عيلتي

“أنا شايفه اسمي مكتوب بخط مش خطي.. أيوه متأكدة!”
​طلع أوراق تانية: طلبات قروض، تسجيلات تجارية، ضمان شخصي، خط ائتمان، وعقد إعادة تمويل كان مفروض يتوقع الأسبوع ده.
بابا مكتوب إنه مدير الشركة. نور بتملك 49%، وأنا بأملك 51%.
​همست: “ليه؟”
المسؤول تردد: “البروفايل الائتماني والتقييم بتاع حضرتك كان أقوى بكتير جداً من باقي العيلة.”
فضلت باصلة له، فكمل بحذر: “الشركة في الأول كانت واخدة رفض في القروض، فنسبة الملكية دي مع مرتبك وتقييمك الممتاز في البنك هما اللي فتحوا التسهيلات والقروض دي.”
​كنت سامعة دقات قلبي في ودني: “القروض بكام؟”
قلب الصفحة: “268,000 دولار.” (ما يعادل ملايين الجنيهات).
​نفسي اتقطع.
مها قالت بهدوء: “إمبارح لما حولتِ الفلوس من الحساب المربوط وغيرتِ بيانات الأمان، السيستم علم إن فيه تضارب في حساب الضمان التابع للائتمان التجاري.”
“مربوط؟”
هزت رأسها: “حساب الطوارئ كان متسجل كغطاء نقدي ثانوي لخط ائتمان الشركة.”
​مسكت الخشب بتاع المكتب جامد: “لا.. أنا عمر ما وافقت على ده! الفلوس دي كانت عشان أهلي لو حصلت كارثة، عملية، تصليح، طوارئ بجد!”
مها نظرتها اتغيرت للأوراق: “يبقى إحنا قدام مشكلة كبيرة جداً.”
​افتكرت بابا وهو بيحذرني إن ممكن أخرب شركة نور.
دلوقتي بس فهمت.. لو حساب أختي قل عن مبلغ معين، تحويشة عمري كانت بتتسحب أوتوماتيك كشبكة أمان!
لمدة عشر سنين، كنت فاكرة إني بحمي عيلتي، وهما في السر كانوا بياخدوا استقراري المالي ويبنوا بيه “نجاح” نور!
​سألت السؤال الوحيد اللي كان يهمني: “بقاله قد إيه الكلام ده؟”
المسؤول راجع الملف: “أول وثيقة اتوقعت من ست سنين.”
​ست سنين!
افتكرت السنة دي كويس.. نور بدأت مشروعها من جراج بيت بابا وماما.
الكل قال عليها شجاعة.
ماما عملت حفلة.
وبابا ألقى خطبة عن العصامية والشباب.
وأنا إديت نور 12,000 دولار عشان البضائع لأنها قالت إن البنوك مش مصدقة حلمها.
واضح إن فيه بنك صدق حلمها.. بس صدق تقييمي أنا وأنا مش داريانة!
​عينت محامية بعد الظهر ده.
اسمها الأستاذة فريدة. وكل ما الموضوع كان بيبقى أسوأ، كانت هي بتبقى أهدى.
بعد ما راجعت صور أوراق البنك، سندت ظهرها: “إياكي تتكلمي مع عيلتك لوحدك.”
“الموضوع سيء للدرجة دي؟”
بصت لي: “توقيعك موجود على وثائق وقروض تجارية بقالها 6 سنين. لو مش أنتِ اللي موقعة، إحنا بتتكلم في تزوير، سرقة هوية، واحتيال مصري وبنكي.”
​بلعت ريقي: “ونور هيحصلها إيه؟”
“على حسب كانت تعرف ولا لأ.”
“وبابا وماما؟”
“على حسب هما عملوا إيه بالظبط.”
​بعدين شاورت على صفحة: “بس فيه حاجة تانية كمان.”
أكيد فيه!
دورت عقد تأسيس شركة نور ناحيتي: “وفقاً للأوراق الرسمية للشركة، أنتِ مش بس ضامنة للديون.. أنتِ شريكة بالأغلبية 51%.”
“بس ده مزور!”
“التوقيع ممكن يكون مزور، بس التسجيل التجاري قانوني وصحيح وقائم لحد ما نطعن عليه.”
​هزيت رأسي: “أنا مش عايزة شركتها.”
فريدة بصت لي: “يمكن تحبي تعرفي هما كانوا هيعملوا إيه بالشركة دي.”
​طلعت ورقة تانية: عقد نية الشراء (خطاب الاستحواذ).
فيه مستثمر كان مقدم عرض لشراء شركة نور.
سعر الشراء: 1.4 مليون دولار.
​قريت الرقم تلات مرات.
شركة نور—اللي عيلتي كانت بتتغنى بذكائها ونجاحها—كانت هتباع والصفقة هتقفل يوم الجمعة.. بعد يومين بس!
​”ونور كان مفروض تاخد كام؟”
فريدة ابتسمت ابتسامة سخرية: “حسب أوراق الملكية؟ أنتِ صاحبة النصيب الأكبر.. بس تعليمات تحويل الأرباح اللي مكتوبة في عقد البيع، كانت رايحة لحسابات تحت سيطرة باباكي ونور بس!”
​حلقي جف: “يعني هما كانوا بيبيعوا شركة باسمي.. وهيحُولوا الفلوس بعيد عني؟ ورئسة دبي؟”
فريدة راجعت المعاملات: “اتحجزت بعد تلات أيام من تقديم المشتري للعرض النهائي.”
​فجأة، طوق الورد شكله اتغير في ذاكرتي.
حفلة المفاجأة.. الرحلة الغالية.. ماما وهي بتصر إني أحضر عشان “الموضوع مهم”.
ده ما كانش مجرد قسوة.. ده كان احتفال!
كانوا فاكرين إنهم على بعد أيام من تحويل 6 سنين تزوير لأكثّر من مليون دولار!
​عيلتي اتصلت بيا 43 مرة اليوم ده.. ما رديتش على واحدة.
الساعة 6:18 مسج من نور: (كلميني أرچوكِ، والله العظيم ما كنت أعرف كل حاجة).
6:31: (بابا قال لي اسمك على الورق بس عشان البنك طالب ضمانات).
6:42: (أنا كنت فاكرة إنك موافقة من زمان).
​الرسالة دي كانت هتخليني أضعف.. تقريباً.
حد الساعة 7:05 مسج تانية: (أرجوكِ ما تخربيش البيعة!).
​أهي!
مش “أنتِ كويسة؟” ولا “أنا آسفة”.
لا.. “ما تخربيش البيعة!”
أخدت سكرين شوت لكل حاجة وبعتّها لفريدة.
​تاني يوم الصبح، ماما كانت واقفة برة باب شقتي.
بصيت عليها من العين السحرية وهي بتخبط.
“ندى؟ أنا عارفة إنك جوة.”
فضلت ساكتة.
صوتها اتكسر: “عشان خاطري.. باباكي ما نامش طول الليل.”
​الكلمة دي كانت هتخليني أضحك.. أنا كمان ما نمتش!
خبطت تاني: “أنتِ مش فاهمة إيه اللي ضايع مننا!”
فتحت الباب بس سبت السلسلة المتركة.
ماما كان شكلها كبر عشر سنين: “إيه اللي ضايع؟”
وطت صوتها: “كل حاجة.”
“كل حاجة بتاعة مين؟”
“ندى..”
“توقيعي اتزور يا ماما؟”
​اتشلت مكانها.. وده كان إجابتها.
“بابا اللي زوّره؟”
عينيها اتملت دموع: “لازم تفهمي الظروف كانت عاملة إزاي وقتها!”
“بابا اللي زوّره؟”
“كنا مزنوقين طحن! شركة نور كانت بتفلس، وبابا كان حط كل حيلته فيها، وكنا متأخرين في أقساط الشقة.. وأنتِ كان تقييمك البنكي ممتاز.. كنا عارفين إنك هتساعدي لو شرحنالك..”
“عشان كده ما شرحتوش؟”
“أنتِ طول عمرك بتساعدي!”
“ولما أنا طول عمري بساعد، زورتوا اسمي ليه؟”
​ماما بدأت تعيط: “عشان كنا عارفين إنك هتسألي أسئلة كتير وهتدققي!”
​الكلمة دي وجعتني أكتر من كلمة “البنت الوحيدة اللي ترفع راسنا”.
هما ما خدعونيش عشان فاكرين إني هرفض المساعدة.. هما خدعونيش لأنهم عارفين إني مسؤولة وعاقلة وكنت هشوف التهور واللخبطة اللي هما فيها!
​بصيت لها: “قد إيه من نجاح نور كان نجاحي أنا؟”
اتنفضت: “مش فاهمة تقصدي إيه.”
“القروض.. تحويشتي.. الضمانات.. قد إيه؟”
بصت بعيد: “معظم التمويل في الأول.”
​زوري اتخنق..
كل الخطب دي.. كل أعياد الميلاد.. كل المقارنات بيني وبينها..
نور الشجاعة.. نور الطموحة.. نور اللي عملت نفسها من ولا حاجة!
إلا إن “ولا حاجة” دي كانت تقييمي، فلوسي، أماني المالي، وتوقيعي المزوار!
​ماما مدّت إيدها: “نقدر نصلح ده.”
“لا، أنتوا تتواجهوا بيه.”
“ندى أرجوكِ! لو البيعة باظت، باباكي ممكن يخسر البيت!”
​قطعت حواجب: “ليه؟”
سكتت.
بطني قطعتني: “ماما.. ليه؟”
همست: “هو رهن البيت بضمان كارت تاني..”
“بكام؟”
سكوتها كان كفاية.
قفلت الباب في وشها.
​يوم الجمعة الصبح، بدل ما أروح بيعة شركة نور، رحت مكتب فريدة.
ممثلين البنك كانوا هناك، ومحامي المشتري، وبابا وماما ونور.
بابا كان شكله هيتجنن من الغضب، نور كانت مرعوبة، وماما كأنها كبرت قرن كامل في ليلة.
​فريدة بدأت: “موكلتي بتطعن في كل التواقيع المنسوبة ليها في شركة نور للمستحضرات.”
بابا ضرب جبهته بإيده على الترابيزة: “ده كلام فارغ! ندى كانت عارفة بالشركة!”
قلت: “كنت عارفة إنها موجودة.. ده مش معناه إني موافقة على إدارة ديونها وتزوير اسمي.”
“أنتِ إديتِ نور فلوس بنفسك!”
“إديت أختي سلفة لأنها قالت البنوك رافضة تمولها.”
​فريدة زقت صور الأوراق: “أستاذ مدحت.. أنت اللي وقّعت باسم بنتك؟”
محاميه حط إيده على ذراعه بسرعة: “ما تجاوبش.”
وده كان الجواب الشافي.
​نور بدأت تعيط: “أنا ما كنتش اعرف إنه وقّع باسمك!”
بصيت لها: “بس كنتِ عارفة إن اسمي على الشركة.”
مسحت وشها: “بابا قال لي دي أوراق شكلية.”
“ولما اتفقتِ تبيعي؟ كنتِ عارفة إني بأملك 51%، صح؟”
“أنا افتكرت بابا مخلص الموضوع معاكِ!”
“وكانت عينك على الفلوس وبس.. صح؟”
صرخت بعياط: “أنا اللي بنيت الشركة دي! أنا شقيت 6 سنين فيها!”
“وأنا اللي موّلتها من غير ما أعرّف!”
​بابا وقف فجأة: “بس بقى! كفاية!”
الكل اتدور له.
شاور عليا بغل: “عايزة الحقيقة؟ ماشي! لولا العيلة دي ما كانش بقى معاكِ قرش ولا كان هيبقى ليكي قيمة!”
سكت تماماً.. فريدة قالت بهدوء: “أستاذ مدحت، أنصحك—”
“لا! قاعدالي تعمل فيها ضحية! إحنا اللي ربينا، وإحنا اللي وكلنا، وإحنا اللي علمنا في جامعات!”
“أنا دخلت بمنحة وبمجهودي.”
“إحنا اللي ديماً فاتحين لك بيت!”
“أنا بدأت أدفع ضرائب البيت ده وأنا عندي 22 سنة!”
​وش بابا احمر: “ونور إديتنا حاجة نَفْتَخِر بيها!”
​الكلمات فضلت ترن في الأوضة.
حتى بعد كل ده..
هزيت رأسي: “يبقى نور هي اللي تدفع القروض.”
​محدش نطق.. غضب بابا اختفى فوراً لأن الكل عارف إن نور ما تقدرش تدفع جُنيه.
محامي المشتري اتنحنح: “طالما الملكية والتفويض فيهم نزاع قانوني وتزوير، الصفقة ملغية تماماً.”
​نور بصت لي برعب: “أنتِ بتخربي حياتي!”
كنت هرد، بس فريدة لمست ذراعي.. تليفونها كان بيرن، وبصت للشاشة ووشها اتغير تماماً.
“ندى،” قالت بهدوء: “محتاجة أوريكي حاجة.”
​دورت تليفونها ناحيتي.. كان إيميل من محقق عقاري فريدة أجرته الصبح عشان يتتبع رهن البيت اللي بابا كان بيجيب سيرته.
الملحق كان فيه سند ملكية ومستخرج رسمي.
قريت أول سطر.. ووقفت.
“ده أكيد فيه حاجة غلط.”
فريدة هزت رأسها: “لأ، مظبوط.”
​بابا كان بيص بصة ذهول: “فيه إيه؟”
فريدة بصت له: “أستاذ مدحت.. أنت آخر مرة راجعت فيها ملكية البيت كانت إمتى؟”
بابا اتثبت في مكانه.. ماما همست: “مدحت؟”
​اطبعت الورقة وتحطت قدامي.
البيت اللي أهلي عايشين فيه بقالهم 32 سنة، كان في الأصل ملك جدتي “فاطمة”.
لما ماتت، الكل قال لي إنها سابت البيت لبابا.
هي ما سابتوش لبابا.
هي حطت البيت في “وقف/وصية مغلقة”.. والمستفيد الأول والأخير مش بابا.. ولا ماما.. ولا نور.
أنا!

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *