بنت رجعت بلدها
لكن الحقيقة كانت أسوأ.
لأن والدها لم يكتفِ بمنع الرسائل.
لقد احتفظ بها كلها.
وكأنه كان يريد أن يثبت لنفسه أنه استطاع أن يمحو ياسين من حياتها.
ليلى رفعت آخر رسالة.
كانت مختلفة.
لم تكن من ياسين.
كانت بخط والدها.
قرأت السطر الأول.
ثم توقف نفسها.
“لو عادت ليلى يومًا، فلا تخبروها بما حدث في ليلة سفرها… إلا إذا اضطررتم.”
رفعت عينيها إلى ياسين.
— ليلة سفري؟
وجه ياسين تغير.
— إيه اللي حصل ليلة سفرك؟
ليلى لم تعرف الإجابة.
لكنها كانت متأكدة من شيء واحد:
أبوها أخفى عن الاثنين سرًا أخطر بكثير من مجرد رسائل لم تصل.
حكايات بسمة
ساد صمتٌ ثقيل أرواح الغرفة القديمة، وتوقفت قطرات الوقت في زوايا البيت العتيق بمحافظة الغربية. ليلى كانت تجلس على الأرضية الخشبية المتربة، تحتضن أكوام الرسائل التي حُرمت منها عشرين عاماً، بينما ياسين يقف بجوارها، عيناه النافذتان تفيضان بذهول وصدمة تجرف كل السنين التي ضاعت في الوهم والبعاد.
أمسك ياسين بالخطاب الأخير الذي كتبه الحاج سالم بخط يده، ونزل على ركبتيه بجوار ليلى.
قالت ليلى بصوت مكسور ومبحوح يغلب عليه البكاء:
— “ليلة سفري يا ياسين؟! إيه اللي حصل ليلة سفري لأنا ما أعرفوش؟! بابا أخفى إيه تاني غير إنه سرق رسائلنا وعمرنا?!”
ياسين أخذ الخطاب بأصابع مرتعشة، وبدأ يقرأ السطور التالية التي خطها والدها قبل وفاته:
> “إلى من يقرأ هذه الأوراق بعد موتي… أعلم أنني ارتكبت ج/ريمة في حق ابنتي ليلى وفي حق ياسين. في ليلة سفر ليلى للقاهرة، لم يتوقف الأمر عند رفض تزويجها. لقد حضر والد ياسين إليّ ليلاً يترجاني أن أترك الشابين يبنيان مستقبلهما، وحصل بيننا شجار حاد… وفي تلك الليلة، أصيب والد ياسين بأزمة قلبية حادة على عتبة بيتي. قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، طلب مني أن أحمي ياسين وألا أجعله يعيش طوال عمره مطارداً بشبح الفقر أو في ظل عائلتي… فسددت ديون عائلته بالكامل وخصصت لياسين أرضاً ومصدراً كافياً للرزق بشرط أن يظل في القرية يرعى المزرعة دون أن يتبع ليلى للقاهرة.”
>
اتسعت عينا ياسين بذهول صامت! الدم انسحب من وجهه كلياً وهو يتذكر تلك الليلة المظلمة التي توفي فيها والده فجأة بنوبة قلبية، والتسهيلات والتسهيلات المالية التي قدمها الحاج سالم لعائلته بعد الوفاة دون أن يعرف ياسين أن السبب الحقيقي كان وصية والده وشرط البقاء بعيداً عن ليلى!
أكمل ياسين قراءة باقي السطور بخوت ضعيف يقطر أساً:
> “لقد ظننت أنني بحرمانهما من الرسائل وبإبقائه في القرية أحمي مستقبل ابنتي لتصبح طبيبة مرموقة… لكنني عشت سنواتي الأخيرة أرى الورد الأبيض يزهر في الحديقة بتعب ياسين، وأعلم أنني قطعت أمل ابنتي في السعادة الحقيقية. لو عادت ليلى… أرجو أن تسامحني.”
>
انهارت ليلى في البكاء، وسقطت رأسها على صدر ياسين.
عشرون عاماً من الجفاء والوهم والتعب… لم تكن بسبب طيش أو نسيان، بل كانت بسبب كبرياء أب وظروف قاسية غيبت الحقيقة عن قلبين تعاهدا على الوفاء عند شتلة الورد الأبيض.
ضم ياسين ليلى إلى صدره بحنان وعمق أزاح عقوداً من الجفاف والتعب، ومسح دموعها بيده الخشنة التي عركها التراب والعمل الشريف:
— “الرسائل مكانتش بتوصل يا ليلى… بس القلوب كانت حاسة ببعضها طوال العشرين سنة.”
نقطة التحول وإشراقة الأمل:
في صبيحة اليوم التالي…
لم تطرح ليلى ملف بيع البيت والأرض في المزاد. مزقت أوراق عقد البيع والتنازل أمام بوابة البيت القديم، وألقتها في الهواء.
أعادت افتتاح وتجهيز المستوصف الطبي الخيري في القرية، وافتتحت فرعاً لعيادتها ومؤسستها الطبية هناك لعلاج المرضى والمحتاجين بالمجان، سعيناً لتكفير خطايا الماضي وخدمة أهالي أرضها.
أما ياسين… فقد أصبحت المزرعة تحت إدارته الرسمية والشراكة الكاملة مع ليلى، وتحولت أرض الورد الأبيض إلى واحدة من أجمل وأرقى مزارع المنسوجات والزهور الطبيعية في المحافظة.
وبعد أشهر قليلة من التفاهم واللملمة لجراح الماضي…
عُقد قران الدكتورة ليلى سالم على المهندس ياسين في نفس الحديقة، وسط فرحة أهالي القرية والتئام شمل الحب الذي لم يهزمه الزمن.
وقف الاثنان بجوار شجرة الورد الأبيض التي نمت وتفرعت وأصبحت واحة مظللة بالزهور الفواحة.
نظرت ليلى إلى ياسين بابتسامة صافية، ورأسها مرفوعة فوق للسماء:
— “الورد ما ماتش يا ياسين…”
ابتسم ياسين وضغط على يدها بدفء وأمان:
— “الورد كان مستني صاحفته ترجع… عشان يزهر للأبد.”
تمت بحمد الله.