حصاله ازاز ج٣ منى السيد
الفصل الرابع والأخير: يوم الحساب وسقوط الأقنعة
الضحكة اللي طلعت مني في صالون قصر بابا مكنتش ضحكة فرح، كانت ضحكة صدمة من كمية القرف والرخص اللي اتكشفوا دفعة واحدة.
كنت قاعدة ساندة ضهري على الكرسي الجلدي الفخم، وببص للسما من الإزاز الكبير. الشمس كانت بتغرب، ولونها أحمر قاني بيفكرني بلون الدم اللي نزل من جبيني لما سعاد رمت الحصالة في وشي.
— يعني يا بابا.. الست اللي كانت واقفة تتشملل وتكسر حصالات على دماغي وتدعي على الغلبانة اللي شايلاهم عشر سنين، ابنها الحبيب البار كان مجهز خطة يبيعها هي وأخته ويسيبهم للديون والسجن ويهرب مع “نهى”؟!
بابا منصور ولّع سيجاره بهدوء وثقة رجل الأعمال اللي شاف الدنيا وعارف خبايا البشر:
— الطماع يا بنتي ملوش أمان، واللي يبيع الأصل عشان شوية ريش على كتافه، يبيع أمه وأبوه عشان قرش زيادة. أحمد مكنش شايف غير نفسه من البداية، وإنتِ بطيبتك وحبك العمي كنتِ الستارة اللي مدارية على وساخته.. بس الستارة خلاص وقعت، والنار هتاكل كل اللي بناه في غمضة عين.
المستشار فريد، محامي العيلة، دخل الصالون وفي إيده شنطة جلد سودة مليانة ملفات متسلسلة بشرائط حمرا:
— يا فندم، تحريات الأموال العامة وشرطة التهرب الضريبي اتحركت بالتوازي.. نهى توفيق اتقبض عليها في مطار القاهرة الدولي وهي بتحاول تسافر على دبي، وكان معاها أربع شنط فيهم سيولة دولارية ودهب ومستندات ملكية الشقق اللي أحمد حولها باسمها، بالإضافة لتلات جوازات سفر مضروبة.
بصيت لفريد وسألته ببرود:
— واعترفت؟
فريد ابتسم بانتصار:
— أول ما الكلبش لمس إيدها في المطار وشافت تهم غسيل الأموال وتهريب النقد الأجنبي، كبت كل حاجة في محضر رسمي من تسع صفحات. اعترفت إن أحمد هو العقل المدبر، وإنها مجرد واجهة كان بيستخدمها لتهريب الفلوس اللي بيختلسها من شركات قطاع السيارات ومجموعتكم الكريمة.. وقالت بالنص: “أحمد قالي هنخلص من مراته الفقرية ونسيب أمه وأخته يلبسوا ديون المعرض والبوتيك، ونسافر نعيش في تركيا أو دبي بالفلوس اللي اتجمعت!”
هزيت راسي ووقفت على طولي، عدلت فستاني الأسود وقلت لبابا:
— بابا.. أنا عايزة أحضر مواجهة النيابة بنفسي. عايزة أشوف وشه وهو بيسمع اعترافاتها، وعايزة سعاد هانم وداليا يكونوا حاضرين.. المشهد ده لازم يكتمل للنهاية.
بابا شاور لفريد بإشارة خفيفة من راسه:
— رتّب حضور مريم كمدعي بالحق المدني وشاهد إثبات رئيسي.. خليهم يعرفوا إن الحق لما بيرجع، بيكسر عضم اللي سرقه.
في مجمع محاكم القاهرة الجديدة — صباح اليوم الحاسم
الممر الطويل قدام مكتب رئيس نيابة الأموال العامة كان مقلوب، صوت همهمات المحامين ورجال الأمن مع صوت صرخات وعياط كان مالي المكان.
على كراسي الانتظار الحديدية الباردة، كانت قاعدة سعاد، وشها بهتان كأنها طالعة من قبرها، لابسة نفس الطرحة المبهدلة اللي اتنطرت عليها الفكة بتاعتي امبارح، وجنبها داليا، خارجة من الحجز بالكلبشات في إيد عسكرية، وشها وارم من العياط ومفيش نقطة ميك آب تداري الرعب والذل اللي مالين عينيها.
وفجأة، الباب الحديدي في آخر الممر اتفتح..
دخلت أنا، وماشية جنبي حراسة خاصة من مكتب والدي، وورايا تلات محامين من كبار المستشارين في مصر. كنت لابسة تايير كحلي راقي، كعبي بيدق على الأرض بثبات وهيبة، وشعري مرفوع لفوق مبيّن البلاستر الصغير اللي على جبيني.. الجرح اللي اتحول لوسام عزيمة مش علامة انكسار.
سعاد أول ما شافتني، قامت مفزوعة وحاولت تجري عليا:
— مريم! يا بنتي يا مريم قولي لمحامينك يرحمونا! البت داليا هتتسجن تلات سنين عشان الشيكات، وأحمد مش لاقيينله محامي يقبل يدافع عنه!
العسكري وقفها وحجزها بعيد عني بجفاء:
— ارجعي مكانك يا ست إنتِ، متقربيش من الهانم!
داليا كانت بتبصلي بدموع وذل، وقالت بصوت مكسور ومبحوح:
— مريم.. سامحيني.. أنا كنت غبية وبسمع كلام أمي.. والنبي طلعينى من هنا، الحجز فظيع وأنا بموت من الخوف.. مش إحنا كنا زي الأخوات؟
وقفت قدامها، بصيت في عينيها بجمود تام مفيش فيه ذرة شفقة:
— أخوات؟ لما كنتِ بتضحكي بأعلى صوتك والحصالة بتنزل فكتها على دماغي مكنتيش فاكرة إني أختك؟ لما كنتِ بتقولي لأخوكي قدامي إنه يلاقي ألف واحدة أحسن مني وبتعيريني بأصلي مكنتيش أختي؟ إنتِ مش أختي يا داليا.. إنتِ كنتِ بتستغليني، بتلبسي من فلوسي وبتفتحي محلك بشيكاتي، وفي أول لحظة افتكرتي إنكم كبرتوا، عضيتي الإيد اللي اتمدتلك.
العسكري فتح باب مكتب رئيس النيابة:
— اتفضلي يا فندم.. الباشا رئيس النيابة منتظر حضرتك.
داخل غرفة التحقيق: السقوط الأكبر
الأوضة كانت واسعة ومكيفة، مكاتب خشبية محملة بآلاف الدوسيهات، وفي النص كان قاعد رئيس النيابة، راجل صارم بنظرات حادة مبيفوتهاش تفصيلة.
على الكراسي اللي في وش المكتب، كان قاعد أحمد.. لابس البدلة المبهدلة، لحيته طالعة بقالها يومين، عيونه متبتة في الأرض واديه متكلبشة قدامه.
وعلى الكرسي التاني، كانت قاعدة “نهى توفيق”، لابسة نضارة شمس شايلاها على راسها، بتعيط ومنهارة ومعاها محاميها.
لما دخلت وقعدت على كرسي المدعي بالحق المدني، أحمد رفع راسه ببطء، بصلي بنظرة مليانة ترجي ورعب:
— مريم.. عشان خاطر العشرة.. أنا مستعد أتنازل عن كل حاجة، هكتبلك ورقة طلاق تبري فيها كل ذمة، بس طلّعيني من القضية دي.. أنا اتنصب عليا!
رئيس النيابة خبط على المكتب بصوت رن في الأوضة:
— اتكتم يا متهم! الكلام هنا بإذن!
رئيس النيابة فتح المحضر، وبص لأحمد وقال بصوت رخيم وقاطع:
— المتهم أحمد عبد السلام.. في أقوالك السابقة أنكرت معرفتك بأي حسابات بنكية في الخارج، وأنكرت علاقتك بالفواتير الوهمية لقطع الغيار اللي خرجت من مصانع العاشر من رمضان. لكن المتهمة التانية، نهى توفيق، اعترفت تفصيلياً باستلامها مبالغ مالية تجاوزت 15 مليون جنيه مصري، بالإضافة إلى 350 ألف دولار أمريكي، تم تحويلهم من حسابات وهمية تابعة ليك لحسابها الشخصي لشراء عقارات في التجمع وزايد باسمها.. إيه قولك في الكلام ده؟
أحمد اتسمر، وشه اتحول للون الرماد، وبص لنهى بعينين جاحظة:
— نهى؟! إنتِ اعترفتي؟! إنتِ مجنونة؟! الفلوس دي كانت عشان نـ…
نهى صرخت فيه وقطعت كلامه بهستيريا:
— أيوة اعترفت! أنا مش هضيع نفسي وأدخل السجن عشان واحد زيك! إنت اللي خططت وسرقت مراتك وشركات حماك! إنت اللي قولتلي هرمي لأمي وأختي الفتات وألبسهم الشيكات والديون وأهرب معاكي برة البلد! إنت نصاب وحرامي وورطتني معاك!
في اللحظة دي، دخلت سعاد وداليا الأوضة بإذن من وكيل النيابة لسماع أقوالهم في مواجهة الشيكات.. وسمعوا الكلمتين دول بالنص.
سعاد وقفت مشلولة، حاطة إيدها على بؤها وعينيها مبرقة برعب وعدم استيعاب:
— إيه؟! الفلوس.. تهرب مع مين؟ تلبس مين الديون يا أحمد؟!
أحمد اتلخبط وبدأ يعرق بهستيريا، وبقى مش عارف يبص لمين ولا يرد على مين:
— يا أمي متصدقيهاش! دي كدابة! دي هي اللي ضحكت عليا!