الغي ميعاد الدكتور ج2 منال علي
الجزء الاخير 👇🏼
يوم الحد الصبح، ريحة الشمس في مكتب المحامية كانت مختلفة. مكتب دور أرضي في عمارة عتيقة في جاردن سيتي، صوته هادي وصوت ورق القضايا وهو بيتقلب بيفكرك إن كل حق وراه مطالب.
قعدت قدام الأستاذة تهاني، ست وقورة، بنظارتها الطبية وسلاسلها الفضة، وبصتلها وثبتّ عيني في عينها.
— يعني إنتِ منتقية قرارك يا ندى؟ — قالتها وهي بتعدل دوسيه أحمر قدامها — مش عايزة تديله فرصة تانية؟ تلات سنين برضه مش قليلين، والطلاق مش خطوة سهلة في مجتمعنا.
— أنا عشت التلات سنين دول كأني عايشة في معسكر أوامر يا متر — رديت وأنا بسند ضهري على الكرسي الجلد — أحمد مش وحش، بس هو شايفني “مضمونة”. شايف إن ملوش مراجعة، وأمه شافت إن ماليش لسان. الشقة اللي ورثتها عن عمي دي كانت طوق النجاة اللي ربنا بعتهولي عشان أفوق.. عشان أعرف إن عندي مكان أروحله، ومستقبل ماليش فيه شريك.
هزت راسها بفهم وابتسمت ابتسامة هادية:
— تمام.. إحنا هنرفع دعوى طلاق للضرر، وبما إن الشقة ورث شرعي ليكِ، فمفيش قانون في الدنيا يديله حق يلمس طوبة فيها. جهزي نفسك، الإجراءات هتبدأ من بكرة.
لما رجعت البيت العصر، كان الجو جوه الشقة يقطع النفس.
أحمد كان قاعد في الصالة، بس المرة دي مكنش متمدد ولا ماسك الريموت. كان قاعد وضهره محني، وحماتي الست أمينة قاعدة على الكرسي الهزاز بتبرطم بوعيد وعينها بتقد شرار.
— أهو الهانم شرفت يا سيدي! — صرخت أمينة أول ما رجلي خطت العتبة — سيبالنا البيت من الصبح ولولا إني جيت عملت لقمة لابني كان زمانه قعد بجوعه! وكمان بتقفلي السكة في وش جوزك؟ هي دي الأصول اللي تربيتي عليها؟!
بصيتلها بهدوء، ومرديتش. دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا، وبدأت ألم هدومي الأساسية في شنطة كتف صغيرة.
أحمد دخل ورايا الأوضة، وشه كان مقلوب وخليط بين الغضب والذهول:
— ندى! إنتِ بتعملي إيه؟ إنتِ اتجننتي؟ إيه اللي حصلك من الصبح؟ مشوار إيه ده اللي يخليكي تقلي بأمي وتكسري كلامي؟
التفتّ ليه وشنطتي في إيدي:
— كنت بسجل ورث عمي سيد الله يرحمه في الشهر العقاري يا أحمد. الشقة الكبيرة اللي في مصر الجديدة بقت باسمي.
عينه وسعت، والكلمة لجمته ثواني:
— شقة عمك؟ وسجلتيها؟ ومن ورايا؟! إحنا مش مبيننا أسرار يا ندى! الشقة دي لازم تتأجر ونستفيد بفلوسها، أو نبيعها ونوسع على نفسنا.. أنا جوزك وليا كلمة في دخل بيتنا!
ابتسمت نفس الابتسامة الباردة اللي بقيت أملكها مؤخراً:
— لأ يا أحمد.. الشقة دي ليا أنا وبس، ومحدش له كلمة عليها غيري. وإنت مفيش بيني وبينك “بيتنا” تاني.. أنا رفعت عليك قضية طلاق للضرر النهارده، والورق هيجيلك على المحكمة.
الصدمة خلت وشه يتخطف والدم يهرب منه.
— طلاق؟! عشان قولتلك روحي مع أمي السوق؟ إنتِ بتبيعي تلات سنين جواز عشان خناقة؟
— لأ.. مش عشان خناقة — قلتها وأنا بفتح باب الأوضة وبخرج للصالة — عشان التلات سنين كلهم كانوا “أوامر ونفذ”، عشان عمري ما حسيت معاك ببرستيجي ولا بوجودي، عشان كنت شايفني حتة أثاث في بيتك تخدمك وتخدم والدتك وملكش دعوة بأي حاجة تخصني.
أمينة وقفت من على الكرسي وبوزها شبرين:
— سيبها تغور يا أحمد! دي ست مابتتمرش فيها العِشرة وطمعت لما جالها قرشين وشقة! هجوزك ست ستها تصونك وتعرف الأصول!
بصيت للست أمينة وقولت لها بكلمتين اتعلمتهم من الدنيا:
— الأصول يا طنط هي إن الواحد يصون اللي معاه وميستعبدهوش.. وأنا صنت، بس خلاص.. رصيدكم عندي بقى صفر.
بعد شهرين..
كنت قاعدة في شقتي الجديدة في مصر الجديدة.
الشمس كانت مالية الصالة الواسعة، والشبابيك الخشب البني مفتوحة على الشارع والهوا بيرد الروح.
دهنت الحيطان بألوان مبهجة، واشتريت عفش بسيط على ذوقي أنا.. مفيش فيه قطيفة تقيلة ولا خنقة من بتاعة زمان.
قعدت على الكنبة وبشرب فنجان شاي بالياسمين في هدوء تام.
مفيش صوت ماتشات شغال وعالي.. مفيش ريحة تفل قهوة بايت.. ومفيش حد بيدخل يفتش ورايا في المطبخ ولا يديني أوامر.
الموبايل رن.. كانت الأستاذة تهاني المحامية:
— مبروك يا ندى، الجلسة الأولى اتحددت وأحمد بعت محامي يحاول يتفاوض على مؤخر الصداق عشان يطلق ودي من غير شوشرة.. واضح إنه فهم إن القضية خسرانة.
— وافقي يا متر — قلتها وأنا ببص للخضرة اللي بره الشباك — أنا مش عايزة منه حاجة.. أنا خدت حريتي وصحتي، ودول عندي بالدنيا.
قفلت السكة.
قمت وقفت في البلكونة الكبيرة، وبصيت على الشارع والشجر والدنيا اللي بتتحرك في منتهى الجمال.
افتكرت تلات سنين فاتوا من عمري، وافتكرت كلمة “عشان الأصول” اللي كانت بتكتفني وتخليني أجي على نفسي..
لكن المرة دي، وأنا باخد نفس عميق والهوا النضيف بيملا صدري، ابتسمت من كل قلبي وقولت لنفسي في السر:
الحرية غالية.. والمرة دي، أنا اللي هعيش حياتي، وبشروطي أنا.. وعشان أصولي أنا وبس!
تمت