بدايه جديده

يوم فرحي كان المفروض يكون اليوم اللي بدأت فيه حياتي، مكنتش أعرف إنه اليوم اللي هيموت فيه جوزي قدام عيني.. عشان يرجعلى بعد أسبوع من تحت التراب!
أنا ومريم كنا مع بعض بقالنا أربع سنين، قصة حب وعشرة طويلة، بنينا فيها أحلامنا طوبة طوبة، وكنا بنفرح بكل خطوة صغيرة بنخطيها سوا. كنت فاكرة إني عارفة عنه كل كبيرة وصغيرة، حاسه بنبضه وفاهماه من نظرة عينه، إلا حاجة واحدة بس كانت دايماً زي السد المنيع بيني وبينه: أهله.
كل ما كنت أجيب سيرة أهله أو أسأله هنيجي نخطب من مين ومين هيكون وكيلك، كان يقلب وشه وملامحه تتغير تماماً، ويقفل الكلام بكلمة واحدة وبنبرة حاسمة: “أهلي ناس معقدة يا مريم، بلاش نتكلم فيهم”. ولما كنت أصر وأسأله بفضول البنت اللي عايزة تعرف ناس جوزها المستقبلي: “معقدين إزاي يعني يا كريم؟ إيه اللي يخلي شاب زيك يقطع مع أهله بالشكل ده؟”، كان يضحك ضحكة صفرا، ضحكة مليانة وجع ومرارة ويقولي: “عقَد ولاد الأكابر والفلوس اللي بالكوم.. ناس بتشوف البني آدم برصيده في البنك، مش بقيمته”.
كريم كان قاطع معاهم تماماً، لدرجة إنه مكنش معاه حتى صور ليهم. بس أوقات، في وسط كلامنا العادي، كان بيسرح لبعيد أوي، وعينيه تلمع ببريق غريب ويقول لي: “تخيلي يا مريم لو معانا فلوس بجد؟ مش الفلوس اللي بنقبضها أول الشهر وتخلص في آخره.. الفلوس اللي تخليكِ تسافري وتلفي الدنيا، وتفتحي

أكبر مشروع، وتعيشي ملكة في قصر من غير ما تبصي في محفظتك أو تشيلي هم بكره؟”. كنت أضحك من قلبي وأطبطب على إيده وأقوله برضا: “يا حبيبي إحنا ماشيين أهو والحمد لله، مستورين وبنحب بعض، وطول ما إحنا مع بعض الدنيا تمام ومش عايزة من الدنيا أكتر من كده”. كان يبصلي بصه غريبة، نظرة دافية بس مليانة أسرار وعمق مكنتش فاهماه وقتها، ويقول: “فعلاً يا مريم.. المهم نفضل مع بعض وما نحتاجش لحد.. أبداً”.
## يوم الفرح.. الكابوس المفاجئ
وجه يوم الفرح اللي استنيناه سنين. كنت طايرة من الفرحة، الفستان الأبيض ضابط عليا، والمكياج هادي زي ما كنت بحلم. كريم كان زي القمر في البدلة السوداء، واقف في وسط القاعة يرقص ومبسوط ومزقطط، بيضحك مع ده ويسلم على ده، والفرحة مش سيعاه. كنا بنرقص “سلو” على أغنيتنا المفضلة، وهمس في ودني: “أخيراً بقيتي بتاعتي يا مريم، مفيش قوة في الدنيا هتبعدني عنك”.
وفجأة، وفي وسط القاعة والناس بتهيص والمزيكا مالية المكان، حسيت بإيده اللي ماسكه إيدي سابت فجأة. بصيت في وشه، لقيت ملامحه اتخطفت، ولونه بقى باهت زي السحاب. مسك صدره بألم رهيب، وجسمه كله اتنفض، ووقع على الأرض مرة واحدة وبقوة.
صوت رزعته على الأرض لسه بيرن في ودني لحد دلوقتي، صوت كسر فرحتي كلها. الناس كلها اتجمدت في مكانها من الصدمة، والمزيكا قطعت فجأة لدرجة إن السكون اللي حل في القاعة كان مرعب.
بعدها بثواني، اتقلبت القاعة صريخ وهيصة وخوف. جريت عليه بفستاني الأبيض المنفوش، ركعت على ركبي في الأرض ومش هاممني الفستان ولا المظاهر، وبقيت أهز فيه وأصرخ بأعلى صوتي: “كريم! رد عليا يا كريم! متعملش فيا كده.. كريم قوم عشان خاطري!”.
المسعفين جم بسرعة البرق، وحاولوا يعملوا له إنعاش قلبي، لكن بعد دقايق مرت عليا وكأنها سنين، دكتور الإسعاف بصلي بنظرة كلها أسى وقال جملة واحدة نزلت عليا زي السكينة اللي دفنت في قلبي: “البقاء لله.. سكتة قلبية مفاجئة”.
كريم مات. مات في اليوم اللي كان المفروض يكون أسعد يوم في حياتنا. الفستان الأبيض اتملا من تراب الأرض، ودموعي غسلت المكياج، والزفة الطايرة تحولت لمأتم وصوان عزاء.
## الجنازة واللغز الغامض
أنا اللي عملت كل حاجة في الجنازة. كنت زي الائهه، مش مصدقة ولا مستوعبة، بس كنت بحاول أكون قوية عشان أدفن حبيبي بكرامة. الغريب إن كريم مكنش ليه حد واقف معايا في الدفن والعزاء غير ابن عمه “خالد”. أهله؟ أهله حتى مجوش الجنازة! ولا حد منهم ظهر ولا عزى ولا اتصل.
بعد ما الدفن خلص والناس مشيت، روحت لخالد وأنا بنهار، وعيني حمرا من كتر البكاء، وسألته بدموعي ونبرة عتاب حارقة: “خالد.. أهله فين؟ ابنهم مات! كريم اندفن تحت التراب ومحدش من أهله جه يشوفه للمرة الأخيرة؟!”.
خالد رد عليا ببرود غريب، مكنش باين عليه الحزن الحقيقي، كان بيبص في
ساعته كل شوية بتوتر، وقال: “هما كدة يا مريم.. ناس أغنياء وعمرهم ما سامحوه على الغلطة اللي عملها، كبريائهم وفلوسهم أهم من أي حد”.
مسكته من قميصه وصرخت فيه: “غلطة إيه يا خالد؟ كريم عمل إيه يخليهم يقسوا عليه كده حتى وهو ميت؟!”. فجأة موبايل خالد رن، وبان على وشه ارتباك شديد وإنه عايز يهرب من أسئلتي بأي طريقة. قفل الموبايل بسرعة وقال: “معلش يا مريم، لازم أمشي دلوقتي ورايا حاجات مهمة تخص الشغل.. شد حيلك”. وسابني واقفة في وسط المدافن وجري.
## الهروب من الذكريات
بعد العزاء، مقدرتش أعتب باب الشقة اللي جهزناها سوا. كل ركن فيها كان فيه ضحكة لكريم، كل ستارة اختارناها مع بعض، وكل حيطة دهناها سوا. الوجع كان أكبر من طاقة تحملي. لميت شنطة صغيرة فيها شوية هدوم وصورة لكريم، ونزلت الصبح بدري والمدينة لسه صاحية. ركبت أول أتوبيس مسافر في الموقف، مكنتش عارفة هو رايح فين ولا أنا رايحة فين، كنت بس عايزة أهرب من الوجع، أهرب من الحيطان اللي بتصرخ باسمه.
قعدت جنب الشباك، سانده راسي على الزجاج والدموع مغرقة وشي، والطريق بيتحرك قدامي بسرعة والبيوت والأشجار بتعدي كأنها شريط ذكرياتنا اللي انتهى قبل ما يبدأ. الأتوبيس وقف في محطة تانية عشان يركب ناس، وفي وسط الزحمة، لقيت واحد ركب وقعد في الكرسي الفاضي اللي جنبي.
مكنتش قادرة أبص في وشه ولا أهتم بمين قعد، بس فجأة.. شميت ريحة.
. دي ريحة كريم! نفس
م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *