ولادي بالتبني حكايات توتا
إحنا اتبنّينا أخ وأخته الصغيرة بعد ما كل العائلات التانية رفضتهم وبعد شهر واحد، أمهم الحاضنة القديمة اتصلت بيا وقالتلي هما لسه ماقالولكيش ليه اختاروكي إنتي؟
أنا وجوزي كنا طول عمرنا بنحلم يكون عندنا عيلة، لكن بعد خمس سنين من المحاولات من غير ما نخلف، في الآخر قررنا إننا نتبنّى أطفال.
لما اتواصلنا مع إحدى وكالات التبنّي القريبة مننا، عرّفونا على جودي، بنت صغيرة عندها أربع سنين، جميلة وطيبة، وعندها ابتسامة واسعة تخطف القلب من أول لحظة.
لكن موظفة الحالة حذرتنا إن فيه حاجة مهمة جدًا لازم نفهمها.
جودي كان ليها أخ عنده ستاشر سنة اسمه جاك، والاتنين لازم يتبنّوا مع بعض.
يعني لو أخدنا جودي، جاك كمان هيبقى فرد من عيلتنا.
قلبي اتوجع لما عرفت اللي حصل قبل كده.
عيلة ورا عيلة كانت بتحب جودي وبتتعلق بيها، لكن أول ما يعرفوا إن ليها أخ مراهق، كانوا بيتراجعوا ويمشوا.
كانوا عايزين البنت الصغيرة اللطيفة اللي عندها أربع سنين، مش شاب عنده ستاشر سنة كانوا فاكرين إنه هيجيب معاها مشاكل ومسؤوليات.
والأصعب إن جاك كان عارف كويس جدًا ليه كل العائلات دي كانت بتمشي وتسيبه.
ومع ذلك، إحنا ماخوفناش.
إحنا كنا عايزين عيلة، والاتنين دول كانوا يستاهلوا يكون عندهم عيلة زي أي طفل تاني.
البداية ماكنتش سهلة.
جودي كانت بتصحى بالليل وهي بتعيط، أما جاك فكان بالكاد بيتكلم معانا.
وكان دايمًا مخلي كل حاجته متوضبة ومتعبية في شنط، كأنه مستني في أي لحظة نغيّر رأينا إحنا كمان ونسيبه.
لكن واحدة واحدة، بدأوا يسمحوا لنا ندخل حياتهم.
وبعد شهر، جودي بقت بتقول على بيتنا بيتنا، وجاك أخيرًا بقى بيضحك معانا وإحنا قاعدين على سفرة العشا.
ولأول مرة، حسيت فعلًا إننا بقينا عيلة بجد.
لكن بعدها أمهم الحاضنة القديمة اتصلت بيا.
افتكرت إنها بس بتطمن عليهم، فحكيتلها وأنا مبسوطة قد إيه الدنيا ماشية كويس، وقد إيه الاتنين بدأوا يتأقلموا معانا.
لكن بدل ما صوتها يبان عليه الارتياح، سكتت فجأة.
وبعد لحظات،
سألتني بصوت غريب
هما لسه ماقالولكيش ليه اختاروكي إنتي؟
الابتسامة اختفت من على وشي.
وقلتلها
إنتي بتتكلمي عن إيه؟
قلبي بدأ يدق بسرعة وأنا مستنية ردها.
لكن اللي قالتهولي بعد كده…
خلاني مش لاقية حتى كلام أرد بيه.
الفصل الأول السر اللي محدش قاله
هما لسه ماقالولكيش ليه اختاروكي إنتي؟
فضلت ماسكة الموبايل في إيدي وأنا مش فاهمة هي بتتكلم عن إيه.
صوتها كان متردد بطريقة خلت قلبي ينقبض.
قلت
مين اختارني؟ جودي وجاك؟
سمعت نفس طويل من الناحية التانية.
أيوه.
ضحكت ضحكة صغيرة، بس كانت متوترة.
بس أنا اللي اخترتهم يا سارة. إحنا كنا عارفين إنهم إخوات، وكنا عارفين إن جاك عنده ستاشر سنة. ومحدش أجبرنا.
سكتت شوية، وبعدها قالت
إنتي فاهمة قصدي غلط.
قعدت على طرف الكنبة.
طب فهميني.
قالت بصوت واطي
جودي وجاك هما اللي اختاروكي.
اتجمدت.
إيه؟
قبل ما ملفكم يوصل للوكالة، كان فيه أكتر من عيلة اتعرضت عليهم. وكل مرة كانوا بيرفضوا أو العيلة كانت بتتراجع بعد ما تعرف موضوع جاك.
بلعت ريقي.
بس ده أنا عارفاه.
لأ… إنتي مش عارفة كل حاجة.
سكت.
بدأت أسمع دقات قلبي أكتر من صوتها.
في أول مقابلة ليهم معاكم، لما دخلتي إنتي وجوزك، جودي بصتلك من أول لحظة وقالت إنها عايزاكي.
ضحكت بعدم تصديق.
طفلة عندها أربع سنين؟
جودي كانت أربع سنين، آه. بس جاك هو اللي كان صاحب القرار الحقيقي.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
جاك؟
أيوه.
سكتت ثواني.
هو شافك قبل ما تدخلي المكتب.
إزاي؟
كان واقف عند آخر الممر، وشافك وإنتي داخلة.
افتكرت اليوم ده.
كنت متوترة جدا.
فاكرة إني كنت ماسكة إيد جوزي بقوة، وكنت بحاول أتصرف بشكل طبيعي رغم إن رجلي كانت بتترعش.
لما دخلنا، جودي كانت قاعدة على كرسي صغير، وفي إيدها عروسة قماش قديمة.
أما جاك…
كان واقف بعيد.
كان أطول من اللي تخيلته، وشكله أكبر من سنه. مش بسبب جسمه، لكن بسبب نظراته.
نظرات واحد عاش كتير قبل أوانه.
فاكرة إني حاولت أبتسم له.
ابتسم ابتسامة بسيطة جدا، وبعدين بص في الأرض.
وقتها افتكرت إنه مش مرتاح.
لكن دلوقتي…
بدأت أشوف المشهد بشكل مختلف.
قلت
طب ليه اختارني؟
الحاضنة القديمة، واسمها نادية، سكتت.
ده اللي مش عارفة أقولهولك.
نادية…
أنا آسفة إني اتصلت بيكي بالشكل ده، بس كان لازم تعرفي.
تعرف إيه؟
سمعت صوتها وهي بتتنفس ببطء.
لما جاك عرف إنكم جايين، سألني عن اسمك.
وبعدين؟
ولما قلتله اسمك، سألني إذا كنتي نفس الست اللي كانت موجودة في صورة قديمة عندنا.
وقفت مرة واحدة.
صورة؟
أيوه.
صورتي أنا؟
أيوه.
حسيت إن دماغي بدأت تلف.
أنا عمري ما قابلت جاك قبل كده.
أنا عارفة.
ولا أعرفه.
عارفة.
ولا حتى أعرف اسمه قبل ما الوكالة تتصل بينا.
عارفة يا سارة.
صرخت
طب إيه الصورة دي؟!
سكتت.
وبعدين قالت
مش صورة ليكي معاه.
أمال؟
صورة ليكي مع شخص تاني.
حسيت إن نفسي اتقطع.
مين؟
لكنها ماجاوبتش.
سمعت صوتها وهي بتقول
الأفضل إن جاك هو اللي يحكيلك.
وقبل ما ألحق أرد، قفلت المكالمة.
فضلت أبص للموبايل.
جوزي، كريم، دخل من المطبخ وهو ماسك كوبين شاي.
مالك؟
ماجاوبتش.
حط الكوبايتين على الترابيزة.
سارة؟
بصيت له.
نادية اتصلت بيا.
وشه اتغير.
الحاضنة القديمة؟
هزيت راسي.
قالتلي حاجة غريبة.
قعد جنبي.
إيه؟
حكيتله كل اللي حصل.
فضل ساكت.
وبعدين قال
يمكن فيه سوء تفاهم.
قالت إن جاك اختارنا.
ده مش غريب. ممكن يكون ارتاح لنا.
مش دي المشكلة.
أمال إيه؟
بصيت له.
قالت إن فيه صورة قديمة ليا.
كريم عقد حواجبه.
صورة ليكي؟
مع شخص تاني.
مين؟
ماقالتش.
فضلنا ساكتين.
في اللحظة دي، سمعنا صوت جودي من فوق.
ماما؟
رفعت عيني للسلم.
كانت واقفة فوق، شعرها منكوش، وبتحضن العروسة القماش.
أيوه يا حبيبتي؟
نزلت جري.
ولما وصلت عندي، رمت نفسها في حضني.
أنا حلمت إنك مشيتي.
شدّيتها لي.
لا يا قلبي. أنا هنا.
وهافضل هنا؟
آه.
بصتلي في عيني.
حتى لو جاك زعلك؟
اتوترت.
جاك؟
بصت ناحية السلم.
هو عارف.
عارف إيه؟
لكن قبل ما ترد، ظهر جاك.
كان واقف في نص السلم.
وشه كان جامد.
جودي.
البنت بصت له.
روحي أوضتك.
بس…
جودي.
نبرته كانت هادية، لكنها حاسمة.
جودي نزلت راسها وطلعت.
بصيت له.
ممكن نتكلم؟
وقف مكانه.
عن إيه؟
عن الصورة.
وشه اتغير.
لأول مرة من يوم ما دخل بيتنا، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
نزل السلم ببطء.
وقف قدامي.
هي اتصلت؟
أيوه.
وقالتلك إيه؟
قالت إنك إنت اللي اخترتنا.
فضل ساكت.
وقالت إن فيه صورة قديمة ليا.
بص بعيد.
جاك.
ماما سارة…
كانت أول مرة يقولها.
قلبي اتوجع.
أنا مش هضغط عليك.
رفع عيني.
بس عايزة أفهم.
قال
لو عرفتي الحقيقة… ممكن تسيبينا.
مديت إيدي ناحيته.
لكنه رجع خطوة.
كل العائلات قالت نفس الكلام.
إحنا مش كل العائلات.
كلهم قالوا كده في الأول.
وأنا مش هم.
بصلي فترة طويلة.
وبعدين قال
أنا اخترتك عشان كنت محتاج أتأكد إنك مش هتخافي.
من إيه؟
مني.
ضحكت بحزن.
أنا عمري ما خفت منك.
قال
لسه.
وسابني وطلع أوضته.
في الليلة دي، ماعرفتش أنام.
فضلت أفكر في كلام نادية.
في الصورة.
في خوف جاك.
وفي جملة واحدة ماخرجتش من دماغي
هما اللي اختاروكي.
بعد حوالي الساعة اتنين بالليل، سمعت صوت.
فتحت باب الأوضة.
كان صوت جودي بتعيط.
جريت لأوضتها.
لقيتها قاعدة على السرير، ماسكة صدرها.
مالك؟
رمت نفسها في حضني.
جاك مش هنا.
اتخضيت.
إيه؟
صحيت ملقتوش.
طلعت أجري.
باب أوضة جاك كان مفتوح.
السرير فاضي.
الشنطة اللي كان دايما مخليها جنب الدولاب…
اختفت.
نزلت السلم وأنا بصرخ
كريم!
كريم صحى مفزوع.
في إيه؟
جاك مش موجود.
لبس بسرعة.
فتشنا البيت كله.
الباب الخلفي كان مفتوح.
خرجنا.
الجو كان بارد.
ولقيته واقف بعيد عند السور.
ظهره لينا.
جريت عليه.
جاك!
لف.
كان ماسك ظرف أبيض.
وشه كان مليان دموع.
قلت
إنت بتعمل إيه هنا؟
بص للظرف.
كنت هسيبلكم ده.
ليه؟
عشان لما تعرفي الحقيقة… ماتقوليش إني كدبت عليكي.
مد الظرف ناحيتي.
فتحته بإيد بتترعش.
كان جواه صورة قديمة.
طلعتها.
وأول ما شفتها…
حسيت إن الدنيا وقفت.
كنت أنا.
أصغر بحوالي عشرين سنة.
واقفة جنب شاب.
شاب كنت أعرفه.
شاب كنت فاكرة إنه مات.
رفعت عيني ناحية جاك.
ده…
جاك قال
أبويا.
اتجمدت.
أبوك؟
هز راسه.
أيوه.
بصيت للصورة تاني.
الشاب اللي واقف جنبي كان اسمه آدم.
أول حب في حياتي.
وأول شخص كسر قلبي.
والشخص اللي اختفى من حياتي فجأة قبل ما أعرف إنه كان سايب وراه طفلين.
همست
إنت ابن آدم؟
جاك هز راسه.
وأختي
لمحة نيوز