شقه عمتي ج٢ اماني
رديت على التليفون بهدوء باللغة الألمانية، أكدت استلامي للمواعيد والتذاكر، وقفلت الخط. التفتّ له بالكامل، وربعت إيدي وأنا ساندة على سور البلكونة. – الفرصة دي مش ملكي عشان أديها لك يا معتز.. الفرصة دي أنت ضيعتها بإيدك من لحظة ما سمحت لنفسك تحكم عليّ من غير ما تعرفني. معتز وشها أصفر، ونظرة الرجاء اللي في عينيه تحولت لخوف صريح وهو بيشوف الورقة اللي على شاشة موبايلي: – سفر؟ أنتِ هتسافري ألمانيا؟ سنتين؟! – سنتين إتماماً للدكتوراة.. بتمويل كامل وتبادل أكاديمي من المركز.
قرب خطوة كمان، ولأول مرة أشوف دكتور معتز المغرور إيده بترجف وهو بيحاول يمسك طرف الكرسي اللي جنبي: – بس أنتِ كسبتي التحدي يا فرح! أثبتِ إني كنت غلطان، أثبتِ إنك أفضل مني ومن أي حد عرفته في حياتي.. ليه تبعدي دلوقتي؟ أنا مستعد أغير كل حاجة، مستعد أطلب إيدك من مرات عمي النهاردة قبل بكرة، وسفري معايا إسكندرية، ونبدأ صفحة جديدة تماماً.. صفحة أنا فيها الراجل اللي هيقدرك ويعوضك. بتسّمت، بس المرة دي الابتسامة مكنتش ساخرة ولا باردة.. كانت ابتسامة شفقة على تفكيره اللي لسه محبوس في نفس الدائرة: – أنت لسه مش فاهم يا معتز.. للأسف، لسه مش فاهم.
أنت فاكر إني عملت كل ده عشان “أثبت لك” أنت بالذات حاجة؟ فاكر إن رحلتي وعفري وتعليمي وسفري كانوا مجرد رد فعل لغرورك؟ سكت لحظة عشان كلامي ينزل عليه زي المطر، وكملت بصوت هادي وثابت: – أنا عملت ده لنفسي.. ولأبويا الله يرحمه اللي رباني على إن الكرامة والعقل هما القيمة الحقيقية للبني آدم. أنت كنت مجرد محطة عابرة فكرتني بإن الوجع ممكن يكون بداية أمل. الجواز مش مكافأة بتحطهالي بعد ما اكتشفت إن “الجاهلة” طلعت متعلمة يا معتز.. الجواز احترام وتبادل وقبول للروح من الأول، مش بعد ما تمتحنها وتجيب فيها امتياز.
مر أسبوع على اليوم ده، الشقة كانت عايشة في حالة هدنة غير معلنة. معتز اتغيرت تحركاته تماماً؛ الغرور الصارخ اللي كان بيتحرك بيه قلّ، واستبدله بنظرات مراقبة هادية. كان طول الوقت بيحاول يخلق أي فرصة كلام،…
كل اللي بيننا انتهى قبل ما يبدأ؟ – اللي بيننا من البداية كان وهم في دماغك يا ابن عمي.. أنت كنت شايفني حمل وتقيل، وأنا دلوقتي طايرة في سما جديدة مش محتاجة فيها إذن من حد عشان أثبت وجودي. سيبته واقف في البلكونة، الشاي برد، والليل زاد ظلامه، وخرجت للصالة. لقيت مرات عمي “سعاد” قاعدة بتصلي. أول ما خلصت وسلمت، قعدت جنبها على سجادة الصلاة، وحطيت رأسي على رجلها زي زمان. – بابا سعاد.. أنا جالي القبول النهائي للسفر لألمانيا الشهر الجاي. مرات عمي ايدها وقفت على شعري، شهقت شهقة خفيفة، بس سرعان ما حطت إيدها التانية على كتفي ودموعها نزلت، بس كانت دموع فخر مش حزن: – قلبي حاسس يا بنتي.