت على اللافتة، وبعدين بصت لي.
كبرتي شغلك.
الحمد لله.
قعدت.
كانت مختلفة.
مش ضعيفة.
لكن أقل ثقة.
أنا جايّة أعتذر.
سكت.
عارفة إنك مش محتاجة تسمعيه. بس أنا محتاجة أقوله.
اتفضلي.
أنا ظلمتك.
أيوه.
وكنت شايفة إن الشهادة والمكانة أهم من كل حاجة.
أيوه.
وكنت بستخدم فلوسك، وبعدين أتكلم عنك كأنك أقل مننا.
أيوه.
نزلت عينها.
أنا مش هطلب منك تسامحيني.
كويس.
رفعت عينها.
بس عايزة أقولك إنك كنتِ أحسن مننا كلنا في حاجات كتير.
أنا مش محتاجة أكون أحسن منكم.
عارفة.
سكتنا.
وبعدين قالت
حازم بيحاول يسدد اللي عليه.
عارفة.
وهو ندمان.
أتمنى له الخير.
إنتِ مش هترجعي له؟
لأ.
هزت راسها.
كنت متوقعة.
ليه؟
عشان إنتِ لما قررتي تقفلي الكروت، كنتِ خلاص قررتي تقفلي باب تاني.
ابتسمت.
يمكن.
قامت.
وقبل ما تخرج، قالت
أنا آسفة يا نادين.
بصيت لها.
أتمنى تتعلمي من اللي حصل.
هحاول.
خرجت.
ومشيت لحد باب المكتب.
قفلت الباب وراها.
المرة دي، مكنش فيه صراخ.
ولا تهديد.
ولا دموع.
بس كان فيه نهاية.
٢٠ بعد سنة
عدت سنة كاملة.
سنة من غير حازم.
سنة من غير عفاف.
سنة من غير ما أسمع جملة إحنا عيلة واحدة كأنها تصريح يسمح لأي حد يدخل حسابي أو يقرر عني.
كنت واقفة في مكتبي، براجع آخر شحنة قبل ما تخرج.
المحاسب قال
مدام نادين، الحسابات كلها اتراجعت.
تمام.
فيه تحويل جديد من شركة حازم.
قيمة القسط؟
أيوه.
سجله.
حاضر.
قفلت الملف.
وبصيت من الشباك.
القاهرة كانت زحمة، والناس ماشية، وكل واحد بيجري ورا رزقه.
افتكرت يوم الفرح.
الفستان الزيتي.
شنطتي اللي عفاف رمتها على الأرض.
الجملة اللي قالتها
واحدة من غير شهادة ملهاش حق تقعد مع عيلتها.
ضحكت.
أنا يومها كنت فاكرة إنهم منعوني من فرح.
لكن الحقيقة إنهم كانوا بيخرجوني من حياة كاملة، أنا كنت بديها كل حاجة، ومش واخدة منها غير الإهانة.
موبايلي رن.
رسالة من منى
مبروك يا نادين. أول شحنة للمحل الجديد في الإسكندرية خرجت.
ابتسمت.
رديت
الحمد لله. دي البداية بس.
قفلت الموبايل.
وبصيت على اللافتة اللي على باب المكتب.
نادين الشاذلي تجارة وتوزيع الملابس والأحذية.
المرة دي، مفيش حد واقف على الباب يمنعني من الدخول.
لأن المكان ده كان مكاني.
والفلوس دي كانت فلوسي.
والقرار ده كان قراري.
الخاتمة
بعد سنتين، كنت في افتتاح فرع جديد لشغلي في الإسكندرية.
المحل كان مليان ناس، والموظفين بيتحركوا، والطلبات بتتسجل، والضحك مالي المكان.
دخلت واحدة من الزبائن، وسألتني
حضرتك صاحبة المحل؟
أيوه.
ما شاء الله. إنتِ دارسة تجارة؟
ابتسمت.
لأ. أنا اتعلمت من الشغل.
ضحكت.
ربنا يوفقك.
آمين.
بعد ما خرجت، وقفت قدام المراية.
كنت لابسة بدلة بسيطة، وشعري مربوط، وفي إيدي دفتر الحسابات.
افتكرت الساعة اللي عفاف كانت بتلبسها من حسابي.
العقد.
المصايف.
العربية.
الفندق.
كل الحاجات اللي كانوا شايفينها حق مكتسب.
وكل الحاجات اللي أنا كنت بعتبرها ثمن الحب.
دلوقتي، مفيش عقد غالي على رقبتي.
ولا عربية فخمة تحت البيت.
ولا جوز بيحكي لأهله إنه شايلني.
لكن فيه حاجة أهم.
أنا شايلة نفسي.
وبقيت عارفة إن الإنسان مش بيتقاس بالشهادة اللي معاه، ولا بالفلوس اللي في حسابه، ولا بالعيلة اللي اتولد فيها.
بيتقاس باللي بيعمله لما يكون قادر يظلم ويختار ما يظلمش.
أما عفاف، فشركتها اتقفلت بعد ما خلصت إجراءات التسوية، وبقت بتشتغل في تنظيم أنشطة صغيرة بعيد عن الدوائر اللي كانت بتعتبرها تاجًا على رأسها.
حازم سدد جزءًا كبيرًا من المبالغ، واستقر في شغل جديد، وبقى عايش بعيد عن تدخلات أمه.
وسيف ونيرة كل واحد بدأ حياته من جديد، بعد ما فهموا إن الجواز مش حفلة كبيرة، وإن الصورة اللي الناس بتشوفها مش أهم من الحقيقة اللي بتعيشها.
وأنا؟
أنا ما رجعتش.
ولا ندمت إني مشيت.
لأن اليوم اللي رميت فيه الكروت التلاتة من حياتي، مكنتش بقفل حسابات بس.
كنت بقفل باب الاستغلال.
وبفتح باب عمري الحقيقي.
النهاية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *