خسر شغله عشان عجوزه

أحمد اعترض
يا بنتي!
بيتحرق أوي.
حسنية ضحكت من قلبها.
ولثواني، الجو كله اتغير.
لكن فجأة
بييييب!
صوت إنذار عالي قطع الكلام.
لمبة حمرا بدأت تومض فوق تلاجة العرض اللي فيها الحلويات واللبن والمنتجات اللي محتاجة تبريد.
سلوى جريت وطفت الإنذار بسرعة.
لكن أحمد كان بص للتلاجة.
قرب منها.
بص على الشاشة.
الحرارة تمانية وتسعين فهرنهايت؟
سلوى ردت بسرعة
أكيد الباب اتساب مفتوح.
أحمد هز راسه.
لأ.
قرب أكتر.
سمع صوت الموتور.
وبص تحت التلاجة.
كان فيه مية متكثفة.
التلاجة فيها عطل.
سلوى بصت له من فوق لتحت.
كانت هدومه بسيطة، وجاكيت قديم باين عليه إنه بتاع شغل توصيل.
وإنت عرفت منين؟
أحمد رد بهدوء
أنا اشتغلت في صيانة التبريد التجاري تلاتاشر سنة.
سلوى اتفاجئت.
اشتغلت؟
الكلمة لوحدها كانت كفاية.
أحمد فهم المعنى.
الناس أول ما تشوفه دلوقتي بتشوف عامل توصيل.
ومحدش بيفكر يسأل هو كان مين قبل كده.
قال
لازم تقيسوا درجة حرارة الأكل بنفسكم. لو المنتجات دي بقالها وقت طويل على الدرجة دي، ما ينفعش تتقدم للزبائن.
سلوى ردت
عندنا إجراءات يا أستاذ.
أحمد قال
يبقى طبقوا الإجراءات.
بنت صغيرة من العاملين اسمها سارة دخلت في الكلام
أنا ممكن أقيس اللبن.
سلوى تنهدت.
ماشي، قيسي.
سارة جابت الترمومتر وحطته في عبوة اللبن.
استنت.
بصت للشاشة.
وشها اتغير.
تمانية وأربعين.

المكان كله سكت.
أحمد قام من مكانه.
كل حاجة قابلة للتلف تتحط فورًا في التلاجة الرئيسية. وسجلوا الساعة ودرجة الحرارة.
بص لسلوى.
ومحدش يقدم أي حاجة من التلاجة دي لحد
لمحة نيوز

ما فني صيانة يكشف عليها.
في نفس اللحظة، الإنذار اشتغل تاني.
بييييب!
وش سلوى اصفر.
العاملين بدأوا يطلعوا المنتجات بسرعة.
وحسنية كانت بتبص لأحمد باهتمام شديد.
قالت له
إنت كنت عارف العطل من أول ما سمعت الصوت؟
أحمد هز راسه.
لأ.
أمال عرفت إن فيه مشكلة إزاي؟
ابتسم.
لما الإنذار يضرب، ما ينفعش نخمن. لازم نوقف ونراجع.
وسكت لحظة.
الإنذار معمول عشان يحذرك مش عشان يخليك تألف إجابة.
حسنية فضلت باصة له.
كأن الجملة دي علقت في دماغها.
وفي اللحظة دي، باب الكافيه اتفتح بعنف.
دخل راجل لابس بدلة غامقة، ووشه عليه علامات القلق.
أول ما شاف حسنية، أخد نفس طويل براحة.
يا مدام حسنية! أنا بدور عليكي من الصبح!
سلوى اتجمدت مكانها.
بصت للراجل.
وبعدين لحسنية.
وبعدين عينها وقعت على صورة قديمة معلقة جنب الكاشير.
صورة لست شابة واقفة جنب رجل في التلاتينات قدام أول فرع من سلسلة سوبر ماركت ضخمة.
وتحت الصورة مكتوب
حسنية وعبد الرحمن البدري مؤسسا مجموعة البدري.
الكافيه نفسه كان تابع لمجموعة البدري.
وحسنية
كانت المالكة الفعلية للمجموعة.
الست اللي سلوى كانت من شوية بتطلب منها تسيب المكان
كانت من الناس اللي توقّع بشكل غير مباشر على مرتبات العاملين في المبنى كله.
سلوى قربت منها بسرعة.
يا مدام حسنية والله أنا ما كنتش أعرف حضرتك مين.
حسنية لمست الكوفية الصفراء اللي لسه نور كانت
مديها لها.
وقالت بهدوء
ودي كانت المشكلة.
سلوى سكتت.
حسنية بصت حوالين المكان.
كام واحد عاملتوه بالطريقة دي عشان افتكرتوا إنه مش معاه فلوس؟
سلوى فتحت بوقها.
لكن مفيش كلمة خرجت.
أحمد كان في الوقت ده بيجمع الأطباق.
حسنية نادته.
يا أستاذ أحمد معاك كارت؟
أحمد طلع كارت صغير من جيبه ومده لها.
كان مكتوب عليه
أحمد منصور
صيانة وإصلاح معدات التبريد
حسنية قرأت الاسم.
وفجأة
ملامح وشها اتغيرت.
تغير بسيط جدًا.
كأن اسم أحمد منصور حرّك حاجة قديمة كانت مدفونة في ذاكرتها.
بعد كام ساعة
كانت حسنية قاعدة في عربيتها، والكوفية الصفراء لسه على كتفها.
طلعت موبايلها واتصلت بمديرة الشؤون القانونية في الشركة.
عايزاكي تبحثي لي عن شخص.
مين يا مدام حسنية؟
بصت للكارت اللي في إيدها.
أحمد منصور.
بعد ساعتين بس
تليفونها رن.
ردت.
أيوه؟
جالها صوت مديرة الشؤون القانونية
مدام حسنية لقينا حاجة.
حسنية اعتدلت في قعدتها.
إيه؟
أحمد منصور اشتغل عندنا تلاتاشر سنة.
حسنية عقدت حواجبها.
طيب ليه مشي؟
سكت الطرف التاني ثواني.
هو ما مشيش.
حسنية اتجمدت.
أمال؟
اتفصل.
مين اللي فصله؟
جاء الرد
وكان كفيل إنه يغير كل حاجة.
ابن أخو حضرتك ياسر البدري.
حسنية ضغطت بإيدها على الكوفية الصفراء.
ياسر البدري
كان هو نفسه اللي على بُعد أيام من إنه يمسك منصب المدير العام لمجموعة البدري كلها.
لكن حسنية لم
تكن تعرف أن قرار فصل أحمد لم يكن مجرد ظلم عادي
وأن وراءه سرًا قديمًا يمكن أن يهز إمبراطورية كاملة.
مرّت ثلاثة أيام على الواقعة في البيت الدمشقي.
خلال تلك الأيام، كانت عجلة الزمن تدور بسرعة مذهلة داخل إمبراطورية البدري. حسنية لم تقل كلمة واحدة لياسر ابن أخوها، تركته يتحرك بكامل ثقته نحو اجتماع مجلس الإدارة الحاسم، وهو الاجتماع الذي كان مقرراً له أن يُعقد لتنصيبه رسمياً رديراً عاماً ومسيطرًا مطلقاً على المجموعة بفضل توقيعات الأغلبية التي جمعها بالضغط والمجاماملات.
في المقابل، كان أحمد يصارع يومه كالمعتاد.
صحا من الصباح الباكر، أوصل نور إلى المدرسة، ثم تلقى اتصالاً غريباً من شركة تجارية كبرى تطلب منه بشكل عاجل صيانة نظام التبريد المركزي في المقر الرئيسي لمجموعة البدري، مع إصرار شديد على أن يكون هو الفني بنفسه نظراً لخبرته القديمة التي تم تداولها في السوق.
رغم تردده، وافق. كان بحاجة ماسة للمقابل المادي لدفع متأخرات الإيجار.
في قاعة الاجتماعات الكبرى
كان الطابق الأخير من برج البدري يعج برجال الأعمال والصحافة المصغرة والمستثمرين.
ياسر البدري، ببدلته الأنيقة وساعته الباهظة، كان يقف على المنصة يلقي كلمة الحفل والترشيح، بينما تجلس عمته حسنية في صدر الطاولة، مرتدية بالطوها الأسود الأنيق، وهادئة بشكل مرعب.
في نفس اللحظة، كان أحمد يرتدي ملابس
العمل الزرقاء، ويحمل حقيبة عدته، يدخل من مدخل الخدمة إلى غرفة التحكم الخاصة بأنظمة التبريد في البدروم، ليفاجأ بوجود عطل مصطنع في اللوحة الرئيسية. عطل خبيث لا يحدث صدفة، بل يبدو كأنه تم العبث به متعمداً، تماماً مثلما كان يحدث في الماضي.
وقف أحمد أمام الأسلاك المعقدة، وذكريات تلاتاشر سنة قضاها في هذا المكان تتسابق في عقده. تذكر يوم تم اتهامه باطلاً بالإهمال في صيانة تلاجات المخازن الكبرى، وهو القرار الذي وقعه ياسر البدري بنفسه للإطاحة به وتغطية خسائر صفقات مشبوهة أبرمها ياسر من وراء ظهر الشركة.
تذكر نظرة الخذلان يومها، وكيف طُرد دون حتى فرصة للدفاع عن نفسه.
وفي الطابق العلوي، وصل الاجتماع إلى ذروته.
وقف ممثل الشؤون القانونية ليعلن
والآن، يُرجى من السيد ياسر البدري التوقيع على اعتماد الميزانية النهائية والتفويض الإداري الكامل…
قبل أن يلمس ياسر القلم، انفتح باب القاعة بقوة.
لم يكن الحارس، ولم يكن موظف أمن، بل دخلت حسنيّة البدري وهي تحمل في يدها ملفاً جلدياً قديماً، وبجانبها شخص لم يتوقعه ياسر أبداً.
دخل أحمد منصور، بملابسه المهنية البسيطة، ممسكاً بلوحة تحكم صغيرة من غرفة التبريد، وعلى وجهه ابتسامة هادئة وثابتة.
شحب وجه ياسر. وقف مرتجفاً.
عمتي… إيه اللي بيحصل هنا؟ ومين جاب العامل ده؟
حسنيّة وقفت، واتجهت ببطء نحو المنصة. صوت كعب حذائها
كان يطرق الأرضية برخامة.
ده مش مجرد عامل يا ياسر، ده الشاهد الحي على أول جريمة سرقة وإهمال ارتكبتها في حق

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *