جارتي صبت خرسانه على عربيتي
اللي يقدر يكشفهم.
دموعي نزلت.
أبوك كان عارف إنه ممكن يموت.
سامح قالها بهدوء.
بصيت له.
يعني مات مقتول؟
مش بالضرورة.
بس كان خايف.
أيوه.
فجأة سمعنا صوت باب المخزن بيتقفل.
عادل جرى.
مين هناك؟
صوت ست كبيرة جه من بره
عادل!
وش عادل اتغير.
أمي.
الباب اتفتح.
دخلت ست في أواخر الستينات، أنيقة جدًا، ماسكة عصاية.
اسمها سميحة منصور.
وقفت وبصت لي.
وبعدين قالت
أخيرًا.
قلت
إنتِ اللي كنتي ورا كل ده؟
ابتسمت.
أنا اللي كنت بحاول أصلح غلطة قديمة.
غلطة؟
أبوك خد من عيلتنا أرض أكتر من حقه.
سامح رد
كفاية كذب.
سميحة بصت له.
إنت لسه عايش؟
وأهو موجود.
قالت
كان المفروض الأوراق دي تختفي من زمان.
عادل صرخ
ماما!
اسكت يا عادل.
إنتِ عملتي إيه لأخويا؟
سكتت.
عادل قرب منها.
إنتِ السبب في الحادثة؟
سميحة بصت له.
مردتش.
لكن سكوتها كان إجابة.
عادل رجع خطوة.
يا نهار أبيض.
أنا بصيت لها.
وأبويا؟
قالت
أبوك مات لوحده.
كدابة.
مفيش دليل.
ملك كانت واقفة جنب الصندوق.
فجأة قالت
فيه.
كلنا بصينا لها.
ملك رفعت تابلت صغير.
أنا صورت الأوراق كلها.
سميحة ضحكت.
إنتِ؟
ملك قالت
أيوه.
وهتعملي إيه؟
هبعتها.
سميحة ابتسمت.
لمين؟
ملك قالت
للصحفي اللي ماما كلمته قبل ما نيجى.
بصيت لها بصدمة.
أنا فعلًا كنت كلمت صحفي من شوية، لكن ملك كانت فاكرة إن ده جزء من الخطة.
سميحة وشها اتغير.
ملك كملت
وكمان للشرطة.
سامح ابتسم.
ذكية.
سميحة حاولت تاخد التابلت.
لكن عادل وقف قدامها.
محدش هيلمسها.
إنت هتوقف ضدي؟
أنا كنت ساكت سنين.
وعملت إيه؟
خربت عربية بنتها.
سكت.
بس مش هخرب حياتها.
سميحة بدأت تصرخ
إنت ضعيف زي أبوك!
عادل قال
وأحسن ما أبقى زيك.
بعد دقائق، الشرطة وصلت.
كان سامح بلغهم قبل ما ندخل.
الأدلة اتاخدت.
الصندوق.
العقود.
التسجيلات.
والأسماء.
سميحة اتحجزت للتحقيق.
وعادل شهد بكل اللي يعرفه.
أما نهى
فوقفت قدام البيت تاني يوم.
أنا كنت واقفة جنب عربيتي.
كانت العربية في مركز التصليح، واتصلح منها جزء كبير.
نهى قربت.
ممكن أتكلم؟
قلت
اتفضلي.
قالت
أنا آسفة.
سكت.
كنت شايفة نفسي أحسن منك.
عارفة.
كنت فاكرة إن الفلوس بتخليني أملك كل حاجة.
وأهو؟
دموعها نزلت.
اكتشفت إني كنت عمياء.
بصيت لها.
أنا مش هنسى اللي حصل.
عارفة.
بس مش هفضل أكرهك.
هزت راسها.
ده أكتر مما أستحق.
وقتها ملك خرجت من البيت.
كانت ماسكة لوحة صغيرة.
قالت
ماما.
نعم؟
عايزة أعلق دي.
فتحت اللوحة.
كان مكتوب
ممنوع صب الخرسانة على عربيات الجيران.
ضحكت.
نهى ضحكت هي كمان لأول مرة.
