رجل الاعمال

يكتشفها.
وحاجة بالشكل ده
ممكن تقلب مشروع ب مليار جنيه في ليلة واحدة.
ليلى شدّت على الكشكول في إيدها.
لكنها ماقالتش الحقيقة كاملة.
لسه.
لأن اللي اكتشفته ماكانش مجرد إن الحديد أضعف من المواصفات المكتوبة
كان فيه حاجة أخطر بكتير مستخبية جوه البرج.
ولو قالتها لياسين
فكل اللي حصل من أول يوم بناء المشروع هيتكشف.
وأول شخص ممكن يدفع تمن السر ده
ممكن يكون هو نفسه….
النسيم البارد اللي كان بيتسرب من الواجهات المفتوحة للدور التاسع والأربعين كأنه بقى أثقل بكتير. ياسين حس إن الهوا واقف في حلقه، وبص لكشكول ليلى المليان بالأرقام والتواريخ كأنه بيبص على لغم أرضي محطوط في أساسات إمبراطوريته.
لو الكلام ده صحيح، ومعناه إن الحديد المستخدم في مناطق التحويل الرئيسية أقل صلابة من المكتوب في العقود الرسمية… فده معناه إن اجتماع بكرة الصبح مع اللجنة الحكومية مش هيكون مجرد مناقشة تمويل عادية؛ ده هيكون قنبلة موقوتة هتنفجر في وش الشركة كلها، وممكن توصل للنائب العام وتدمر سمعة مجموعة الشافعي اللي اتبنت في تلاتين سنة، ده غير كارثة انهيار محتملة في المستقبل لو المبنى اشتغل بكامل طاقته.
ياسين عدّل بالطاه الرمادي على كتفه، وحاول يرجع لصالحه السيطرة والهدوء اللي اتعود عليهم في صفقات المليارات. بص لليلى وقال بصوت هادئ، بس جواه عاصفة
مروان كامل… كبير المهندسين اللي استقال النهاردة فجأة… هل هو جزء من اللعبة دي؟
ليلى نزلت كشكولها بهدوء، وقالت بصوت خافت
مروان مش لوحده يا باشمهندس. مروان هو اللي كان بيوقّع على تقارير الاستلام اللي بتثبت إن الحديد درجة 65، في الوقت اللي الشحنات اللي كانت بتدخل بليل من البوابة الخلفية كانت بتيجي بختم درجة 50. الفارق في السعر بين النوعين في مشروع بحجم ده… بيعمل أرقام فلكية.
ياسين حس بوجع فجأة في صدره. الأرقام دخلت في بعضها. استقالة مروان المفاجئة، اختفاء النسخ الاحتياطية الصحيحة، والمهندسين الأربعة اللي هربوا معاه قبل العرض ب ساعة… مكنش هروب عشوائي، دي كانت تخارج وتأمين نفسهم قبل الكارثة ما تنكشف.
بس السؤال الأهم اللي خلى عقل ياسين يشتغل بأقصى سرعة إنتِ يا ليلى… عاملة نظافة بسيطة… إيه اللي يخليكي تقعدي ست شهور تسجلي وتراقبي وتجمعي كل الأدلة دي؟ إنتِ مستفيدة إيه؟
ليلى قربت من الشباك المفتوح،
وراحت باصة على أضواء القاهرة البعيدة والمنارات اللي منورة في العاصمة الإدارية، وقالت بصوت مكسور بس فيه صلابة غريبة
قبل سنتين، في مشروع المجمع التجاري اللي شركتكم بنته في التجمع… حصل انهيار جزئي في السقف الخلفي وقت الصيانة. أخويا الصغير كان هناك… كان شغال مساعد فني. قالوا إن الغلط كان خطأ بشري فردي وإن الملف اتقفل بتعويض بسيط. بس أنا شفت نفس الخطوط دي… نفس توقيعات مروان كامل على ورق الاستلام هناك.
لفت وشها لياسين، وعيونها كانت بتلمع في ضوء الكشاف أنا ما بشتريش ورق يا باشمهندس ياسين… أنا كنت بدور على حق ناس ماتت، وحق ناس تانية كانت ممكن تموت لو البرج ده اتفتح والناس ملوه بالكامل.
ياسين فضل واقف مكانه زي المنحوتة الخرسانية. الكلمات نزلت عليه كأنها صواعق. كل قوانين البيزنس والشركات والمكسب والخسارة سقطت في لحظة واحدة قدام عيون الست دي.
بس وقبل ما ياسين يفتح بوقه ويقول كلمة واحدة، سمعوا صوت خطوات تضرب بقوة على السلم الإسمنتي المؤدي للدور التاسع والأربعين!
خطوات سريعة، منظمة، وواضحة جداً لأسلحة أو أفراد أمن غير مرغوب فيهم في الوقت ده من الليل.
ليلى اتنفضت وبصت لياسين بسرعة، وقالت بصوت مخنوق شكلهم حسوا بوجود حركة هنا. الكاميرات الذكية اللي في الدور الأرضي سجلت دخولك، وهما عارفين إن الدور ده ممنوع حد يوصله أصلاً.
ياسين بص للورق والرسومات اللي على الحيطة، وبعدين بص لليلى. في ثواني معدودة، اتمسحت ملامح رجل الأعمال المتعجرف، وحل مكانها المقاول القديم اللي عارف يعني ايه خطر حقيقي.
مد إيده بسرعة، وشد كشكول ليلى من إيدها وحطه جوه بالطوه، وقال بحسم الورق ده لو وقع في إيد مروان ورجالته، مش إنتِ بس اللي هتموتي… دول هيصفونا إحنا الاتنين ويطلعوا بحكاية مزيفة عن إننا وقعنا بالخطأ من الدور التاسع والأربعين.
طب والحل؟ قالتها ليلى وهي بتبص للباب الحديد المؤدي لسلالم الطوارئ اللي بدأ الصدى يقرب منها.
ياسين بص في الساعة… كانت 234 بالليل. الاجتماع مع اللجنة الحكومية بكرة الساعة 10 الصبح.
ابتسم ابتسامة شجاعة وغريبة في وسط الكارثة، وقال وهو بيشدها من إيدها ناحية ال منور الداخلي للخدمات اللي مفيش حد يعرفه غير العمال القدام الحل؟ هوريهم بكرة الصبح مين اللي هيتبنى فعلاً على أنقاض ال 12 مليار… تعالي ورايا.
اختفوا هما الاتنين في ظلام ممرات الخدمات، بينما الباب الحديدي للدور التاسع والأربعين انفتح ببطء شديد، وظهرت ظلال رجال واقفين في الضلمة ومعاهم كشافات بتفتش المكان شبر بشبر… والقصة الحقيقية لبرج النيل تاور لسه بتبدأ.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *