غدر تحت سقف واحد ج٢ منى السيد

أخويا. حقكم هتاخدوه تالت ومتلت، بس استنوا عليا يومين اتنين.
سحبني من إيدي وطلعنا شقتنا من غير ما ينطق ولا كلمة زيادة. قفل الباب، ودخل على أوضة النوم، وقعد على طرف السرير ساكت باصص للحيطة لحد ما الفجر أذن. طول الليل مكنتش عارفة هو بيفكر في إيه، هل هينهار؟ هل هيبيع دهبي عشان يشتري الشقة منهم؟ هل هيروح يتوسل لأخوه؟
مع أول ضوء للنهار، حامد قام غسل وشه ولبس هدومه النضيفة، وبصلي وقالي كلمة واحدة هاتي بطاقتك وتعالي معايا.
نزلنا من غير ما نبص على أي باب تحت، وركبنا ميكروباص وروحنا على وسط البلد، نزلنا قدام مكتب محامي قديم في عمارة عتيقة، كان صاحب حمايا وصديق عمره والمستشار اللي كتب كل أوراق العيلة دي من تلاتين سنة.
دخلنا وقعدنا مع الأستاذ رشدي، وحامد طلعله إعلان المحكمة وحطه قدامه على المكتب وحكاله اللي حصل بصوت هادي وموجوع.
الأستاذ رشدي مسك نظارته وقرأ الورق، وفجأة ضحك بسخرية ورمى الإعلان على جنب، وبص لحامد وقاله هما مفكرين إن أبوك لما مات، مات وساب الدنيا سايبة؟ ومفكرين عشان إبراهيم سافر وبعت شوية قروش يبقى اشترى البيت باللي فيه؟ حامد يا بني… أبوك قبل ما يموت بست شهور، جالي هنا المكتب في السر، وكان حاسس باللي هتعمله أمك وأخوك الكبير بعد ما يروح.
الأستاذ رشدي قام وفتح خزنة حديد قديمة ورا ضهره، وطلع منها ملف أزرق مليان أوراق رسمية صفرا ومختومة، وفتحه قدامنا المرحوم عبد الرحيم الله يرحمه عمل تنازل رسمي مسجل في الشهر العقاري عن نص البيت كامل ليك إنت يا حامد، مش بس الشقة! وكتب وصية موثقة إن كل مصاريف علاجه وتمريضه ومراعاته كانت من شقاك ومن يومياتك، وإن الشقة اللي إنت قاعد فيها دي هبة مخصصة ليك بدون مقابل ولا يجوز التصرف فيها، والأكتر من كده… أبوك عمل محضر إثبات حالة زمان إن فلوس إبراهيم اللي كان بيبعتها دي كانت سداد لدين قديم كان على إبراهيم للوالد من فلوس سفره وتجهيزه، مش حق بيع وشرا في البيت!
حامد كان باصص للورق ومش مصدق، وأنا قعدت أعيط من الفرحة ومن قدرة ربنا اللي مبيسبش حق المظلوم.
المحامي كمل كلامه بحزم إبراهيم معاه عقد ابتدائي قديم ملهوش أي صحة ونفاذ، وملوش أي قيمة قدام العقود المسجلة اللي معايا دي. ده لو نزل القضية دي في الجلسة، أنا مش بس هرفضهاله، ده أنا هرفع عليه دعوى ريع وحق انتفاع بالمحلات اللي تحت اللي مراته بتاخد إيجارها لحسابها وهي ملكية شائعة، وهحجز على كل مليم بتطلعه العمارة دي بحكم محكمة!
حامد رجع ضهره لورا، وأخد نفس عميق حسيته طلع من قاع روحه، وبعدين بص للمحامي وقاله بلهجة جافة وقاطعة اعمل كل اللازم يا أستاذ رشدي. متسيبش مليم واحد في البيت ده إلا لما تثبته بالقانون، اللي يبيعني عشان ألف وخمسمية جنيه علاج لابنه وعاوز يرمي ولادي في الشارع، ملوش عندي لا أخوة ولا رحمة.
رجعنا البيت العصر. أول ما دخلنا مدخل العمارة، لقينا حماتي وسلفتي قاعدين تحت وبيتكلموا ويضحكوا بصوت عالي وعينيهم شامتة فينا ومفكرين إننا بنلف ندور على شقة إيجار نرمي فيها عفشنا.
حامد وقف في نص المدخل، وطلع صور العقود المسجلة الرسمية، ورماها على الترابيزة اللي في وسط مدخل البيت قدامهم.
الصوت انقطع فجأة، وحماتي رفعت الورق وهي مستغربة، وسلفتي مدت رقبتها تقرأ. حامد وقف رافع راسه، وقال بصوت قوي سمّع العمارة من أولها لآخرها دي أوراق أبويا المسجلة في الشهر العقاري… نص البيت ده بتاعي أنا وولادي بالقانون، وشقتي دي هبة من أبويا مش بجميلة حد. ومن أول الشهر الجاي، إيجار المحلين اللي بتلهفوه من سنين ده هيتقسم بالنص في المحكمة، وكل مليم اتصرف في البيت ده هيتحاسب عليه بالسنتيمتر.
وبص لسلفتي اللي وشها اتقلب أصفر زي الليمونة وركبها بدأت تخبط في بعض وابنك اللي صرفت عليه في المستشفى وطلعت روحي عشانه، ده ابن أخويا وهيفضل لحمي، بس حق ولادي اللي كنتوا عاوزين تدوسوا عليه، ربنا جابه لحد عندي بالقانون اللي أخوكي الكبير فكر يلوي بيه دراعي.
حماتي وقفت تتأتأ ومش قادرة تنطق يا حامد… يا بني ده إحنا أهلك، ده كلام محاكم ده؟ إبراهيم كان بيهزر بس بيأمن مستقبله!
حامد ماردش عليها بكلمة، مسك إيدي وقال بصوت دافي مليان عزة اطلعي يا أم إسلام حضري شنط العيال ولبسهم… وخليهم ينزلوا يختاروا أحسن لبس وأغلى كتب للمدرسة، خير أبوهم كتير ومحدش كاسر عينينا في الدنيا دي كلها.
طلعت وراه درجات السلم، بس المرة دي كانت خطوتي خفيفة زي الريشة. بصيت ورايا، لقيت سلفتي ماسكة التليفون وبتصرخ فيه لجوزها في الإمارات برعب بعد ما الحسبة كلها اتقلبت فوق دماغهم، وحماتي قاعدة على الكنبة بتلطم على اللي جرالهم.
دخلت شقتي، بصيت لحيطانها اللي كنت فاكراها هتضيع مني، وحضنت عيالي وأنا عارفة إن
الحق لو نام يوم، بيصحى في الآخر عشان ينصف الغلبان اللي قلبه أبيض ومبيظلمش، وإن الشدة اللي بدأت بمرض عيل صغير وألف وخمسمية جنيه، كانت هي السبب اللي ربنا كشف بيه كل النوايا الخبيثة ورجع بيه الحق لأصحابه لحد باب البيت.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *