حصاله ازاز ج١ منى السيد

الجزء الثاني: سقوط أول حجر
قعدت على الكنبة في الصالون الواسع بتاع فيلا والدي في التجمع.
الهدوء كان قاتل، عكس الدوشة وصوت الفكة اللي كانت لسه بترن في ودني زي جرس إنذار. والدي، رجل الأعمال منصور الشناوي—رئيس مجلس إدارة مجموعة الشناوي للاستثمارات والتجارة الدولية—رجع من مكتبه ومعاه علبة الإسعافات الأولية.
قعد جنبي على ركبه، ومسك حتة قطنة بمطهر وبدأ يمسح الجرح اللي في جبيني بإيد بتترعش من الغيظ المكتوم.
— بتوجعك؟
سألني بصوت واطي ومبحوح. هزيت راسي بنفي وقلت:
— الوجع مش هنا يا بابا.. الوجع في عشر سنين ضاعوا مع ناس رخاص. أنا كنت عامية، كنت فاكرة إني لو شيلتهم وعملت ليهم قيمة هيحبوني بجد، بس طلعوا جعانين، والجوع لما بيسكن النفوس مبيشبعوش أبداً.
بابا خلص تطهير الجرح، وحط بلاستر طبي صغير، وبعدين وقف بكل هيبته، عدل جاكيت بدلته وقال بجمود يرعب:
— أنا وافقت زمان إنك تبدأي معاه من الصفر زي ما طلبتي، خبيت اسم عيلتي وشركاتي عشان كنتِ عايزة تتأكدي إنه بيحبك لشخصك مش لفلوسي.. سبتك تستحملي فقرهم وجهلهم بمزاجك، ووافقت أضخ عقود توريد بملايين لشركة قطاع خاص صغيرة هو شغال فيها عشان أخليهم يرقوه وتشوفيه ناجح ويفرح بيكي.. لكن يمدوا إيدهم عليكي؟ ويرموا عليكي فكة ويهينوا كرامتك؟ ده تمنه غالي أوي يا مريم، غالي فوق ما يتخيلوا.
مسكت اللاب توب بتاعي وفتحته. طلعت الفلاشة الزرقا اللي عليها السبعة وأربعين ملف.
— كل حاجة هنا يا بابا. ديونهم، الشيكات اللي دفعتها من حساباتي الخاصة لسداد عجز معرض داليا، الفواتير، وفوق كل ده.. عقود التوريد اللي باسم مجموعتك.
ابتسم والدي ابتسامة باردة ورفع تليفونه واتصل بالمستشار القانوني للمجموعة:
— أستاذ فريد.. جهزلي بلاغ عاجل للنائب العام بالاعتداء الجسدي وإحداث عاهة، واطلب تقرير طبي فوري لمريم من مستشفى خاص معتمد.. وتاني حاجة، ابعت إخطار رسمي لشركة “أوتو بارتس مصر” بفسخ عقد الامتياز الحصري لتوريد قطع الغيار الألمانية وتجميد كل خطوط الائتمان فوراً.. الصبح بدري كل ده يتنفذ.
قفلت عيني ونمت ليلتها أول نومة هادية من عشر سنين.. نومة خالية من التفكير في إيجار، أو قسط، أو طلبات حماتي اللي مابتخلصش.
في شقة عيلة عبد السلام — صباح اليوم التالي
الساعة كانت تمانية الصبح.
حماتي سعاد كانت واقفة في المطبخ بتعمل شاي بلبن، وبتغني ومبسوطة على الآخر. دخلت داليا المطبخ وهي بتفرك عينيها ولابسة روب الستان الجديد اللي كانت مريم شرياهولها من فلوسها.
— صباح الخير يا ماما.. ها، وش الفقر غارت خلاص؟
ضحكت سعاد بشماتة وهي بتصب الشاي:
— غارت بستين داهية! البت كانت عاملة زي اللقمة في الزور.. دلوقتي بس نقدر نجوز أحمد لـ “نهى” بنت الحاج توفيق المقاول.. عيلة وريحة ونسب يشرف، مش دي اللي أبوها موظف بسيط على المعاش مالوش لازمة ولا أهل يسألوا فيها!
أحمد خرج من أوضته لابس البدلة الكحلي الجديدة، وساعته المدهبة، بيعدل الكرافتة بفخر وهو بيبص لنفسه في المراية:
— أنا نازل الشركة يا أمي.. النهاردة أول يوم ليا في مكتبي الجديد كمدير عام، وعندي اجتماع توقيع تجديد العقد السنوي مع مجموعة الشناوي. العقد ده بـ 80 مليون جنيه.. لو اتقفل، عمولتي لوحدها هتخليني اشتري الشقة اللي في زايد كاش.
سعاد طبطبت على كتفه بفخر:
— روح يا حبيب أمك، ربنا يفتحها في وشك ويبعد عنك ولاد الحرام.. عقبال ما نعملك أكبر فرح في مصر على ست ستها.
نزل أحمد وهو حاسس إنه ملك الدنيا بإيديه، ركب عربيته وانطلق على مقر الشركة في مصر الجديدة.
الكارثة تبدأ
أول ما أحمد دخل مبنى الشركة، لاحظ نظرات غريبة من موظفين الاستقبال والأمن.. مكنش فيه السلام المعتاد، ولا التحيات الحارة اللي كان بياخدها من يومين.
ركب الأسانسير وطلع للدور الإداري، وفوجئ بإن السكرتيرة بتاعته وشها أصفر ومرعوبة:
— أستاذ أحمد.. رئيس مجلس الإدارة، دكتور طارق، قالب الدنيا وعايزك في مكتبه حالاً!
أحمد عدل جاكيت بدلته وقال بغرور:
— أكيد عشان نراجع بنود عقد الشناوي قبل ما نوقع.. اهدي إنتِ بس.
دخل أحمد المكتب بابتسامة واسعة:
— صباح الخير يا دكتور طارق.. أنا جاهز لـ…
قطع كلامه صوت فايل تقيل اترمى في وشه وخبط في صدره.
دكتور طارق كان وشه أحمر وعروقه ناطرة من الغضب، شاور بإيده على الورق اللي اتطوح على الأرض:
— إنت عملت إيه يا غبي؟! إنت هببت إيه دمر الشركة ودمرنا معاك؟!
أحمد اتخض ووطى يلم الورق بإيدين مرتعشة:
— في إيه يا فندم؟ إيه الورق ده؟!
دكتور طارق زعق بصوت هز المكاتب برة:
— ده إخطار بفسخ العقد الحصري من مجموعة الشناوي للاستثمارات! مش بس كده، دول طالبين استرداد الدفعات المقدمة وشرط جزائي فوري بقيمة 40 مليون جنيه عشان أخلّينا ببنود التوريد.. وفوق ده كله، البنك المركزي جمد كل حساباتنا بطلب منهم كضمان لتسديد الشيكات!
أحمد حس بدوخة، وحس إن الأرض بتلف بيه:
— مجموعة الشناوي؟! إحنا شغالين معاهم بقالنا تلات سنين وكل حاجة تمام.. هما لغوا ليه فجأة كده؟! أنا معملتش حاجة ليهم!
دكتور طارق قرب منه ومسكه من ياقة قميصه:
— الإخطار جاي بإمضاء منصور الشناوي شخصياً.. والراجل سايب رسالة واحدة مع المستشار القانوني بتاعه للشركة: “بما إنكم عينتوا شخص مش محترم كمدير عام، إحنا مبيشرفناش نتعامل مع مؤسسة بتوظف أشكال زي دي!”.. إنت هببت إيه مع عيلة الشناوي يا حشرة؟! إنت تعرف حد فيهم أصلاً؟!
أحمد عينيه وسعت، ونبضه زاد بطريقة جنونية..
الشناوي؟
الاسم ده رن في دماغه فجأة.. افتكر اسم مريم بالكامل في قسيمة الجواز: مريم منصور عبد العزيز الشناوي.
زمان لما كان يسألها عن أبوها، كانت تقوله: “أبويا اسمه منصور الشناوي.. راجل متقاعد ومش بيحب الدوشة.”
هو كان فاهم إنه متقاعد يعني عايش على معاش الحكومة! مكانش يتخيل أبداً إن “الشناوي” هو هو الحوت الأكبر في سوق الاستيراد والتجارة في مصر!
رجله ما شالتهوش، قعد على الكرسي وهو بيتصبب عرق ساقع:
— مـ.. مريم؟ لا.. مستحيل!
دكتور طارق بص له باحتقار وصدمة:
— مريم مين؟! إنت تقصد مريم مراتك؟! هي تقرب لمنصور الشناوي؟!
أحمد ملقاش صوت يرد بيه.. لقى نفسه بيجري برة المكتب، وبرة الشركة كلها، ركب عربيته وطلع تليفونه عشان يتصل بمريم..
“الرقم الذي طلبته غير متاح حالياً.”
البيت ينهار حجراً ورا حجر
في نفس الوقت، في بيت عيلة عبد السلام، كانت داليا بتجهز نفسها عشان تروح البوتيك بتاعها، وفجأة جرس الباب رن بعنف.
سعاد فتحت الباب وهي بتبرطم:
— مين اللي بيكسر الباب كده على الصبح؟!
اتفاجأت بظابط شرطة ومعاه اتنين أمناء شرطة، وراهم محضر من المحكمة.
الظابط بجمود:
— منزل السيدة داليا عبد السلام؟
داليا طلعت تجري مخضوضة:
— أيوة أنا.. في إيه يا باشا خير؟!
المحضر طلع إعلانات قضائية وسلمها للظابط:
— صادر ضدك أمر ضبط وإحضار وقرار حجز تنفيذي على محتويات البوتيك بتاعك بناءً على شيكات بنكية بدون رصيد بقيمة 650 ألف جنيه لصالح السيدة مريم منصور الشناوي، ومقدم ضدك بلاغ نصب وخيانة أمانة.
داليا صرخت:
— شيكات إيه؟! مريم دي كانت بتسددهم من حسابها كل شهر! هي كانت ضامنة ليا!
الظابط رد ببرود:
— الضامن سحب ضمانته وقدم الشيكات اللي إنتِ ماضية عليها للتنفيذ المباشر.. اتفضلي معانا بهدوء على القسم.
سعاد لطمت على خدودها وبدأت تصرخ في الشارع:
— يا فضيحتنا يا ولاد الكلب! بنتي تروح القسم؟! دي بت شحاتة وطردناها امبارح! أنا هوريها!
وقبل ما سعاد تلحق تستوعب اللي بيحصل لبنتها، كان تليفونها بيرن. ردت وهي بتصرخ، فسمعت صوت أحمد بينهج وبيصرخ بهيستيريا:
— يا ماما الحقيني! مريم طلعت بنت منصور الشناوي! الشركة طردتني وهتدبس في 40 مليون جنيه شرط جزائي وهتحبس! مريم دمرتنا يا أمي!
سعاد التليفون وقع من إيدها واتكسر على البلاط.. نفس البلاط اللي كانت الفكة لسه متطوحة عليه ومحدش شالها.
المواجهة التي لم تكتمل
الساعة اتنين الضهر..
أحمد كان واقف قدام البوابة الحديدية الضخمة لقصر منصور الشناوي في التجمع الخامس.
الأمن منعه من الدخول، وفضل واقف في الشمس والحر زي الشحاتين، هدومه مبهدلة، والكرافتة مفكوكة، وعينيه مكسورة ومليانة ذل.
بعد تلات ساعات انتظار وإلحاح، البوابة اتفتحت.
خرجت عربية مرسيدس سودا فخمة.. الإزاز اتفتح ببطء.
أحمد جرى على الشباك والدموع في عينيه:
— مريم! أرجوكي يا مريم اسمعيني! والله العظيم أمي ما كانت تقصد، وأنا كنت غبي ومصدوم ومكنتش في وعيي! مريم عشر سنين بينا متهونش عليكي! أنا بحبك والله، متخربيش بيتنا عشان شوية كلام فارغ!
بصيت له من ورا نضارتي الشمسية، وبصيت على البلاستر اللي على جبيني.
شيلت النضارة وبصيت في عينيه بنظرة هو عمره ما شافها فيا طول عشر سنين.. نظرة مفيهاش حتى غضب، كان فيها بس “قرف”.
طلعت من شنطتي ورقة ورميتها من الشباك في وشه..
نزل أحمد على الأرض ووطى عشان يلم الورقة من تحت رجليه، بالظبط زي ما أمه طلبت مني ألم الفكة امبارح.
فتح الورقة بإيدين بتترعش، لقاها صورة من محضر عدم التعرض وبلاغ النيابة بتقرير الطب الشرعي لإصابتي، وجنبها إخطار جلسة دعوى الخلع والتجريد من كل مستحقاته.
قلت له بصوت هادي ورزين، خلاه يرتجف أكتر من الزعيق:
— الفكة اللي حماتك رمتها فوق راسي امبارح كانت تمن العشر سنين اللي عشتهم معاكم.. لكن الورقة دي.. دي تمن الجرح اللي في وشي وتمن كل لحظة افتكرتوا فيها إنكم تقدروا تكسروني.
أحمد حاول يمسك إيدي من شباك العربية وهو بيترجى:
— مريم والنبي متعمليش كده.. أمي هيجيلها جلطة وداليا في الحجز وأنا مستقبلي ضاع كلياً.. اديني فرصة واحدة أصلح كل حاجة! هعملك كل اللي انتي عايزاه، هكتبلك الشقة باسمك وهطرد أمي وأختي من حياتنا خالص!
ابتسمت بسخرية ووجع:
— اللي يبيع أمه وأخته عشان ينقذ نفسه من الغرق، ميتأمنش على يوم واحد.. إنت رخيص يا أحمد، ورخصك ظهر لما افتكرت إنك بقيت فوق.
شاورت للسواق، الإزاز اتقفل في وشه، والعربية اتحركت وسابته واقف في نص الشارع، بيلم أوراقه من التراب، بينما كان صوت سرينة عربية البوليس بتقرب من مدخل الشارع، وفيها استدعاء رسمي باسمه هو شخصياً.
لكن أحمد مكنش يعرف إن لسه فيه ملف رقم 47.. الملف اللي هيفتح أبواب تانية خالص مكنش يتخيل إنها موجودة، وهيقلب حياتهم من مجرد إفلاس وقضايا… لكابوس ملوش آخر.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *