رجعت من السفر بعد سنتين
رجعت من السفر بعد سنتين شغل، وأنا متشوق أشوف مراتي وأمي لكن أول جملة سمعتها وأنا واقف قدام باب الشقة خلت حياتي كلها ټنهار.
لفّيت مفتاح الشقة في الكالون، لكن الباب اتفتح لوحده.
استغربت.
أنا راجع من سفر بعد سنتين شغل متواصل، وجايب شنط مليانة هدايا لمراتي وأمي.
كنت متخيل أول ما أدخل هيفرحوا بيا.
لكن قبل ما أخطي خطوة جوه
سمعت صوت مراتي.
صوتها كان حاد وبارد بطريقة عمري ما سمعتها بيها.
قالت
يلا أسرع شوية ولا هو الكبر خلاكي حتى مش عارفة تمسحي الأرض؟
وبعدها سمعت صوت أمي
كان صوتها مكسور.
قالت وهي بتنهج
إيدي وجعتني يا سارة المية سقعة أوي.
وقفت مكاني.
حسيت إن رجلي اتثبتت في الأرض.
ريحة الكلور كانت مالية الشقة.
بصيت من آخر الطرقة
ولقيت أمي.
ست عندها 62 سنة.
راكعة على ركبها.
وماسكة فرشة صغيرة، وبتدعك الأرض بإيديها.
هدومها قديمة.
شعرها منكوش.
وركبها كلها محمرة.
أما مراتي
فكانت واقفة فوق دماغها، ماسكة مج قهوة، وبتتفرج عليها بكل برود.
في اللحظة دي فهمت
إن ده مش موقف حصل مرة.
ده روتين يومي.
وقعت مفاتيحي من إيدي.
الصوت دوّى في الشقة.
مراتي اتلفتت بسرعة.
أول ما شافتني
وشها اصفر.
لكن بعد ثانية واحدة بس
رجعت ابتسامتها.
وجريت عليا وهي بتقول
حبيبي! إنت جيت بدري ليه؟ كنت هتفاجئنا؟
وبعدين أشارت ناحية أمي وقالت
أنا بس كنت بساعدها تعمل شوية تمارين عشان ضهرها.
بصيت لأمي.
ماكنتش حتى قادرة ترفع عينيها.
فضلت تدعك في الأرض وهي بترتعش.
جريت عليها.
خدت الفرشة من إيديها.
ولما مسكت كفها
اتفاجئت.
إيديها كلها كانت مچروحة.
ومتورمة.
وفيها كدمات قديمة.
قلت لها
ماما بصيلي.
من إمتى ده بيحصل؟
بصت ناحية سارة پخوف.
وقالت بصوت واطي
متسألش يا ابني ادخل أوضتك بس.
مراتي قربت مني.
وبصتلي وهي مبتسمة.
وقالت بهدوء غريب
لو مكانك مش هسأل دلوقتي.
استغربت.
قالت وهي بتهمس في ودني
افتح تطبيق البنك الأول وبعدها ابقى احكم.
طلعت موبايلي بسرعة.
فتحت حسابي.
وفي اللحظة دي
الډم جمد في عروقي.
كل تحويش عمري
اختفى.
أكتر من سنتين شغل بره مصر
ماكانش فاضل منهم غير كام جنيه.
لسه بحاول أستوعب.
وفجأة لقيت تحويل أخير معمول من أسبوع واحد بس.
المستفيد
كان باسم مراتي.
لكن اللي خلاني أحس إن الأرض بتتهز تحت رجلي
إن سبب التحويل كان مكتوب قدامه
شراء شقة باسم سارة.
رفعت عيني أبصلها.
قلت
إنتِ اشتريتي شقة بفلوسي؟
ابتسمت.
وقالت بمنتهى البرود
مش أنا
إحنا.
في اللحظة دي
أمي لأول مرة رفعت راسها.
وقالت وهي بټعيط
متصدقهاش يا ابني
الشقة دي
مش باسمها لوحدها.
سكتت ثواني.
وبعدين قالت الجملة اللي قلبت الدنيا
هي باسمها واسم أخوك كمان.
اتجمدت.
أنا ماليش أخ.
لفيت أبص لأمي.
قلت
إنتِ بتقولي إيه؟
بصت ناحية سارة.
وسارة
لأول مرة
ابتسامتها اختفت.
اتجمدت مكاني كأنما روحي سابت جسمي، وكل كلمة سمعتها من أمي كانت كالسکين اللي بيقطع في أحشائي شوية بشوية. قلت لها بصوت متهدج ومش مصدق اللي بيسمعه
أنا ماليش أخ يا ماما إنتِ تعبانة ولا إيه؟ ولا ده اللي خلاكي تخافي وتقولي كلام مش فاهماه؟
سارة كانت واقفة جنبي، وابتسامتها اللي كانت بتتقنع بيها كل حاجة اختفت تماماً، وبدلها ظهر نظرة قاسېة ما شفتها عليها في كل السنين اللي عرفتها فيها. قالت بصوت عالٍ ومش عابرة
خلاص بقى كلام فاضي! إنتِ عجوز ومش عارفة بتقولي إيه يا ست الكل! وبعدين يا حبيبي، فلوسك دي مش كانت هنا تضيع ولا إيه؟ كنت هسيبها تتآكل من التضخم ولا إيه؟ اشتريت شقة لينا كلنا، وأخوك ده ده ابن عمي اللي كنت برعاه من صغره، وقلت نعمله معاه خير!
بصيت لها بعينين مفتوحتين ومش قادر أصدق هذا الكلام
ابن عمك؟ وماله حق ياخد نص شقة اشتريتها بعرقي وتعبي وسفرتي؟ وماله علاقة بي أصلاً؟ وكل ده وانتِ بټعذبي أمي كل يوم تحت عيني؟
أمي كانت لسه راكعة على الأرض، ودموعها بتسيل على خدودها وهي بتقول
مش ابن عمها يا ابني مش كده هو ابنها وابن عمك في نفس الوقت اللي كنت خبيته