صاحبي ج1 اماني السيد
فضلت متسمر مكاني، ريقي ناشف وعيني مثبتة على ملامحها القلقانة، لحد ما خطت خطوتين نحوي ومدت إيدها تطبطب على كتفي وهي بتكرر: “فيه إيه يا راجل؟ انطق وقعت قلبي!”
أول ما لمستني، حسيت بنغزة حرقت ضلوعي، كأن لمستها الطيبة جمرة بتفكرني بجرمي. بلعت ريقي بصعوبة، وصوتي طلع مهزوز ومبحوح لدرجة إني معرفتوش:
“أنا غلطت يا أم العيال.. غلطت غلطة عمري اللي مفيش وراها رجوع.. أنا.. أنا اتجوزت عليكي.”
الكلمة نزلت على الشقة زي الصاعقة. الهوا فجأة اتسحب من المكان. شفت الصدمة بتشل ملامحها، عينيها وسعت برعب مش مصدق، وإيدها اللي كانت على كتفي اتجمدت في الهوا، شفايفها بدأت ترتعش كأنها مستنية الجملة الجاية تكون نكتة بايخة أو كابوس، وأول ما شفتها بتفتح بقها، ونار الغضب والكسرة بدأت تلمع في عينيها عشان تنفجر وتصرخ في وشي، رفعت إيدي المرتعشة وشاورتلها بلهفة واحد بيغرق، وقطعت عليها أي كلمة قبل ما تنطقها:
“استني.. استني متتكلميش ومتقوليش حاجة.. اقسم بالله مش دي الكارثة.. الكارثة أكبر من كده بكتير!”
وفجأة، كل محاولاتي إني أبان متماسك أو راجل مسيطر على أمره انهارت في ثانية. رجلي مالتشيلتنيش، ركبي خرت تحتي ونزلت على الأرض ساند راسي على كفوفي، وانفجرت في عياط هستيري مقهور، عياط راجل اكتشف إنه رمى نفسه وعياله في قاع جهنم برجليه، وبقيت بنشج بدموع حارقة وأنا بضرب على دماغي زي المجنون، مش قادر ألملم خيبتي ولا عارف حتى هكملها إزاي بقية الكابوس اللي أنا رابط رقبتي بيه.
دموعي كانت نازلة بتكوي خدي، وصوت نشيجي ملأ الصالة لدرجة إني مكنتش قادر أتنفس. رفعت وشي ليها بالعافية وأنا قاعد على الأرض زي العيل الصغير، شفتها واقفة مصلوبة مكانها، الصدمة شلت حركتها وعينيها كانت مزيج مرعب من الذهول والاشمئزاز، بتبصلي من فوق لتحت كأنها شايفة واحد غريب عمرها ما قابلته قبل كده.
حاولت ألمّ لساني المنعقد عشان أكمل، وصوتي طالع مقطع وسط البكا:
“لبسوني في الحيط يا أم العيال.. باعوني لغم متفجر وخدوني على عمايا. البنت اللي اتجوزتها طلعت مريضة نفسية.. مجنونة رسمي! كانت محجوزة في مستشفى المجانين وأهلها استغفلوني، وصاحبي الواطي طلع متفق معاهم عشان يخلصوا من فضيحتها ويرموها في رقبتي أنا!”
مسحت وشي بكُم القميص وأنا بترعش كأني في عز الشتا، وكملت وأنا شايف عينيها بدأت تلمع بدموع مكسورة بس من غير ولا حرف:
“الليلة شفت الموت بعيني.. جالها هياج عصبي هستيري وجريت ورايا بس.كينة المطبخ، الجيران اتلموا والإسعاف شالوها، وفي المستشفى الدكتور صدمني.. قالي دي شيزوفرينيا حادة وبتجيلها نوبات قتل وعنف، علاجها حقن مستوردة مقطوعة من مصر كلها، ولو مخدتهاش هتقتل حد.. وقالي بالحرف: يا تجيب الدوا ده من تحت الأرض بآلاف مؤلفة، يا تجيب أمر نيابة وتحجزها في مصحة مقفولة باسمك وعلى مسؤوليتك.. أنا مربوط في رقبتها قانونياً يا أم العيال، لو ارتكبت مصيبة هتتحسب عليا أنا!”
سكتت للحظة والسكوت كان أتقل من جبل على صدري. كنت متوقع تصرخ، تضربني، ترمي في وشي أي حاجة، تطردني برة البيت.. لكن الهدوء اللي نزل عليها فجأة رعبني أكتر من صريخها.
رجعت خطوة لورا ببطء، ولمت دراعاتها الاتنين حوالين نفسها كأنها بتدفي قلبها اللي اتكسر، ونظرة عينيها اتحولت من صدمة لبرود جليدي، وبصتلي بنبرة واطية وهادية لدرجة تخوف:
“يعني إنت جاي دلوقتي تبكي تحت رجلي عشان خنتني وكسرت ضهري، ولا جاي تعيط عشان الفريسة طلعت مسمومة ومطلعتش زي ما كنت راسم على مزاجك؟”
كلامها نزل عليا زي ضربة شاكوش على راسي، حسيت إن الدم نشف في عروقي وأنا سامع برود صوتها، برود ألعن ألف مرة من الصريخ واللطم.
رفعت إيدي المرتعشة عشان أترجاها، ولساني عاجز عن النطق، لكن هي قطعت أي محاولة مني بنظرة واحدة جمدتني في أرضي. رفعت دقنها لفوق، ومسحت طرف عينها بإصبعها بسرعة كأنها بتطرد أي دمعة ندمت إنها نزلت عليا، وصوتها طلع حاد وناشف زي الموس:
“طلقني يا أبو العيال.. طلقني دلوقتي وفي اللحظة دي!”
اتسمرت وأنا باصصلها برعب: “أطلقك؟! ده أنا غرقان يا أم ولادي، ده أنا جايلك مستنجد بيكي تحميني وتفكري معايا في المصيبة دي!”
ابتسمت بسخرية موجعة، ابتسامة كسرة وشماتة في نفس الوقت، وقربت خطوة واحدة وهي بتبصلي من فوق لتحت:
“مشاكلك دي تلبسها لوحدك، ماليش دخل بيها من قريب ولا من بعيد! كنت جيت خدت رأيي وإنت رايح تدفع دم قلبك شبكة للبنت اللي فلقة قمر؟ كنت استشرتني وإنت بتفرش شقة الإيجار وتتفق مع صاحبك الواطي؟ كنت فكرت فيا وإنت عايشلك يومين حلوين على قفا كدبك عليا وإنك في مصلحة شغل؟ جايب وراك مصيبة وقفل باب، وجاي تعيط تحت رجلي ليه دلوقتي؟”
شهقت بنَفَس مليان مرار وكملت بنبرة سمّمت روحي:
“ولا اوعى تكون فاكرني عبيطة؟! إنت جاي تحكيلي وتتباكى عشان أقولك معلش يا حبة عيني، وأمد إيدي أبيعلك دهبي ولا أكسر قرشين شقايا اللي شايلاهم للعيال عشان تروح تعالج بيهم الست هانم اللي كنت رايح تتسلى بيها؟!”
صرخت فيا بحدة فزعتني أول ما شافتني بهز راسي بالنفي:
“ورقة طلاقي توصلي من غير شوشرة، والبيت ده متدخلوش تاني.. تشيل شيلتك وتغرق في وحلك بعيد عني وعن ولادي، وروح شوف بقى هتجيب حقن المستوردة منين لعروستك أم وش قمر!”