اتجوزت تاني
اتجوزت تاني بعد ما قضيت عشر سنين أرملة لكن في نص فرحي، أهل جوزي المتوفي ظهروا ومعاهم فرخة حية.
حماتي القديمة حطتها في حضني، وقربت من ودني وقالتلي بصوت واطي
هو كان عايزني أديهالك.
ما رديتش عليها.
بس أخدت سلة البيض اللي كانت جايباها، وبدأت أقلب فيها
ولقيت جواب مكتوب بخط إيد جوزي قبل ما يموت.
لو إنتِ مصممة تتجوزي تاني يا رب جوزك الجديد يطلع زيّه.
قالتها حماتي القديمة وهي بتحط فرخة بيضا حية في حضني، وسط فرحي، قدام كل المعازيم.
أنا اسمي مريم، عندي تسعة وتلاتين سنة، وكنت أرملة بقالِي عشر سنين.
اليوم ده كان المفروض يبقى أسعد يوم في حياتي.
كنت لسه متجوزة أحمد، راجل محترم وهادي، عمره ما حاول ينافس ذكرى جوزي الأول، ولا مرة حسسني إني غلطانة عشان حبيت بعده.
كنت فاكرة إني أخيرًا قفلت صفحة وجع قديمة، وبدأت أعيش من جديد.
الفرح كان في قاعة كبيرة في كفر الشيخ، والناس كلها كانت مبسوطة، والزغاريد مالية المكان.
وفجأة
باب القاعة اتفتح.
دخلت حماتي القديمة، الحاجة سعاد، ومعاها بنتين من بناتها وابن أخوها.
مفيش ورد.
مفيش هدية.
ولا حتى ظرف فلوس زي أي حد جاي يبارك للعروسين.
الحاجة سعاد كانت شايلة سلة كبيرة مليانة بيض.
وابن أخوها كان ماسك فرخة بيضا بتكاكي بأعلى صوتها، كأنها هي كمان مستغربة إيه اللي جابها الفرح!
في الأول ضحكت.
افتكرت إنهم جايين يعملوا حركة غريبة وخلاص.
لكن الضحكة اختفت من على وشي أول ما الحاجة سعاد قربت مني.
مدت إيدها وحطت الفرخة في حضني.
وبعدين قربت من ودني وقالت
لو إنتِ فعلًا هتتجوزي تاني يا رب تلاقي نفسك في الآخر بقيتي زيه.
بصيتلها وأنا مش فاهمة.
قصدك إيه؟
بصت لأحمد جوزي الجديد، وبعدين رجعت بصتلي.
وشها كان غريب لا فيه فرحة ولا زعل.
كان فيه حاجة أقرب للخوف.
وقالت
يوم ما تعرفي الحقيقة هتفهمي أنا قصدي إيه.
وبعدين لفت وخرجت.
هي واللي معاها.
من غير ما يقعدوا حتى يشربوا حاجة.
ولا كأنهم كانوا في فرح ابنهم اللي مات من عشر سنين.
فضلت واقفة مكاني وأنا ماسكة الفرخة، والناس حواليّا مش عارفة تضحك ولا تسكت.
أحمد قرب مني وقال
سيبيها عليا متخليش الحركة دي تبوظ يومنا.
هزيت راسي وابتسمت بالعافية.
لكن جوايا كان فيه إحساس مش مريح.
أنا كنت عارفة الحاجة سعاد كويس.
كانت ست درامية، آه.
وعندها أسلوب غريب في الكلام.
لكن عمرها ما عملت حاجة من غير سبب.
بعد ما الفرح خلص وروحنا البيت، حطيت الفرخة في حتة مقفولة في الحوش لحد ما أشوف هعمل معاها إيه.
وبعدين حطيت سلة البيض على ترابيزة المطبخ.
وأنا برتب البيض، إيدي خبطت في حاجة ناشفة تحت القش.
وقفت.
رفعت البيض كله.
شلت القش بإيدي.
لقيت ظرف قديم، لونه مصفر من الزمن.
وعليه اسمي.
مريم.
إيدي بدأت ترتعش.
لأني عرفت الخط فورًا.
خط أحمد الأول.
جوزي اللي مات من عشر سنين.
قعدت على الكرسي وأنا مش قادرة آخد نفسي.
أحمد مات في حادثة عربية وهو راجع من مشوار شغل.
على الأقل ده اللي اتقال لي وقتها.
فتحت الظرف.
وأول سطر كان
لو إنتِ بتقري الجواب ده، يبقى أخيرًا قررتي تكملي حياتك.
حسيت إن قلبي اتقبض.
قعدت أقرأ وأنا بعيط.
كان كاتب إنه مش عايزني أعيش باقي عمري أسيرة للذنب.
وإن لو في يوم حبيت راجل تاني، ما اعتبرش ده خيانة ليه.
كان عايزني أعيش.
أعيش بجد.
مش أفضل أرملة طول عمري لمجرد إن ذكراه لسه موجودة.
الكلام ده كسرني.
بس وأنا بقلب الصفحة
اتغير كل شيء.
كتب
في حاجة محدش قالهالك عن آخر كام أسبوع في حياتي.
وقفت عن القراءة.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
وكمل
لو أنا مت، ممكن ناس تقولك حكاية بسيطة عن اللي حصل، عشان يحموا نفسهم أو عشان يحمُوكي. متصدقيش أي تفسير لمجرد إن اللي بيقولهولك شخص بتحبيه.
اتجمدت مكاني.
قعدت أقرأ السطر ده كذا مرة.
ناس.
مش شخص.
ناس.
يعني أحمد كان عارف إن في أكتر من حد مخبي عني حاجة.
نزلت عيني لآخر الجواب.
وكان فيه سطر واحد خلاني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي
دوري على المفتاح.
وتحته مباشرة
ومتسأليش أهلي عنه هما عارفين أكتر مما يقولوا.
قلبي وقع.
رجعت لسلة البيض.
قعدت أقلب فيها حتة حتة.
لحد ما لقيت القماش اللي مبطّن السلة من تحت.
كان فيه جزء متخيط بطريقة غريبة.
مسكت المقص وفتحته.
وقعت في إيدي كيس قماش صغير.
فتحته.
جواه مفتاح نحاس قديم.
وعليه علامة دائرية سودا.
أول ما شوفته، افتكرت حاجة من عشر سنين.
دولاب أحمد.
كان عنده صندوق حديد صغير، دايمًا مخبيه في آخر الدولاب.
مرة سألته عنه.
ضحك وقال
حاجات شغل يا مريم ملهاش لازمة عندك.
ما حاولتش أفتحه وقتها.
بس العلامة اللي على المفتاح
كانت نفس العلامة اللي محفورة على الصندوق.
مسكت موبايلي فورًا.
كان لازم أكلم حد.
حد يعرف أحمد قبل ما يموت.
لقيت رقم صاحبه القديم، محمود.
اتصلت.
أول ما سمع صوتي قال
مريم؟
أيوه.
خير؟
قلتله
لقيت مفتاح.
سكت.
مفتاح إيه؟
وصفتله العلامة.
ثواني من الصمت عدوا كأنهم دقايق.
وبعدين سألني بصوت اتغير فجأة
مين اللي اداكي المفتاح ده؟
أهل أحمد.
سمعت نفس طويل من الناحية التانية.
وبعدين قال
يا مريم كده حد قرر يكسر وعد بقاله عشر سنين.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
وعد إيه؟
محمود ما ردش.
قلت
محمود، أنا بسألك وعد إيه؟
قال بصوت واطي
مش هينفع أتكلم في التليفون.
طب نتقابل.
أيوه.
إمتى؟
بكرة الصبح.
وقبل ما أقفل، سمعته بيقول
ومريم
نعم؟
متوريش المفتاح لأي حد.
سكت لحظة.
وبعدين قال
خصوصًا جوزك الجديد.
وقفل.
فضلت ماسكة الموبايل وأنا باصة قدامي.
في اللحظة دي فهمت إن الفرخة اللي حطتها حماتي القديمة في حضني ما كانتش إهانة.
وسلة البيض ما كانتش هدية غريبة.
والجواب
ما كانش مجرد رسالة من راجل مات من عشر سنين.
كان رسالة اتخبّت