حكايات بسمه ج٣
لحقني للمطبخ، وقف عند الباب ويديه في جيبه، عينيه كانت بتتحرك في المطبخ كأنه بيشوف المكان لأول مرة:
—طيب، وبعدين؟ الشقة وبقت باسمك.. والكرامة رجعتيها قدام أهلك وأهلي.. هنعيش إزاي بعد كده؟ أنتِ فاكرة إن الحياة ينفع تكمل بالنظام ده؟ بإنك تلوي دراعي كل ما أقول كلمة؟
لفيت وشي ليه، وحطيت الأطباق في الحوض، وبصيت له بجدية لأول مرة من يوم ما بدأت الأزمة:
—الحياة مش هتكمل بالنظام القديم يا خالد.. لأن النظام القديم كان قائم على خدعة. كان قائم على إني متنازلة ومغمية عيني، وأنت سايق فيها وفاكر إن ده حفظ حقي. من النهاردة، القواعد اتغيرت تماماً.
—قواعد إيه تاني؟ —قالها بغيظ محبوس—. أنتِ لسه عندك شروط؟
—مش شروط.. دي حدود. —رديت وأنا بنشف إيدي بالفوطة—. البيت ده مصاريفه بالنص. قراري ملكي أنا بس، وما فيش جنيه واحد هيطلع منه لأي حاجة تخص أهلك أو أهلي إلا برغبة كاملة مني ودون أي ضغط. أهلك ييجوا هنا ضيوف على راسي، يحترموا صاحبة البيت ويحترموا خصوصيتنا، لكن يتدخلوا في قراراتنا أو يقرروا يبيعوا إيه ويشتروا إيه؟ الكلام ده اتمسح من التاريخ. ولو مش عاجبك النظام ده يا خالد.. المأذون اللي بابا اتكلم عنه موجود، وكل واحد يروح لحاله بالمعروف.
سكت تماماً. الكلام كان حاسم، وما فيهوش أي مساحة للمناورة. كان قدامه خيارين: إما إنه يقبل بالحقيقة الجديدة ويتحمل مسؤولية أخطائه، أو إنه ينهي جوازة كان هو فيها الطرف الاستغلالي اللي اتكشف.
الليل جه، والهدوء في الشقة كان تقيل وزي الجبل. خالد قعد في الصالة يكلم أمه في التليفون. كنت سمعة صوت صراخ حماتي جاي من السماعة، كانت بتزعق وتطالبه إنه يبعد عني فوراً، وإنها مش هتدخل البيت ده تاني طول ما أنا فيه، وإن “الست اللي تبيع وتشتري في راجلها ما يلزمناش”.
سمعته وهو بيحاول يهدّيها بصوت واطي ومكسور:
—يا أمي افهمي.. الشقة أصلًا كانت بفلوسها، والأوراق اللي مع المحامي كانت هتودينا في سيناريو أصعب.. أنا ما كانش قدامي غير كدة..
ردت عليه بصوت عالي جداً لدرجة إني سمعتها بوضوح من أوضتي:
—يعني كسرْتَ كلام أمك وعملت خاطر لمرتك؟ أختك قعدت تعيط طول الطريق! أنت ما بقيتش راجل في بيتك يا خالد!
الكلمة دي نزلت عليه زي السوط. سمعت صوت قفل المكالمة، وبعدها صوت حاجة بتتكسر في الصالة. طلعت بسرعة، لقيت الكوباية اللي كان يشرب فيها متفصمة على الأرض، وهو قاعد على الكنبة وحاطط وشه بين إيديه، وجسمه كله بيترعش من كثرة الضغط.