ماما الحقيني
ماماااا! صوت بنوتي الصغيره مبحوح ومليان رعب يخض أي حد يسمعه
نورا كانت طالعة فوق التلّة الصغيرة اللي في آخر الجنينة، وفجأة وقفت مكانها كأن الأرض اتثبتت تحت رجليها.
قدامها، في حفرة تراب مفتوحة، عمقها حوالي متر، كانت بنتها الصغيرة ليان، عندها أربع سنين، قاعدة في قاع الحفرة لوحدها.
فستانها الأصفر المنفوش كان كله تراب، وشعرها الأشقر اللي كانت ماماها مسرحاه الصبح بقى متشابك ومليان طين.
إيديها الصغيرين كانوا مرفوعين لفوق، وبتحاول توصل لمامتها وهي بتصرخ
ماماااا!
الهوا في آخر شهر أكتوبر كان ساقع، والجنينة الواسعة لفيلا عيلة المنشاوي في التجمع كانت هادية بشكل يخوف.
الفيلا كانت من النوع اللي الواحد أول ما يشوفه يعرف إن أصحابها مش عايشين حياة عادية.
جنينة ضخمة، شجر متقصوص بعناية، نافورة رخام، وتماثيل حجرية، وكل حاجة متظبطة بالمليم.
وكان فيه جزء من الجنينة بيتجهز عشان يعملوا فيه نافورة جديدة، وعشان كده العمال كانوا حافرين حفرة كبيرة في الأرض.
نورا، اللي كانت لسه راجعة من اجتماع شغل، كانت لابسة جاكت كحلي أنيق وبنطلون نفس اللون، وحلق دهب صغير في ودانها.
لكن أول ما سمعت صرخة بنتها
نسيت كل حاجة.
نسيت الجزمة اللي كانت بتوجعها.
نسيت هدومها.
نسيت حتى إنها كانت بتجري في جنينة مليانة ضيوف.
جريت بكل قوتها.
ماماااا!
الصوت اتكرر.
وقلب نورا كان هيخرج من صدرها.
لما وصلت لحافة الحفرة، شافت ليان.
وشها كله تراب، ودموعها نازلة على خدودها عاملة خطين نضاف وسط التراب.
ماما!
نورا ما فكرتش.
نزلت على ركبتها، ومدت إيديها لجوا الحفرة.
هاتِ إيدك يا حبيبتي ماما هنا.
ليان مدت إيديها وهي بتعيط.
نورا مسكتها من تحت دراعاتها، وشدت بكل قوتها.
مرة
اتنين
لحد ما قدرت تطلعها من الحفرة.
وأول ما جسم ليان الصغير طلع، البنت رمت نفسها في حضن أمها واتعلقت في رقبتها كأنها كانت متعلقة بالحياة نفسها.
كانت بتشهق من كتر العياط.
ضهرها الصغير
بيتهز مع كل نفس.
نورا ضمتها لصدرها جامد، وبقت تمسح على شعرها بإيد مرتعشة.
خلاص يا قلب ماما خلاص. أنا جيت. أنا معاكي.
كانت بتحاول تطمنها، لكن صوتها نفسه كان بيترعش.
إنتي كويسة؟ حد ضربك؟ حد وجعك؟
ليان هزت راسها وهي بتعيط.
هي هي اللي عملت كده
نورا رفعت عينيها.
وساعتها شافت داليا المنشاوي.
أخت جوزها.
الست اللي طول عمرها بتبص لنورا من فوق لتحت، وكأنها شايفة نفسها من طبقة تانية خالص.
كانت واقفة على بعد خطوات.
لابسة بدلة كحلي غالية، وشعرها متصفف بعناية، وضوافرها طويلة ومطلية.
والأغرب
إنها ما كانتش خايفة.
ولا حتى متضايقة.
كانت واقفة بتبص للحفرة، وعلى وشها ابتسامة باردة مستفزة.
نورا بصت لبنتها.
وبعدين بصت لداليا.
وفي اللحظة دي، كل الخوف اللي كان مالي قلبها اختفى.
واتبدل بحاجة تانية.
غضب.
غضب أم شايفة بنتها الصغيرة مرمية في حفرة بسبب حد متعمد يأذيها.
نورا نزّلت ليان على الأرض وخلتها ورا ضهرها.
وبعدين قامت.
التراب كان مالي ركبتها وهدومها، لكنها ما اهتمتش.
بصت لداليا وقالت بصوت هادي بشكل مخيف
إنتي عملتي إيه في بنتي؟
داليا رفعت حاجبها ببرود.
إنتي بتسأليني أنا؟ بنتك هي اللي كانت بتجري زي العيال في الجنينة.
نورا قربت منها.
خطوة.
وبعدين خطوة تانية.
لحد ما بقت قدامها مباشرة.
أنا سألتك إنتي عملتي إيه في بنتي؟
داليا ضحكت بسخرية.
معلش يعني، هنعمل إيه؟ أدلعها؟ البنت كانت بتبوظ الزرع وبتجري في كل حتة. فدخلتها الحفرة شوية عشان تتعلم الأدب.
نورا ثبتت عينيها فيها.
دخلتيها الحفرة؟
أيوه. وإيه يعني؟
وسيبتِيها لوحدها؟
داليا هزت كتفها.
ما هي مش هتموت يعني. كام دقيقة وهتطلع.
نورا ما سمعتش باقي كلامها.
إيدها اتحركت قبل ما عقلها يلحق يفكر.
صفعة.
الصوت دوّى في الجنينة.
داليا لفت وشها من قوة القلم، والحلق اللي في ودنها اتأرجح.
حطت إيدها على خدها وهي مش مصدقة.
إنتي ضربتيني؟!
نورا كانت واقفة قدامها ووشها ثابت.
أيوه.
داليا انفجرت
إنتي اتجننتي؟! إزاي تمدي إيدك عليّا؟!
وبعدين أشارت ناحية ليان وقالت باحتقار
أنا كنت بربي بنتك. هي اللي دخلت في الزرع وجريت وسط الجنينة! كام دقيقة في الحفرة مش هيعملولها حاجة. ولا إيه؟ هو عشان أمها جاية من حتة بسيطة وافتكرت نفسها من العيلة خلاص بنتها بقت أميرة؟
نورا قربت منها أكتر.
وصوتها نزل لدرجة خلت داليا نفسها تسكت.
تلمسي بنتي تاني أو حتى تقربي منها وإنتي مش هتخرجي من البيت ده على رجلك.
داليا فتحت بُقها عشان ترد.
لكن صوت رجالي جه من وراهم
من حتة بسيطة؟
الاتنين لفوا.
كان الحاج محمود المنشاوي واقف على أول الممر الحجري.
رأس العيلة.
راجل في أواخر الستينات، كلمته مسموعة في البيت كله، واللي يدخل عنده بيحسب كلامه قبل ما ينطقه.
جنبه كان واقف ابنه آدم، جوز نورا، ومعاهم اتنين من عمال الجنينة.
ووراهم كان فيه شوية ضيوف جايين لحفلة خيرية العيلة عاملاها.
الضحك والكلام اللي كان مالي المكان اختفى في ثانية.
آدم أول ما شاف بنته
ما بصش لأي حد.
جري عليها.
نزل على ركبته وشال ليان في حضنه.
ليان! حبيبتي مين عمل فيكي كده؟
ليان رمت نفسها في حضنه، وفضلت تعيط.
آدم بص لفستانها المتبهدل، وركبتها المخدوشة، وشعرها المليان تراب.
وشه اتغير.
رفع عينه ناحية أخته.
لكن قبل ما يتكلم، داليا سبقتهم كلهم.
فجأة بدأت تعيط.
عيط تمثيل من النوع اللي يخلي اللي ما يعرفش الحقيقة يفتكر إنها هي الضحية.
بابا شوف هي عملت فيا إيه!
وأشارت لخدها.
نورا ضربتني قدام الناس! أنا كنت بحاول أربي البنت بس!
محمود بص لنورا.
وبعدين بص لداليا.
وبص تاني لبنته.
إيه اللي حصل؟
داليا شهقت
بنتها كانت بتجري في الزرع، فوقفتها وعاقبتها شوية. نورا دخلت عليّا وضربتني من غير ما تسمع مني!
محمود سكت.
آدم بص لنورا.
لكن نورا ما دافعتش عن نفسها.
ما قالتش كلمة.
طلعت موبايلها بهدوء من شنطتها.
وبصت لمحمود وقالت
قبل ما حد يحكم افتح كاميرات الجنينة.
داليا اتجمدت.
نورا كملت
الكاميرا اللي فوق التراس بتصور المكان ده كله. والزاوية بتاعتها واضحة جدًا.
وشها كان هادي.
شوف التسجيل يا عمي وبعدها احكم مين اللي يستاهل يتضرب.
داليا بلعت ريقها.
كاميرات؟!
نورا ما ردتش.
محمود طلع التابلت بتاعه بسرعة.
هو كان عنده نظام كاميرات متوصل بالموبايل والتابلت، خصوصًا بعد ما حصلت كذا محاولة سرقة في المنطقة.
دخل على التسجيلات.
آدم وقف جنبه.
وبدأ الفيديو.
ثواني
وبعدين ظهرت داليا على الشاشة.
كانت ليان بتجري ناحية الزرع.
داليا وقفت قدامها.
مسكتها من ياقة الفستان.
البنت بدأت تعيط.
سيبيني يا طنط
لكن داليا ما سابتش.
سحبتها لحد الحفرة.
وبعدين
زقتها جواها.
ليان وقعت في التراب وصرخت.
داليا وقفت فوق الحفرة.
وبدل ما تساعدها
بدأت تزق التراب برجليها ناحية البنت.
وفي لحظة، طلعت موبايلها.
فتحت الكاميرا.
وبدأت تصور ليان وهي بتصرخ
ماماااا!
الجنينة كلها سكتت.
حتى داليا نفسها ما بقتش تعرف تقول حاجة.
آدم رفع عينه ببطء من على الشاشة.
وشه كان مرعب.
محمود قفل التابلت.
إيده كانت بتترعش.
لكن مش من الغضب بس.
من الصدمة.
بص لبنته كأنه شايفها لأول مرة.
إنتي عملتي كده في حفيدتي؟
داليا بدأت تنهار.
بابا، والله كنت بهزر! أنا أنا كنت بخوفها بس!
آدم حط ليان في حضن نورا، واتقدم ناحية أخته.
وقف قدامها.
اخرسي.
داليا رجعت خطوة.
آدم
متقوليش اسمي.
صوته كان واطي، لكنه مليان غضب.
إنتي قربتي من بنتي. زقيتيها في حفرة. وفضلتي تتفرجي عليها وهي بتصرخ.
داليا بدأت تعيط.
أنا أختك!
آدم رد من غير تردد
وأنا أبوها.
الكلمة نزلت عليها زي القلم.
محمود اتقدم خطوة.
كفاية.
الكل سكت.
بص لبنته وقال
أنا طول عمري كنت فاكر إنك مدلعة وإنك عصبية وإنك ساعات بتتسرعي.
وقف لحظة.
لكن اللي عملتيه النهارده مش عصبية.
عينيه بقت قاسية.
ده أذى متعمد لطفلة.
داليا وقعت على ركبتها.
بابا، والنبي متعملش فيا حاجة. أنا غلطت، خلاص! والله مش هكررها!
محمود بص لها من غير أي تعاطف.
من النهارده، مفيش ليكي مكان في بيت العيلة.
داليا شهقت.
يعني إيه؟
يعني خلال ساعة، حاجتك كلها تتلم من الجناح اللي إنتي قاعدة فيه.
بابا!
وكمان كل الصلاحيات اللي كانت ليكي في مؤسسة
لمحة نيوز