وقالت
تستاهلي.
ملك بصت لها.
وأنا ممكن أضيف حاجة.
إيه؟
ممنوع تحجبي منظر البحيرة عن حد.
ضحكنا.
بعد شهرين، المحكمة حكمت لصالحنا.
ثبتت ملكية الأرض بالكامل.
ومشروع المنتجع اتوقف.
الأوراق اللي أبويا جمعها كشفت شبكة تزوير كبيرة، وعيلة منصور اضطرت تبيع جزء كبير من ممتلكاتها لتسديد التعويضات.
أما عادل، فاختار يتعاون مع التحقيق.
ونُهى باعت بيتها وانتقلت.
لكن قبل ما تمشي، عملت حاجة مكنتش متوقعة.
اشترت مني شتلات زرع.
وقالت
عايزة أزرع في البيت الجديد.
ملك قالت
زرعي ورد.
نهى ابتسمت.
ليه؟
عشان الورد أحسن من الخرسانة.
ضحكنا.
بعد سنة
البيت اتغير.
الدهان اتجدد.
البلكونة اتصلحت.
الحديقة بقت مليانة ورد.
والعربية الزرقا رجعت.
أبويا كان دايمًا بيقول إن العربية دي عمرها طويل.
وفعلًا
لسه ماشية.
وفي يوم، كنت واقفة في البلكونة، ببص على البحيرة.
ملك كانت قاعدة على السور، بتكتب في كشكولها.
سألتها
بتكتبي إيه؟
قالت
حكاية.
عن إيه؟
عن واحدة كانت فاكرة إن عندها تمن سنين بس.
ضحكت.
وطلعت إيه؟
رفعت عينها لي.
طلعت عندها تمن سنين بس عندها عقل يخوف.
حضنتها.
وبصيت على البحيرة.
افتكرت أبويا.
وافتكرت الورقة.
متتنازليش عن حقك مهما حصل.
ابتسمت.
لأول مرة فهمت قصده.
هو مكنش سايب لي بيت.
كان سايب لي درس.
إن الإنسان ممكن يخسر فلوس.
ممكن يخسر عربية.
ممكن يخسر مكان.
لكن لو خسر حقه بإيده
ساعتها بيخسر نفسه.
وبنتي ملك كانت السبب إني فهمت الدرس ده.
أما نهى
فآخر مرة شوفتها فيها كانت واقفة عند بوابة البيت الجديد.
نادَت على ملك
يا ملك!
ملك لفت.
نهى رفعت حاجة في إيدها.
كانت صورة.
صورة قديمة لأبويا.
قالت
لقيتها بين أوراق ماما.
ملك جريت لها.
وأول ما شافت الصورة، اتغير وشها.
رجعتلي بسرعة.
ماما
إيه؟
مدت لي الصورة.
مسكتها.
وكان أبويا واقف فيها جنب شخص تاني.
شخص أنا عمري ما شفته.
قلبت الصورة.
كان مكتوب وراها
الشخص الوحيد اللي يعرف الحقيقة كاملة هو اللي أنقذني يوم الحادثة.
وتحت الجملة
اسم.
الدكتور ياسين.
بصيت لملك.
وبعدين للصورة.
وضَحكت.
ملك قالت
يعني في سر جديد؟
بصيت لها.
واضح.
ضحكت.
نبدأ نحقق؟
حضنتها وقلت
لأ يا بنتي المرة دي هنخلي الكبار يحققوا.
لكن وأنا بقفل الصورة في الدرج
عرفت إن الحكاية لسه مخبّية فصل أخير.
بس المرة دي
أنا مش خايفة.
لأن عندي بنت اسمها ملك.
طفلة عندها تمن سنين
لكنها في اليوم اللي جارتي صبّت فيه الخرسانة فوق عربيتي عشان تحجب عنها منظر البحيرة
مكنتش بس مسحت الابتسامة المستفزة من على وشها.
هي كانت أول واحدة تفتح الباب على سر عمره سنين.
والأهم
إنها علمتني إن أحيانًا أصغر شخص في المكان
هو أكتر شخص شايف الحقيقة.