بنت الخدامه
لمحة نيوز
بصيت لها.
نور؟
هزت راسها.
أيوه.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
هي اللي قالتلي أخبيه وأحافظ عليه مهما حصل.
بصيت للشريط اللي في إيدي.
وبعدين بصيت لها.
وتفضلي مخبياه تمن سنين؟
نزلت عينيها للأرض.
حاولت أديهولك بعد الدفنة.
حسام اتحرك في كرسيه حركة صغيرة.
منى شافته.
وأنا شفتها وهي بتبص له.
ساعتها حسيت إن فيه حاجة أكبر بكتير من مجرد حادثة قديمة.
قلت لها بهدوء
مين اللي منعك؟
منى بلعت ريقها.
إيديها كانت بتترعش.
وبعد ثواني طويلة
رفعت عينيها.
وبصت مباشرةً ناحية حسام.
الفصل الأخير الحقيقة تحت أضواء الكريستال
الصوت الوحيد الذي كان يُسمع في غرفة الطعام الكبيرة هو صوت طنين ثريات الكريستال وهدير المكيفات الخافت، بينما عيون الثلاثة والعشرين فرداً الملتفين حول السفرة كانت متسمرة بين يدَيّ المرتجفتين اللتين تحملان شريط الفيديو، وبين وجه حسام الذي
بدأ عرق بارد يتجمع على جبينه.
شريف مدّ يده ببطء على الطاولة، محاولاً الحفاظ على هدوء مزيف، وقال بصوت خشن ياسر، اعقل… البيت ده كله والشركات والمجموعة قايمة بينا إحنا التلاتة. هدم اللي بنيناه ده معناه خراب بيوتنا كلنا. اسمع مني، ارمِ الشريط ده في الزبالة، وكل واحد يروح لحاله، واعتبر إن الليلادي محصلش فيها حاجة.
لكنني لم أجب. كنت أنظر إلى حسام الذي وقف فجأة، محاولاً الانسحاب بهدوء نحو باب المطبخ، لكن عماد مدير البيت والعقارات قطع عليه الطريق بكتفه العريض، وعيناه مشتعلتان بنظرة شك مزيوجة بالرعب. عماد لم يكن يعلم بكل التفاصيل، لكنه في تلك اللحظة أدرك أن السجلات المزورة التي وقّع عليها قبل ثماني سنوات ستجعله الكبش الفداء الوحيد.
صرخ عماد بصوت حاد اقعد مكانك يا حسام! إنت اللي جيتني ليلة الحادثة بتقرير الكاميرات المضروب وقلت لي إن ده أمر من ياسر بيه شخصياً عشان نستر على فضيحة عائلية!
التفتُّ بسرعة إلى عماد، ثم إلى حسام الذي شحب وجهه تماماً وانسحب إلى خلف كرسيه، مردداً بصوت مرتعش أنا… أنا كنت بحمي العيلة! إنتوا مش فاهمين حاجة! نور ما كانتش ملوّثة بال alcohol ولا حاجة، بس هي كشفت اللي بيحصل في حسابات الشركة السرية! كشفت الصفقات المشبوهة اللي حسام وشريف كانوا بيديروها من وراء ظهر أبويا الله يرحمه!
هنا تدخّلت منى بصوت مبحوح وهي تقترب خطوتين من الطاولة يوم الحادثة بالليل… كنت بنظف الصالة الخلفية. سمعت صوت خناقة عالية في مكتب ياسر بيه. دخلت بالصدفة ولقيت الأنسة نور واقعة على الأرض، وحسام واقف فوقها ومعاه الشريط ده، وكان بيقول لشريف لو ما نزلتش بالعربية وخلصت منها، الفضيحة هتهدنا كلنا. نور ما ماتتش في الطريق يا ياسر بيه… نور اتصفت هنا، في البيت ده، واتنقلت عربيتها بعد كده عشان تترمي في الترعة وتتباع قصة الحادثة للناس!
ساد صمت مميت في الغرفة.
شريف فقد أعصابه تماماً، وهجم فجأة باتجاهي محاولاً خطف الشريط من يدي، لكن عماد كان أقصر وصلاً، فلكزه بقوة أسقطه على كرسي السفرة وسط تحطيم بعض كاسات الكريستال التي تناثرت شظاياها على الأرض.
رفعت الشريط بيدي اليمنى، ونظرت إلى شريف وحسام اللذين كانا يلهثان كالوحوش المحاصرة، ثم نظرت إلى سارة الصغيرة التي كانت تختبئ خلف فستان أمها بعيون عريضة مليئة بالبراءة والخوف.
قلت بصوت هادئ، لكنه كان يحمل برودة الجليد العشاء انتهى يا جماعة.
الخاتمة
بعد ساعة واحدة فقط، كانت سيارات الشرطة تملأ باحة القصر الكبيرة. الأضواء الزرقاء والحمراء انعكست على جدران الرخام الفاخر، بينما كان شريف وحسام يُقتادان في الأصفاد، وعماد ينهار بالاعتراف الكامل أمام ضباط المباحث، مقدماً المستندات التي تثبت تورطهما في التلاعب بسجلات كاميرات المراقبة وتزوير تقارير التحقيقات قبل ثماني سنوات.
وقفتُ على عتبة الباب الأمامي، أنظر إلى السماء الصافية. الهواء كان نقياً وبارداً، أشبه بليل تلك الليلة المشؤومة.
نزلتُ إلى الردهة حيث كانت منى تقف بهدوء وهي تحمل ابنتها سارة النائمة على كتفها. وضعتُ يدي في جيب معطفي، ثم أخرجت الولاعة الفضية نفس الولاعة التي سقط بجانبها شريط الفيديو قبل قليل وأشعلتها لثوانٍ معدودة قبل أن أغلقها.
التفتُّ إلى منى وقلت بصوت حنون، وللمرة الأولى منذ ثماني سنوات أشعر أن جزءاً من روحي بدأ يعود لمكانه البيت ده طول عمره بيتك يا منى… ونور، عمرها ما هتتنسي تاني.
فتحتُ درج الطاولة الجانبية، أخذت شريط ال VHS القديم، ووضعته في الحقيبة الخاصة بالأدلة التي تنتظر تسليمها للنيابة العامة… لكن ليس قبل أن أعلم تماماً أن الحقيقة التي دُفنت ثماني سنوات تحت طاولات الطعام الفاخرة، قد خرجت أخيرًا إلى النور.