عيلتي
حطيت التورتة.
وقعدت أتفرج.
بابا سلم الظرف لنور وقال بفخر: “كلنا جمعنا وشاركنا فيها.”
نور فتحته وعينيها وسعت: “دبي؟”
بابا ابتسم: “خمس ليالي.”
وماما ضافت: “في الفندق اللي ورتيهولنا.”
وبابا قال: “وعلى الدرجة الأولى كمان.”
نور بدأت تعيط.
ولاد عمي هيصوا.
مرت خالي كانت بتصور كل حاجة فيديو.
وجوز أختي صفر.
بصيت حوالي في الأوضة.
محدش بصلّي أو التفت لي.
بعدين ماما رفعت كاس العصير وقالت: “يا جماعة، عايزة أقول كلمة.”
الأوضة هديت.
نور كانت واقفة جنبها منورة.
ماما ابتسمت لها بطريقة عمرها ما ابتسمت لي بيها.
بدأت كلامها: “لنور.. البنت اللي بتورينا النجاح شكله إيه.”
حاجة باردة سكنت في صدري.
ماما كملت: “دي البنت الوحيدة اللي ترفع راسنا وتشرفنا.”
أهي.
جملة اتقالت بمنتهى السهولة والبساطة عشان تهد عشر سنين من الأعذار والتبريرات.
الناس سقفت.
نور مسحت دموعها برقة وقالت: “أنا مش مصدقة إنكم عملتم كل ده عشاني.”
بس أنا كنت مصدقة.
لأني الصبح، كنت شفت طلب السحب.
سبع تلاف دولار (أكاديمية المبلغ الإجمالي).
اتسحبوا من حساب طوارئ العيلة.
الحساب اللي أنا فتحته بعد عملية بابا لأن عمر ما كنت عايزة أهلي يواجهوا أي أزمة صحية أو طارئة من غير غطاء مالي.
الحساب اللي أنا كنت بموله بنفسي بالكامل.
شهر ورا شهر.
مرتب ورا مرتب.
أنا اللي بنيته.
وكانوا كلهم واعدين إن الفلوس دي مش هتتلمس أبدًا إلا في حالة طوارئ بجد.
ووعدوني تحديدًا إنهم عمرهم ما يسحبوا جنيه واحد من غير ما يستأذنوني الأول.
وظاهر كده، إن فسحة نور في دبي بقت تعتبر طوارئ قصوى!
فتحت ابلكيشن البنك بسكات تحت الترابيزة.
الشاشة نورت إيدي.
الرصيد المتاح:
83,412.19 دولار.
فضلت باصة للرقم.
سحبوا سبع تلاف دولار من فلوس أنا شقيت فيها، وشيلتها عشان أحمي العيلة دي.
وكانوا بيستخدموها عشان يكافئوا نور لأنها “أخيراً اعتمدت على نفسها”!
السخرية في الموقف كانت مبهرة بجد.
بابا رفع كاسه وبص ناحيتي لأول مرة طول السهرة، وكان باين عليه الضيق: “ندى.. إيه مش هتباركي لأختك ولا إيه؟”
الأوضة كلها سكتت والوشوش اتدورت ناحيتي.
نور بصت لي بالابتسامة الرقيقة المترقبة دي.
لسنين طويلة، ده كان الموقف اللي كنت بستسلم فيه.
كنت هبتسم.
أقول ألف مبروك.
أروح بيتي، أعيا وأعيط مع نفسي، وأقنع نفسي إن معايشة السلام والهدوء أهم من إن حد يحترمني.
بس فيه حاجة جوايا سكنت تماماً.
مفيش غضب.
مفيش دموع.
صفاء ذهني تام.
بصيت لنور.
بعدين لماما.
بعدين لبابا.
وابتسمت: “أكيد طبعاً.”
صباعي تحرك على الشاشة تحت الترابيزة.
الابلكيشن طلب مني تأكيد المعاملة.
لمدة عشر سنين، كنت البنت اللي يعتمد عليها.
البنت الهادية.
البنت اللي افترضوا إنها دايماً هتمشي بجب محفوف ومقفول وبحفظة مفتوحة.
بصيت حوليا للبالونات.
طوق الورد.
الظرف اللامع بتاع دبي.
وتورتة عيد ميلادي المركونة ومقشورة على طرف الترابيزة ومحدش داريان بيها.
بعدين ضغطت على الزرار.
سحب وتحديد إرجاع الرصيد.
وللحظة واحدة، مفيش حاجة حصلت.
وبعدين، كل تليفون محطوط على الترابيزة رن واهتز في نفس الثواني بالضبط!
لحظة ما بابا بص لتليفونوه اللي بيعد، وشّه اتخطف ولونه اتخطف تماماً.
قبلها بخمس ثواني بس، كان الكل بيموت من الضحك.
أختي نور كانت لسه لابسة طوق الورد الأزرق في أبيض البايخ. ماما كانت حاطة إيدها بكل فخر على كتفها. ومرات خالي كانت رافعة تليفونها بتصور، وفاكرة نفسها بتسجل فيديو عائلي مثالي جديد.
وتورتة عيد ميلادي—اللي أنا كنت جيباها لنفسي—كانت مركونة ومحدش جه جنبها في آخر الترابيزة.
بابا بَص لاسم المتصل على الشاشة.
بعدين بص لي.
“عملتِ إيه؟”
سندت ظهري على الكرسي براحة: “نقلت فلوسي.”
في اللحظة دي، الأوضة كلها كأن الهواء اتقطع منها والكل نسي يتنفس.
قبلها بعشرين دقيقة، عيلتي كانت بتعمل مفاجأة لنور برحلة لدبي لمدة خمس ليالي.
تذاكر طيران درجة اولى.
فندق خمس نجوم.
شنط سفر شيك.
كل ده مدفوع من الـ 7,000 دولار اللي اتسحبوا من حساب الطوارئ اللي أنا ممولاه بالكامل من جيبي.
وبعدين، وأنا واقفة جنب تورتة عيد ميلادي التمانية وعشرين، ماما رفعت كاسها وقالت:
“لنور.. البنت اللي بتورينا النجاح شكله إيه، وهي الوحيدة اللي ترفع راسنا وتشرفنا.”
الكل سقف.
عشان كده وتحت الترابيزة، فتحت ابلكيشن البنك.
الرصيد المتاح: 83,412.19 دولار.
بقالي يجي عشر سنين وأنا البنت اللي بتحل كل أزمة.
ضرائب الشقة بتاعت بابا؟ أنا دفعتها.
ماما سحبت مكشوف؟ سددت الفلوس.
سخان المية اتكسر؟ كارتي في الخدمة.
نور محتاجة إيجار؟ أنا.
لاب توب لشغل نور؟ أنا.
“الشهر الصعب” بتاع نور الممتد لـ 18 شهر؟ برضه أنا.
في الأول، كان الكل بيشكرني.
بعدين المساعدة بقت شيء متوقع.
بعدين التوقع بقى شيء بديهي ومحدش شايفه.
نور بتاخد دهب ورحلات وخطب عصماء وسقيف.
أنا أخدت خلاط في سنة، وكارت بنزين في سنة تانية.
والسنة اللي فاتت ماما إدتني شمعة جابتهالي من دولاب الممر: “أنتِ فاهمة يا حبيبتي، نور محتاجة تشجيع أكتر.”
أنا قضيت حياتي كلها “فاهمة ومقدرة”.
بس في الليلة دي، فيه حاجة جوايا وقفت للابد.
في الوقت اللي الكل كان بيسقف لنور، أنا نقلت كل دولار فاضل من حساب الطوارئ لحساب شخصي جديد تماماً محدش يقدر يوصل له غيري.
وبعدين، كل تليفون محطوط على الترابيزة رن واهتز.
ماما بصت في تليفونها الأول. الابتسامة اختفت من وشها.
تليفون بابا رن بعدها بثواني. وبقى ماسكه كأنه قنبلة هتفرقع في إيده.
”رد،” قلتها بهدوء.
جاهلني. والتليفون فضلت رنته تعلى.
نور بصت بيننا: “هو فيه إيه؟ مالكم تتصرفوا بغرابة كده ليه؟”
بابا أخيرًا قام ووقف بعيد ورد: “ألو؟”
كنت بلاحظ وشّه: “أيوه..”
سكت شوية.
“يعني إيه الحساب اتجمد؟”
ماما وقفت: “فيه إيه يا مدحت؟”
بابا اتدور الناحية التانية: “لا، ده مستحيل يحصل الليلة.. الفلوس كانت موجودة الصبح!”
حاجة اتشدت في بطني.
“الفلوس كانت موجودة الصبح!”
مش “فلوس إيه؟” ولا “أنت بتتكلم عن إيه؟”
هو كان عارف بالظبط المتصل بيحكي عن إيه.
بابا وِطّى صوته: “لا.. متتصلوش بيها.”
الكل سمع الجملة دي.
زقيت الكرسي ووقفت: “متتصلوش بمين؟”
عين بابا جت عليا فوراً: “ندى، اقعدي.”
كنت هضحك.
الصوت ده أنا سامعاه طول حياتي.
“اقعدي.. خليكِ عاقلة.. بلاش تفضحي العيلة.. بلاش تزعلي أختك.”
ولأول مرة في حياتي، الجملة دي ما كانش ليها أي تأثير عليا.
”مين اللي متتصلوش بيها؟”
بابا قفل السكة. ومحدش اتحرك.
نور همست: “بابا؟”
بابا حط التليفون في جيبه: “دي مجرد مشكلة بسيطة في البنك.”
“مشكلة إيه؟” سألت.
“ندى، مش وقته خالص الكلام ده دلوقتي.”
بصيت حوليّ.
البالونات الزرقاء. ديكورات دبي. تذاكر الدرجة الأولى بتاعت نور. وتورتتي المنسية.
قلت: “عندك حق.. واضح إن يوم عيد ميلادي ما كانش وقته برضه.”
ماما شفايفها اتزمت: “بلاش دراما بليز.”
الجملة دي أنهت كل حاجة.
مسكت شنطتي، بابا وقف في طريقي: “رجّعي الفلوس مكانها فوراً.”
“لا.”
“الفلوس دي مكانها حساب العيلة!”
“لا، الفلوس دي ملكي أنا.”
“أحنا أخدنا قرارات وارتباطات بناءً على إن الفلوس دي متوفرة!”
بصيت له بثبات: “قرارات إيه؟”
سكت تماماً.
ماما قربت ونزلت صوتها كأن الرقة ممكن تمسح السرقة: “يا ندى يا حبيبتي، الموضوع زاد عن حده.. باباكي هيشرحلك كل حاجة بكرة.”
“يشرحلي دلوقتي.”
نور مربعة إيدها: “يا ربي! هو ده كله بجد عشان رحلتي؟”
اتدورت ناحيتها: “تقصدي الرحلة اللي رايحاها بـ 7,000 دولار مسروقين من حسابي؟”
وشها اتغير: “مسروقين؟”
ماما اتدخلت بسرعة: “مش مسروقين! دي فلوس العيلة.”
“أنا الوحيدة اللي كنت بحط جنيه فيها.”
“ده ما يخليهاش بتاعتك لوحدك!”
“بالظبط،” قلت بهدوء شديد: “ده بالظبط اللي بيخليها ملكي لوحدي.”
تليفون بابا رن تاني.
المرة دي الأوضة كانت ساكتة لدرجة إننا كنا سامعين صوت الاهتزاز جوة جيبه. وما ردش.
عديت من جنبه، بس قال جملة وقفتني عند الباب:
”لو ما رجعتيش الفلوس دي الليلة، أنتِ ممكن تخربي بيت أختك وتهدي شركتها!”
اتدورت له ببطء.
نور بصت له وهي مصدومة: “إيه؟”
واضح إن المعلومة دي كانت جديدة عليها هي كمان.
بصيت لبابا: “حسابي البنكي ماله ومال شركة نور؟”
ما نطقش.
وفجأة فهمت حاجة مرعبة.. رحلة دبي ما كانتش أكبر سر في الأوضة الليلة دي.
تاني يوم الصبح الساعة 8:07، تليفوني رن.
واحدة عرفت نفسها إنها “مها”، من قسم مكافحة الاحتيال في البنك.
“محتاجين حضريتك تشرفينا في الفرع فوراً.”
“ليه؟”
سكتت ثانية: “لأن اسم حضرتك موجود على أوراق مربوطة بتسهيلات ائتمانية وتجارية، والنشاط اللي حصل إمبارح على حسابك عمل إنذار في السيستم.”
قعدت متلخبطة: “تسهيلات ائتمانية إيه؟”
“أنسة ندى، يفضل نتكلم في المكتب وش لوش.”
الساعة 9:30 كنت قاعدة في مكتب زجاجي قصاد مها، ومسؤول القروض التجارية.
كان فيه ملف محطوط بيننا.
فتح المسؤول الملف.
أول صفحة كان مكتوب فيها اسمي بالكامل: ندى مراد عبد الحميد.
وتحتيه عنوان أنا عارفاه كويس.. شركة أختي.
(شركة نور للمستحضرات).
قطعت حواجب: “أنا ما بشتغلش هناك.”
المسؤول بص لي وهو حاسس بالحرج: “وفقاً للأوراق دي، حضرتك بتملكي 51% من الشركة.”
لثواني، الكلام ما كانش دخل دماغي.
بعدين ضحكت.. مش عشان الموقف يضحك، بس ساعات الواقع بيبقى غير منطقي لدرجة إن جسمك بيتصرف غلط.
“أنا بأملك إيه؟”
زق الصفحة ناحيتي.
كان فيه اسمي، الرقم القومي، تاريخ ميلادي، عنوان شقتي القديمة.. وفي الآخر خالص—توقيع.
توقيعي أنا.
بس أنا عمر ما وقّعت على الورق ده!
جسمي قشعر: “التوقيع ده مزور.”
مها قربت: “حضرتك متأكدة؟”