عزومات حماتي
مر شهر. ولم يحدث تقارب. الكلام السيء عني استمر في بعض الدوائر. وذات يوم، كنت في زيارة لطبيب، فوجدتُ ابنة خال زوجي هناك. كانت من الذين صدّقوا حماتي وتجنّبوني. نظرت إليّ باحتقار وكادت تمرّ من جانبي دون أن تسلم. لكنني بادرتها بابتسامة لطيفة وسلمتُ عليها. ترددت ثم ردت السلام ببرود.
بعد فترة، علمتُ أن ابنة الخال تلك كانت تمر بضائقة مالية صعبة، وأن زوجها تعرض لأزمة في عمله. لم أتردد. أرسلتُ لها المبلغ الذي تحتاجه دون أن أذكر اسمي، عبر قريبة مشتركة. قلت لها هذا من عند خالتكِ التي تحبكِ وتتمنى لكِ الخير. لم أرد أن أُعيرها أردت فقط أن أُثبت لها أنني لستُ تلك البخيلة الشريرة التي تُحدثها حماتي عنها.
بعد أيام، اتصلت بي ابنة الخال. كانت تبكي. قالت
علمت أنكِ أنتِ من ساعدتني. سامحيني لقد كنتُ أتكلم عنكِ بسوء بناءً على ما سمعته. وأنتِ أكرمتِني وأحسنتِ إليّ.
قلتُ لها بكل لطف
لا يهمّكِ شيء. كلنا نسمع ونخطئ. المهم أن القلوب تكون صافية. وأنا لم أفعل هذا لأجعلِكِ في صفّي بل فعلته لأنكِ أهل للخير.
لكنها كانت تكذب عليّ تقول إنكِ تمنعين ابنها منها وتُسيئين إليها وكل ذلك غير صحيح.
لكل شخص وجهة نظره. وما حدث بيننا هو أمور بسيطة
كبّرتها الأيام. وأنا ما زلتُ أتمنى لها الخير.
سأذهب إليها وأخبرها الحقيقة وسأطلب منها أن تكفّ عن الكلام عنكِ بهذه الطريقة.
أرجوكم لا تفعلوا. لا تُشعلوا نارًا جديدة. الزمن كفيل بتبيين الحقيقة. يكفي أنكِ عرفتِ الآن قلبي.
وبالفعل، ذهبت ابنة الخال إليها. لم تُخاصمها ولم تُعاتبها بل أخبرتها بما فعلتهُ لها، وبأنني لستُ كما تصفني. وبأنني كريمة وأخلاقي عالية. وبأنني لم أتكلم عنها بسوء قطّ.
هذا الكلام هزّ حماتي. لم تتوقع أنني سأكون بهذا القدر من النبل والكرم مع من تكلّم عني بسوء. بدأت تراجع نفسها. بدأت تتذكر أنني طوال الفترة الماضية لم أردّ الإساءة بالإساءة، ولم أُفشِ سرّ بيتنا، ولم أتكلم عنها أمام أحد. وأنني كنتُ أخدمها وأكرمها حين تأتي إلينا. وأن كل ما طلبتهُ هو العدل والاحترام لا أكثر.
وذات يوم، وبعد مرور أكثر من شهر ونصف، سمعنا صوت جرس الباب. حين فتحناه، وجدناها واقفةً عند الباب. وجهها شاحب، وعيناها حمراوين. لم تحمل معها شيئًا. وقفت وتنظر إلينا بصمت.
بادرها زوجي بكل حفاوة
يا أمي تفضلي بالدخول.
دخلت. جلست في الصالة. لم أتكلم. قدمتُ لها كوبًا من الشاي كما أحبّه. نظرت إليّ طويلاً. ثم قالت بصوت خافت متقطع
جئتُ جئتُ لأقول شيئًا وأرجو أن تسامحاني.
سكتت للحظة، ثم استطردت
لقد علمتُ كل شيء. علمتُ بما فعلتِهِ مع ابنة خالكِ. وعلمتُ أنكِ لم تتكلمي عني بسوء قطّ. وأنكِ لم تُخبر أحدًا بما حدث. وعلمتُ أنني كنتُ مخطئة بل ومخطئة جدًا.
دمعت عيناها. مسحت دموعها واستمرت
لقد نشأتُ على أن المرأة يجب أن تصمت وتُطيع وتتحمل. وعشتُ هكذا طوال حياتي. فظننتُ أنكِ أنتِ الأخرى يجب أن تكوني هكذا. واختبرتُكِ وقلّبتُ عليكِ وأردتُ أن أخضعكِ ظنًا مني أن هذا هو الحق. ولم أدرِ أن الحق هو العدل وأن من حقكِ أن يكون لكِ صوتٌ ورأيٌ وكرامة.
نظرت إليّ مباشرة وقالت بدموع صادقة
سامحيني يا بنيتي. لقد أخطأتُ في حقكِ كثيرًا. وكنتِ أهلاً للخير فأسأتُ إليكِ. وها أنا أعترف بذنبي. فهل تسامحينني؟
لم أتردد. اقتربتُ منها وأمسكتُ بيدها وقلبِي يرتجف من العاطفة
يا أمي أنا بنتكِ. والبنت تسامح أمها مهما فعلتِ. ما كان بيننا سوى سوء فهم وتربية قديمة. والآن كل شيء أصبح واضحًا. أنا أحبكِ وأريدكِ أن تكوني معنا بكل ودّ واحترام. من دون اختبارات ومن دون تكاليف تُثقل كاهل أحد. نحن عائلة واحدة نُعزّ بعضنا ونُكرم بعضنا ولا نُحمّل بعضنا ما لا نطيق.
احتضنتني وبكت. وبكيتُ معها. وبكى زوجي من ورائنا متأثرًا. لقد انكسرت الحواجز. لم يكن انتصارًا لي عليها بل كان انتصارًا للحق والعدل والمحبة على الغرور والقدرة والاستغلال.
جلست معنا طويلاً. تكلمنا بكل صراحة ووضوح. اتفقنا على أمور بسيطة لكنها كانت أساس كل مشكلة
أي عزومة أو دعوة يجب أن تُعرف مسبقًا، ويُحدد العدد والتكلفة باتفاق الجميع.
من يدعو يتحمل مسؤولية دعوته إما بأن يُشارك في التكلفة أو يُجهز ما يلزم.
المال في بيتنا مشترك يُنفق باتفاق ولا يُفرض على أحد شيء لا يريده.
الاحترام المتبادل هو أساس كل علاقة ولا يُختبر أحد أحدًا لأن المحبة لا تُبنى على الاختبار بل على الثقة.
ووافقت حماتي بكل رحابة صدر. بل وقالت
ليتني فهمتُ هذا من قبل. لكانت حياتنا أجمل وأسعد.
قلتُ لها بابتسامة
ما زال الأمل موجودًا. وما زال بيتنا مفتوحًا لكِ بكل محبة. والغد بإذنٍ الله أجمل.