حصاله ازاز ج٣ منى السيد

نهى ضحكت بسخرية وطلعت موبايلها اللي كان محروز وقدمت للمحقق رسائل الواتساب والتسجيلات الصوتية:
— اتفضل يا فندم.. دي تسجيلات صوته وهو بيضحك وبيقولي: “أمي فاكرة إني هجيبك عشان تعيشي تخدميها زي مريم المغفلة.. أنا هسيبهم يواجهوا شيكات المعرض مع مريم ويتحبسوا سوا، وإحنا هنكون في طيارة دبي بالفلوس كلها!”
الصدمة كانت تقيلة.. أثقل من الحصالة وأثقل من أي كف.
سعاد وقفت مكانها، وشها اتلوح، ونفسها بدأ يتقطع.. بصت لابنها اللي كانت بتكسر الدنيا عشانه، اللي كانت بتطردني عشان تضمنله “مستقبل يشرف”.. بصت للابن اللي باعت كرامتها وإنسانيتها عشانه، ولقيته بايعها برخص التراب وعايز يرميها في السجن بداله.
صرخت صرخة مكتومة ووقعت على ركبتها، بدأت تضرب في صدرها وتصوت بصوت يشبه عواء الذئب المجروح:
— يا خيبتك يا سعاد! يا سواد ليلك يا سعاد! يا وجع قلبي عليك يا ابني اللي ضيعت عمري عشانه.. تبيع أمك؟! تبيع أختك عشان دي؟! ده أنا طردت مريم من بيتي ورميت عليها الفكة عشانك! ده أنا دوست على كرامة بنت الأكابر عشان أرفع راسك! تقوم تدوس عليا وعلى أختك بالجزمة وتبيعنا؟!
داليا قعدت على الأرض تعيط بحرقة وتصرخ في وش أخوها:
— منك لله يا أحمد! منك لله ضيعتني! أنا هتحبس وأمي هتموت من القهرة وإنت كنت ناوي تهرب وتعيش في النعيم؟! حسبي الله ونعم الوكيل فيك!
أحمد حط راسه بين رجليه وهو بيبكي بنحيب وذل، مكنش قادر يرفع عينه في عين أمه، ولا في عين أخته، ولا في عيني أنا.
رئيس النيابة دوّن كل كلمة في المحضر، وقفل الدوسيه بقوة:
— بناءً على المستندات والتحريات واعترافات المتهمين:
أولاً: حبس المتهم أحمد عبد السلام 15 يوماً على ذمة التحقيق بتهم الاختلاس، التزوير في محررات رسمية، وغسيل الأموال، مع التحفظ على كافة أمواله وممتلكاته ومنعه من السفر.
ثانياً: استمرار حبس المتهمة نهى توفيق على ذمة القضية.
ثالثاً: إحالة قضايا الشيكات بدون رصيد الخاصة بالمتهمة داليا عبد السلام إلى محكمة الجنح لتحديد جلسة عاجلة للنطق بالحكم، مع استمرار التحفظ عليها.
رابعاً: إحالة البلاغ المقدم من المجني عليها مريم منصور الشناوي بشأن الاعتداء بالضرب وإحداث عاهة ضد المتهمة سعاد عبد السلام لمحكمة الجنايات المختصة.
الشاويش قرب وشد الكلبشات من إيد أحمد اللي كان بيترجى المحقق، وسحبوا داليا ونهى.. وسعاد فضلت مرمية على الأرض في ممر النيابة، بتصرخ وتستجدي المارة ومحدش حتى بيبص في وشها.
المواجهة الأخيرة: تصفية الحساب
قبل ما أخرج من مجمع المحاكم، طلبت من رئيس النيابة دقيقتين بس أتكلم مع أحمد في وجود الحراسة.
دخلت الأوضة اللي كان محبوس فيها مستني الترحيلة لسجن طرة.
كان قاعد على دكة خشب، البدلة بقت ممسحة، وشه دبلان، وعينيه تايهة في الفراغ كأنه كبر عشرين سنة في يومين.
أول ما شافني، نزل من على الدكة وزحف على ركبه لحد ما وصل تحت رجلي:
— مريم.. دوسي عليا.. اضربيني بالنار، بس متسيبينيش هنا! أنا بموت يا مريم! أنا عبدك وخادمك، هعيش خدام تحت رجلك ورجل أبوكي، بس اتنازلي عن قضية الاختلاس.. دي فيها أشغال شاقة مؤبدة! مريم إنتِ كنتِ بتحبيني!
وقفت قدامه وبصيت له بقرف حقيقي.. مكنتش حاسة بأي كره خلاص، الكره بيحتاج طاقة، وأحمد مكنش يستاهل حتى الكره.
— كنت بحب الصورة اللي رسمتهالك في خيالي يا أحمد.. كنت بحب الراجل اللي افتكرته جدع وبتاع شقا وعنده أصل.. لكن لما الحصالة وقعت على دماغي، الحقيقة بانت.. طلعت مجرد مسخ، طماع ورخيص وملكش أمان.
طلعت من شنطتي ورقة.. ورقة طلاق رسمية على يد مأذون، جاهزة للإمضاء.
— إمضي هنا.
أحمد مسك القلم بإيد بتترعش زي الورقة في مهب الريح:
— لو مضيت.. هتتنازلي؟
ابتسمت بسخرية:
— إنت مش في موقف تفاوض.. لو ممضتش، هرفع خلع وهكسبه من أول جلسة بالتقارير الطبية ومحاضر التعدي، وهدفعك تمن كل قرش ومؤخر ونفقة.. لكن لو مضيت، هسيبك تواجه مصيرك في السجن من غير قضايا أحوال شخصية زيادة.. اختار.
أحمد غمض عينيه ونزلت دمعة ذل حارة على خده، ومضى على ورقة الطلاق وهو بينتحب.
سحبت الورقة من قدامه، وحطيتها في شنطتي.
طلعت من جيبي جنيه فضة واحد بس.. رميته على الأرض جنبه، فرن بصوت عالي على البلاط واستقر بين ركبه.
بصيت له وقلت الكلمة الأخيرة:
— ده باقي تمنك.. خليه معاك في السجن، عشان كل ما تبصله تفتكر إنك بعت عشر سنين وبعت أهلك وبعت نفسك.. عشان ولا حاجة.
لفيت ضهري وخرجت وسبته بيصرخ باسمي في الممر وصوته بيضيع ورا الباب الحديدي اللي اتقفل وراه بصوت ترزيع يخلع القلب.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *