الغي ميعاد الدكتور ج1 منال علي

الجزء الاول 👇🏼
إلغي ميعاد الدكتور اللي إنتِ حاجزاه ده، وهتنزلي تروحي مع أمي السوق” — قالها أحمد وهو مبحلق وعينه في شاشة التليفزيون، من غير حتى ما يكلف نفسه ويبص في وشها.
وقفت ندى عند باب الصالة متجمدة في مكانها، وصوابِع إيديها اتشنجت وقفلت من كتر العصبية المكتومة. النهارده بالذات كان المفروض يبقى يوم مختلف… لكن كالعادة، أوامر وتعليمات مابتخلصش. حكايات منــال عـلـي
صوت الماتش والاستوديو التحليلي مالي الشقة وبيرج الحيطان، وريحة تفل القهوة البايتة من الصبح لسه خنقة الجو. أحمد ممدد بطوله على الكنبة بكل أريحية، الريموت في إيده، وكأنه ملك زمانه وصاحب القرار والنهي الوحيد في البيت ده.
— بقولك الغي الميعاد وفضّي نفسك — كرر كلامه بنبرة ناشفة وهو بيقلب في القنوات — أمي نازلة تشتري حاجات من سوق العتبة، وإنتِ هتحصليها هناك وتلفي معاها وتشيلي الشنط. والموضوع هيطول ويصدمك في حوالي تلات أربع ساعات كده.
بصت ندى لضهر جوزها.. الضهر اللي عمره ما اتنى للشك أو التردد، ضهر راجل مقتنع ومتأكد طول الوقت إنه صح ومبيغلطش، وإن كل الناس لازم تمشي على هواه وكلامه سيف على الرقاب.
— أنا عندي ميعاد مهم وميتحركش الساعة 11 — قالت بنبرة هادية وبسيطة. حصري على صفحه روايات واقتباسات
— ما تأجليه لأي يوم تاني في الأسبوع… يعني جرى إيه؟ مش آخر الدنيا هي! — رد بسخرية وتأفف وهو لسه متمطع في مكانه.
ندى ما ردتش عليه.. دخلت المطبخ وحطت الكاتل على الفيشة يسخن.
في تلات سنين جواز، اتعلمت كويس وبصعوبة إمتى تتكلم وإمتى تشتري دماغها وتسكت. مش خوف ولا قلة حيلة منه… لكن لأنها فهمت إن الكلام والنقاش مع عقليات زي دي ساعات بيهدم السقف اللي لسه واقف بالعافية فوق روسهم. فـ سكاتها بقى درع وساتر بتحتمي بيه وتداري وراه خططها.
بعد خمس دقايق بالعدد، دخل أحمد وراها المطبخ والموبايل في إيده.
— سمعتي الكلمتين اللي قولتهم بره ولا لسه هتفكري؟
— آه.. سمعت.
— وآه يعني إيه؟ هتعملي إيه؟. حكايات منــال عـلـي
— يعني فهمت كلامك كويس أوي وعرفته.
ضيق عينيه وبص لها بشك وهو مستغرب هدوءها. النظرة دي كانت حافظاها صم.. نظرة الراجل اللي مقتنع إن الست اللي معاه مابتفهمش ولا بتسمع الكلام غير لما ينشف دماغه وتنفذ الأوامر بالحرف.
— أمي هتبقى واقفة تحت البيت الساعة عشرة بالدقيقة.. خلصي نفسك بسرعة ومتعطليهاش.
وسابها واقفة في المطبخ وخرج للصالة.
أما حماتها، “الست أمينة”، فكانت دايمًا بتقتحم حياتهم بنفس الطريقة المقبضة: فجأة، وبصوت عالي وجهوري، وبحضور تقيل يملّي المكان والبيت كله خنقة.
ست حِمشَة وجسمها مليان، وصوتها يجيب لآخر الشارع، ووشها في ثانية واحدة يقدر يديكي إحساس بالذنب واللوم والنقد الهدّام في نفس اللحظة. كانت بتظهر في حياتهم بانتظام زيها زي فاتورة الكهرباء والغاز، وبتسيب وراها في البيت نفس الإحساس بالهم والإرهاق الطاقي.
هي أصلًا ما كانتش بتنزل السوق عشان تشتري خضار وطلبات.. هي كانت بتنزل عشان تمارس سلطتها وتحس بوجودها.
تمسك كل برتقالة بإيديها وتفعصها، وتقلب الطماطم واحدة واحدة وتطلع فيها العيوب، وتفاصل وتناهد البياعين في الغلا ده على جنيه ولا اتنين وتعمل خناقة، حتى لو مش محتاجة الحاجه. والأهم من ده كله، إنها لازم يبقى معاها “التابعة” اللي تسمع كلامها وتجر وراها عربية السوق وتتكسف من عمايلها وتصرفاتها مع الناس.
وبالنسبة للست أمينة، كانت ندى هي زوجة الابن المثالية: هادية، خامة طيبة، مطيعة، ومابتفتحش بقها بكلمة اعتراض.
لكن النهارده.. اللعبة اتغيرت تماماً.
النهارده ندى عندها ميعاد مصيري… بس مش عند الدكتور زي ما هما فاكرين.
كان عندها ميعاد في مكتب الشهر العقاري.
من تلات أسابيع فاتوا، توفى عمها “سيد”، أخو أبوها الكبير.
راجل عاش لوحده طول عمره في هدوء، وماتعلمش ومخلفش عيال وسند. كان ساكن في شقة قديمة من شقق زمان الواسعة والجميلة في مصر الجديدة، سقفها عالي بخشب عزيزي، وشبابيكها من الشيش العريض بتطل على شارع هادي كله شجر دايما منور.
الراجل الطيب ده كان أقرب حد لقلب ندى وعقلها.
كانت بتخصصه زيارة كل يوم جمعة، في الوقت اللي أحمد جوزها بيقعد فيه مطوح على الكنبة يتفرج على الماتشات والبرامج.
وقبل ما يموت ويقابل رب كريم، كتب وصية موثقة.. باسم ندى.
قبل أسبوعين، أبوها كلمها في التليفون بصوت هادي ومهموم وقالها:
— يا بنتي، المحامي كلمني والوصية ظهرت… عمك الله يرحمه سايبلك الشقة كلها باسمك وكاتبها ليكي عشان يأمن مستقبلك.
سكتت شوية والدموع في عينيها.
وبعدين قالت:
— حاضر يا بابا… هحصلك ونخلص كل إجراءات الإشهار والتسجيل.
أحمد طبعاً ما كانش يعرف الهوا، ولا يعرف إن فيه ورث ولا شقة أصلاً.. وهي قررت بذكاء إن عينه ماتشوفش الأوراق دي دلوقتي خالص.. لأن الأيام والتجربة معاه علمتها إن أي حاجة بتشرحيها وتكشفي ورقها بدري للراجل الأناني، غالبًا بيبوظها ويطمع فيها وعمرها ما بتم.
الساعة عشرة بالظبط، ندى نزلت من باب العمارة.
هوا الصبح الخفيف كان بيعدي بين البيوت ويفوق.
وكانت الست أمينة واقفة مستنياها على أول الشارع، لابسة عباية وجاكيت لونه فاقع ومبهرج، وماسكة في إيدها عربية السوق الفاضية، وعلى وشها نفس التعبير بتاع “الملكة” اللي الخدم اتأخروا عليها في الميعاد.
— أخيرًا حنيتي ونزلتي! يلا بينا همّي بسرعة قبل السوق ما يزحم والناس تكلبش في بعضها.
ندى بصتلها بعين ثابتة وقوية وقالت ببرود:
— معلش يا طنط أمينة… النهارده بالذات مش هقدر أروح معاكي في حتة ولا أوصلك.
سكت الهوا في الشارع فجأة من الصدمة.
— نعم يا ختي؟! بتقولي إيه؟ — قالتها أمينة ببطء ووشها اتغير.
— قولتلك عندي مشوار مهم ومستقبلي ومينفعش يتأجل ثانية.. وأنا من طيب خاطري طلبتلك عربية أوبر، دقيقتين وهتلاقيها واقفة قدامك، والسواق شاب ابن حلال وهيساعدك يشيل معاكي الحاجه ويركبها الشنطة.
فتحت أمينة بقها من الذهول، لكن مخرجش منها حرف واحد.. وده في حد ذاته معجزة من معجزات الدنيا السبعة!
— إنتِ واعية ومدركة إن أحمد لو عرف…
— أحمد فوق في الشقة ومأنتخ على الكنبة — قاطعتها ندى بكل هدوء وثقة — لو حابة تطلعي تشتكيله أو تكلميه اتفضلي.. سلام يا طنط.
واستدارت وسابتها واقفة مكانها ومشيت بظهر مفرود.
ركبت عربيتها الرمادي الصغيرة.. ومشيت في طريقها وناحية مصلحتها ولنفسها لأول مرة من سنين قهر.
كان مكتب الشهر العقاري في عمارة قديمة من طراز وسط البلد العريق.
سقوف واسعة وعالية، وريحة ورق قديم ودوسيهات وبن قهوة محوج.
قعدت قدام الموظفة المسؤولة، ووقعت ومضت وبصمت على كل الأوراق والدفاتر المطلوبة.
ومن اللحظة دي بالذات…
بقت الشقة الكبيرة اللي في مصر الجديدة ملكها رسميًا وقانونياً.. هي وبس، ومحدش شريك معاها فيها.
وده كان معناه وخطوته كتير جداً في حسابات ندى.
ندى كانت قارورة وفاهمة ومثقفة، وعارفة إن الميراث الشرعي والخاص بالست مفيش أي راجل له حق يمد إيده عليه أو يشاركها فيه بقوة القانون. وعرفت المعلومة دي وحفظتها من كام شهر، لما بدأت تحس وتتأكد إن حياتها وعمرها مع أحمد ماشيين ببطء ناحية حيطة سد وطريق مفيش منه رجوع.
ناولتها الموظفة الملف المقوى وقالتلها بابتسامة تيسير:
— مبروك يا مدام ندى.. كده كل حاجة اتسجلت تمام والملف خلص.
— الله يبارك فيكي.. شكرًا جزيلاً.
ولأول مرة من فترة طويلة جدًا وفوق ما تتخيل… حست إن الأرض ثابتة وصلبة تحت رجليها ومابتتهزش.
وهي نازلة على السلم الخشب القديم بتاع العمارة، الموبايل صوته صرخ في إيدها..
أحمد.
— إنتِ فين يا هانم؟! أمي مكلماني وصرخاها في التليفون! سايباها واقفة في الشارع لوحدها وموقفة لها عربية غريبة؟!
— أنا قولتلك طلبتلها أوبر محترم — قالت بنبرة باردة كالتلج — وهي وصلت بالسلامة؟
— ده مش موضوعنا وماتلفيش وتدوري! أنا كلمتي واحدة وقولتلك توصليها بنفسك وتفضلي معاها!
— أحمد… أنا كنت في مشوار حياتي ومهم جداً، والحمد لله رب العالمين كله تمام وخلص.
— مشوار إيه ده وزفت إيه اللي من ورايا؟! إنتِ…
— هبقى أكلمك بعدين لما أروح.
وقفلت السكة في وشه من غير ما تستنى رده.
الهوا طير شعرها وفك خنقتها..
والدنيا حواليها في وسط البلد كانت حية وبتجري: صوت كلاكيس العربيات، ضحك الناس في الشوارع، وريحة القهوة الطازة اللي طالعة من كافيه يوناني قريب.
افتكرت الشقة الكبيرة والشبابيك الخشب البني.. شقتها هي.
واستطمعت الهدوء والراحة اللي بدأوا يتسللوا جواها..
والميعاد اللي جاي الأسبوع الجاي..
الميعاد ده مكنش مع موظفة الشهر العقاري ولا تبع الميراث…
ده كان ميعاد محجوز ومترتب مع محامية أحوال شخصية!
يتبع..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *