ابني قالي انى مليش مكان
وصلت المنصورة مع أول ضوء الفجر. الهواء كان نقي وبرد الخريف صحصحني. طلعت المفتاح القديم من شنطتي، وفتح باب شقة أختي الله يرحمها. الشقة كانت متربة وريحتها مقفولة، بس بالنسبة لي كانت أحصن قلعة في العالم. فتحت الشباك وخليت الشمس تدخل، وحطيت صورة حسن على الترابيزة
الصغيرة جنب السرير.
الصباح المرتقب في القاهرة
الساعة 9 الصبح بالظبط، كان كريم ونيرمين واقفين قدام باب أوضتي في القاهرة ومعاهم ورقة دخول دار الرعاية، ومعاهم مسؤول إداري من الدار.
كريم خبط على الباب مرتين وقال بصوت بارد:
— يلا يا ماما، اصحي عشان رايحين مشوار مهم.
مفيش رد.
فتح الباب بعنف، وبص جوه لقى الأوضة فاضية تمامًا! السرير مرتب، والشنطة مش موجودة، وريحة البرفان القديم بتاع حسن هي الحاجة الوحيدة الباقية.
نيرمين صرخت بصوت عالي:
— راحت فين؟! شنطتها مش موجودة!
كريم فتح الدولاب لقى ظرف صغير محطوط في نصه، وفيه ورقة مكتوب عليها بخط إيدي:
”يا كريم… العصفور اللي ربيته على إيدك، طلع بيعرف يطير كويس. شكراً إنك وفرت عليا تعب التفكير في إزاي أمشي. شقة المنصورة باسمي، وحساب البنك قافلاه من على التليفون من وأنا في القطر. أما المليون و600 ألف جنيه اللي خدتهم… فاعتبرهم تمن إيجار السنين اللي فاتت اللي عرفت فيهم حقيقتك وحقيقة مراتك. مع السلامة يا ابني.”
كريم اتقبض
على صدره. بص لنيرمين وفاق أخيرًا على الكارثة: الشقة الجديدة اللي دفعوا فيها مقدم كبير، القسط الأخير بتاعها مستحق بكرة، ومافيش في حسابهم مليم واحد بعد ما صرفوا كل فلوسهم على المظاهرات والمصايف، وكانوا حاطين عينهم على فلوس سعاد عشان يسدّدوا الديون!
الضربة التي قاضت الحسابات
في المنصورة، كنت قاعدة على الكنبة شاربة كوباية شاي بالنعناع، وموبايلي رن.
كان رقم كريم.
سيبه يترن لحد ما فصل، وبعدين رن تاني. فتحت الخط، وسمعت صوته مكسور وبيهتز وبيقول بصوت مرعوب:
— م… ماما؟ إنتِ فين؟! ارجعي، نيرمين كانت تلاقيه هزار، إحنا… إحنا بنموت من غيرك، والبنك… البنك رافض القرض!
بصيت لصورة حسن بهدوء، وقلت بصوت قوي وثابت لأول مرة من سنين:
— البقاء لله يا كريم… في أمك القديمة اللي ماتت امبارح. أما الشقة والفلوس، فالقانون بيننا وبين المحاكم هيعرف يظبطها صح.