عيلتي
جدتي إدت أهلي حق الإقامة والحق العائلي فقط طول حياتهم، بس منعتهم تماماً من بيع، رهن، أو التصرف في البيت إلا بموافقة كتابية صريحة من المستفيد.. اللي هي أنا!
وأنا عمر ما وقّعت ولا وافقت!
بابا قعد ببطء: “لا..”
فريدة بصت له: “أنت استخدمت موافقة مزورة باسم بنتك عشان تاخد الرهن التاني على البيت.”
محدش كان بيتجهم ولا يتنفس.
بصيت لبابا.. بعدين لماما.
كل الذاكرة اترتبت تاني من جديد!
ضرائب البيت اللي كنت بدفعها لأن بابا “مش قادر يظبط ميزانيته”.. التصليحات اللي كنت بعملها لأن ده “بيت العيلة”.. حساب الطوارئ اللي عملته عشان خايفة يترموا في الشارع!
أنا قضيت سنين بحمي بيت هو اصلاً ملكي قانوناً! وبابا خاطر بيه عشان يمول نور!
ماما بدأت تصرخ بالعياط، ونور بصت لبابا: “أنت قلت لي البيت ملكك!” وما ردش.
فريدة قربت مني: “وفيه حاجة تانية كمان.”
ابتسمت عدم تصديق: “أكيد فيه!”
شاورت على الوثيقة: “جدتك كانت سايبة جواب مع الوصية.”
صورة لجواب أصفر كان مكتوب عليه: (لندى.. لما تبدأ تسأل أسئلة).
إيدي بدأت ترتعش. فريدة قرأت السطر الأخير بصوت عالي:
(ندى طول عمرها البنت اللي بتدي لحد ما ما بيبقاش فاضل حاجة تطلبها.. أنا خايفة مدحت وسعاد يفتكروا إن طيبتها دي واجب فرض عليها. لو اليوم ده جه، عايزاه تعرف إن كونها يعتمد عليها، مش معناه إنها رخيصة أو ملهاش قيمة).
ماما غطت وشها.. أنا ما كنتش قادرة أتحرك.
جدتي ماتت وأنا عندي 18 سنة.. قبل القروض، قبل حساب الطوارئ، قبل سنين الإنقاذ.. هي كانت شايفاهم من قبل ما أنا أشوفهم!
وبعدين السطر الأخير:
(البيت بتاعها هي، لأني بؤمن بذكائها إنها تقرر مين يستاهل يعيش فيه).
بابا بص لي.. ولأول مرة في حياتي، كان خايف مني. مش زعلان، ولا متضايق.. كان مرعوب!
“ندى..” همس بيها.
طبقت الجواب.
بصيت لنور.. لماما.. لبابا.. العيلة اللي قضت دهور بتقول إن نور هي مصدر فخرهم الوحيد، وهما بيستغفولني وبيبنوا الفخر ده بفلوسي، تقييمي، توقيعي المزوار، وحتى بيتي!
كنت فاكرة إني هحس بالنصر.. بس أنا حسيت بالحرية.
وقفت: “أنا مش هرفع قضايا جنائية تزوير النهاردة.”
بابا اتنفس بسرعة.
رفعت صباعي: “النهاردة بس!”
الارتياح اتشفط من وشّه فوراً.
“تحقيقات البنك مستمرة. البيعة اتلغت. الشركة هيتعمل عليها مراجعة مالية قانونية شاملة. وكل جنيه اتسحب من حساباتي هيرجع.”
نور بصت لي: “وشركتي؟”
رديت في عينها: “تقصدي شركتنا؟”
سكتت.
“أما بالنسبة للبيت، قدامكم 60 يوم لتسديد أو نقل الرهن القانوني ده بعيد عن البيت باسمكم الشخصي.”
بابا همس: “ولو ما قدرناش؟”
افتكرت عيد ميلادي التمانية وعشرين. البالونات اللي ما كانتش ليا. الرحلة اللي دفعتها من غير ما اعرف. وماما وهي بتقول إن نور بس اللي ترفع الراس.
وبعدين افتكرت كلام جدتي: (كونك يعتمد عليكِ، مش معناه إنك رخيصة).
قلت: “لو ما قدرتوش.. الأستاذة فريدة هتفهمكم إيه اللي هيحصل بعد كده.”
مشيت ناحية الباب. ماما ندهت اسمي.. ما اتدورتش.
بعدين نور قالت حاجة ما كنتش متوقعة أسمعها منها أبداً:
“ندى.. أنا آسفة.”
لسنين طويلة، كنت بتخيل اللحظة اللي هسمع فيها الكلمة دي.. كنت فاكرة إنها هتصلح حاجة. بس ما صلحتش.
يمكن التسامح مش هو اللحظة اللي حد بيعتذر لك فيها.. يمكن التسامح هو اللحظة اللي تكتشف فيها إنك ما بقتش محتاج اعتذارهم عشان تمشي وتكمل حياتك.
بعد ست شهور، التحقيقات انتهت.
بابا اتجنب السجن بتسوية قضائية فرضت عليه رد الأموال، وضع تحت المراقبة، ومنع دائم من إدارة أي حسابات مالية تخصني أو تخص الشركة.
ماما اعترفت بمعرفتها بالأوراق المزورة.
ونور ادعت إنها ما كانتش تعرف إن التواقيع مزورة في الأول، بس السجلات أثبتت إنها عرفت بملكيتي للشركة من تلات سنين وسكتت.
الشركة ما انهارتش.. وده كان أغرب جزء في القصة.
المحاسبين القانونيين راجعوا الدفاتر واكتشفوا إن شركة نور كانت بتكسب.. بتكسب كويس جداً كمان! بس كانت مدفونة تحت مصاريف بابا الطايشة، وسحوبات العيلة، والقروض اللي كان بياخدها.
بعد تسوية الديون، المشتري رجع بعرض تاني.
المرة دي، المالك الرئيسي للأسهم كان قاعد على الترابيزة.. أنا!
وافقت على البيع. نور أخدت نصيبها القانوني الـ 49% بعد خصم الالتزامات، وأنا أخدت نصيبي.
بعدها عملت حاجة عيلتي اعتبرتها لا تغتفر.. بعت البيت!
كان قدام أهلي 60 يوم عشان ينقلوا. ساعدتهم يلاقوا شقة إيجار بسيطة على أدهم، ودفعت لهم مقدم الإيجار والـ Deposit مرة واحدة فقط.. مش لأني مديونة لهم، بس لأني كنت عايزة إن آخر جنيه إديتهولهم في حياتي، أكون إديتهولهم باختياري المحض.
في الصبحية اللي قفلت فيها بيعة البيت، وقفت لوحدي في الصالة الفاضية اللي اتعمل فيها عيد ميلادي التمانية وعشرين.
البالونات الزرقاء اختفت. الترابيزة مشيت. طوق الورد أترمى.
بس كنت لسه شايفه نفسي قاعدة هناك بالفستان الأوف وايت، ماسكة تليفوني تحت الترابيزة والكل بيسقف لغيري.
كنت أتمنى أرجع بالزمن وأقول للبنت دي:
(أنتِ مش أنانية عشان قفلتي الحساب.. أنتِ مش قاسية عشان سألتي أسئلة.. واللحظة اللي الناس بتزعل فيها منك عشان حطيتِ حدود، هي اللحظة اللي بتكتشفي فيها هما قد إيه كانوا مستفيدين إن مفيش عندك أي حدود!).
تليفوني رن.
لثانية واحدة، جسمي اتصرف بالطريقة القديمة: طوارئ؟ فاتورة؟ حد محتاج فلوس؟
بعدين بصيت.. ده كان إشعار من البنك.
فلوس بيع البيت نزلت في الحساب.
ابتسمت.
من عشر سنين، جدتي سابتلي بيت لأنها كانت واثقة إني هتعلم في يوم من الأيام الفرق بين الحب والواجب.
وعيلتي قعدت عشر سنين بتحاول تعلمني العكس.
في النهاية، أكبر غلطة عملوها ما كانتش إنهم سحبوا 7,000 دولار لدبي.. ولا إنهم زوروا توقيعي.. ولا إنهم استغلوا تقييمي عشان يبنوا شركة نور.
أكبر غلطة عملوها كانت إنهم افتكروا إن البنت الهادية هتفضل هادية لطول العمر.
لأنهم في الليلة اللي قالوا فيها إن نور هي مصدر فخرهم الوحيد، كانوا فاكرين إنهم بيبهدلوا أقل شخص ملوش قيمة في الأوضة..
ما كانوش يعرفوا إنهم قاعدين في بيتي، بيحتفلوا بفيلا وشركة أنا صاحبتها قانوناً، برحلة مدفوعة من تحويشتي..
وكل اللي احتاجته عشان أكشف المستور ده كله..
كانت مجرد ضغطة واحدة على شاشة تليفوني!
تمت