حصاله ازاز ج٢ منى السيد
الجزء الثالث: اللعب على المكشوف
صوت سرينة البوكس وهي بتقف ورا أحمد في نص شارع التسعين كان كفيل يخليه يفرمل مكانه ويتصلب زي الصنم.
العربية المرسيدس بتاعتي مشيت ورمت وراها غبار ناعم غطى جزمته الملمعة اللي كان نازل بيها الصبح فرحان برتبة المدير العام.
نزل أمين الشرطة، ومعاه ظابط شاب بنضارة شمس وبص في الورقة اللي في إيده:
— أحمد عبد السلام؟
أحمد بلع ريقه بصعوبة، وصوته طلع مهزوز ومكتوم:
— أيوة يا باشا.. في إيه تاني؟ أنا لسه واقف قدام فيلا حمايا.. قصدي المستشار منصور الشناوي!
الظابط ضحك باستهزاء وهو بيمسك كتفه:
— حماك مين يا عم الحبيب؟ ده البلاغ متقدم منه شخصياً ومن محامين مجموعته.. مطلوب القبض عليك بتهمة خيانة الأمانة، والاستيلاء على مستندات رسمية، وتسهيل الاستيلاء على أموال شركة خاصة تابعة لمجموعة الشناوي.. اتفضل معانا من غير شوشرة في الشارع.
الكلبشات حديدها كان ساقع لما قفلت على معصمه.
في اللحظة دي، أحمد حس إن الهوا اتسحب من صدره. الناس اللي في العربيات التانية بدأت تبص عليه وتصور بالموبايلات.. المدير العام اللي لسه مكملش 48 ساعة في منصبه، بقى متكلبش على الرصيف زي أي مجرم مسجل.
في مكتب المستشار فريد — الساعة الخامسة مساءً
كنت قاعدة في المكتب الفخم في الدور الأربعين ببرج الشناوي على النيل، حاطة رجل على رجل وبشرب قهوتي المظبوطة. الجرح اللي في جبيني كان لسه محمي، بس الوجع اللي كان في قلبي بدأ يتحول لجليد وبرود تام.
بابا كان قاعد ورا مكتبه الأبنوس الضخم، وجنبه المستشار فريد بيراجع أوراق الملف رقم 47.
المستشار فريد رفع راسه وبص لبابا وهو مبتسم بخبث:
— ده صيد ثمين يا فندم.. الأستاذ أحمد مكنش بس مدير غبي ومغرور، ده كان طماع ومتهور كمان. كل حركة اختلاس وكل فاتورة مضروبة عملها في فرع العاشر من رمضان باسم الشركة مسجلة هنا بالتواريخ وأرقام الحسابات السرية اللي كان بيحول عليها لاسم أخته سعاد داليا.
بابا بصلّي بهدوء وقال:
— مريم.. كنتِ عارفة بده كله من إمتى؟ وساكتة ليه طول الفترة دي؟
اتنهدت وحطيت فنجان القهوة على الترابيزة:
— من سنتين يا بابا. لما بدأ يطلب مني أراجعله الحسابات في البيت بحجة إنه تعبان ومش ملاحق، اكتشفت إنه بيعمل فواتير وهمية لتوريد شحنات كاوتش وزيوت لشركات تانية، وبياخد الفرق في حسابه الخاص. كنت بحذره بطريقة غير مباشرة، بس كان فاكرني ست غبية ماليش في التجارة ولا بفهم في الحسابات.. سيبته يغرق في طمعه وجمعت كل إيصال، عشان يوم ما يغدر، ميبقاش ليه قومة.
بابا ابتسم بفخر:
— بنت منصور الشناوي بجد.. مش بس وجعتيهم في كرامتهم، إنتِ قطعتي عرق ونسفتي دمهم بالقانون. ودلوقتي.. الخطوة الجاية إيه؟
رديت بثقة:
— الخطوة الجاية هي “الست سعاد”.. اللي رمت عليا الفكة وقالتلي ده تمنك. عايزة أوريها تمن ابنها وتمن بنتها لما يتحطوا في الميزان هيساووا كام بالظبط.
في حجز قسم التجمع — ليلة السقوط
الحجز كان مليان ناس، ريحة الدخان والعرق والخنقة ملت المكان.
أحمد كان قاعد في ركن على الأرض، ساند ضهره على الحيطة المرشحة مية، لابس قميصه اللي اتقطعت زرايره وضاعت كرافتته الغالية. عيونه كانت حمرا من كتر العياط والزهول.
وفجأة، اتفتح باب الحجز ونده العسكري:
— أحمد عبد السلام.. زيارة محامي!