بشرى ج٣ اماني السيد

بس افتكر إنها هي اللي رمتك، والكل في السوق بيتكلم عن نجاحها دلوقتي ومحدش فاكرك أصلاً!ض.رب رشاد الطاولة بيده بعنف أهتزت له أركان الغرفة، وصرخ فيها:ـ اخرسي! ماتجبيش سيرتها على لسانك!تركها ودخل غرفته وأغلق الباب وراءه بقوة، وجلس على طرف السرير يدفن وجهه بين كفيه. كلمات نهى الأخيرة أصابت منه مقتلاً؛ “الكل بيتكلم عن نجاحها ومحدش فاكرك”. أخرج هاتفه مجدداً ونظر إلى صورتها مع جبريل. شعر بغيرة تحرق ضلوعه، ليست فقط غيرة رجل على امرأته السابقة، بل غيرة إنسان فاشل يرى من تركها تصعد إلى القمة بخطوات ثابتة، بينما هو يهبط إلى القاع مع امرأة اختارها بهواه.

أدرك رشاد، وهو يستمع إلى صوت بكاء نهى المصطنع في الخارج، أن حبل العلاقة بينهما بدأ يتآكل سريعاً، وأن طيف بشرى ونجاحها الجديد لن يتركا له مجالاً ليعيش بسلام في خياره الخاطئ.وفي نفس الوقت الذي كانت فيه جدران شقة رشاد تهتز بالمشاحنات، كانت هناك جدران أخرى تشهد ولادة مشاعر من نوع مختلف تماماً.

داخل أحد المطاعم الهادئة المطلة على النيل، كان الضوء خافتاً والموسيقى الكلاسيكية تنساب في الخلفية لتعزل المكان عن صخب القهوة والموقع. كان هذا أول عشاء عمل يجمعهما بعيداً عن المكاتب الخرسانية، لمناقشة التقرير الربع سنوي الأول للمشروع الذي حقق أرقاماً فاقت التوقعات.كانت بشرى تجلس بكامل أناقتها الهادئة، تراجع بعض الأرقام على جهازها اللوحي، بينما كان جبريل يتابعها بنظراته الدقيقة التي لم تعد تخلو من الدفء والاهتمام.

أغلقت بشرى الجهاز، ونظرت إليه بابتسامة عملية:ـ وبكدة يا باشمهندس، نقدر نقول إننا قفلنا المرحلة الأولى من المشروع قبل وقتها بأسبوعين، ونسبة الأرباح المبدئية تخطت الـ 20%.وضع جبريل فنجان قهوته، وسند بظهره إلى الكرسي، وقال بصوته الرخيم ونبرة تحمل تقديراً عميقاً:ـ أنا مابقتش مستغرب الأرقام دي يا بشرى.. أنا بقيت مستغرب إزاي السوق ده كان محروم من عقليتك دي كل الفترة اللي فاتت؟

انتي إضافة لأي مكان بتدخليه، والحقيقة.. إضافة ليا أنا شخصياً.شعرت بشرى بنبضة سريعة في قلبها، لكنها سارعت برفع دروعها الدفاعية كالعادة، وقالت بنبرة حاولت جعلها حيادية:ـ ده توفيق من ربنا يا باشمهندس، ودعم بابا ليا، وشغلي هو الحاجة الوحيدة اللي مابتخذلنيش.لاحظ جبريل حذرها المعتاد، وكلمتها الأخيرة “مابتخذلنيش” لم تمر عليه مرور الكرام. مال بجسده قليلًا نحو الطاولة، وتحدث بنبرة هادئة وصادقة تماماً:ـ بشرى.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *