حكايه كريمه ج٢ انجي الخطيب

بينما كنت واقفة في محلي الصغير، اللي ريحة التقلية فيه بقت زي “العنوان” اللي بيعرف الناس إني لسه موجودة، كان قلبي حاسس بوجع خفي، وجع الأم اللي مهما اتكسرت، بيفضل جواها حتة بتنادي على ضناها. بقالي شهرين من يوم المحكمة، لا شفت دانيال ولا حتى سمعت صوته. السكوت كان تقيل، أتقل من شيلة الحلة اللي اترمت في الزبالة.

في يوم، والجو كان شتوي والناس محتاجة لقمة دافية، لقيت “عم محمد” البواب داخل المحل، وشه مخطوف، وعينه فيها نظرة غريبة.

— “يا ست كريمة، قومي الحقيني.. دانيال ابنك مرمي في شقة فاضية، وحالته تصعب على الكافر!”

قلبي وقع في رجلي. رميت المغرفة من إيدي، ونسيت سنين عمري، ونسيت وجع قلبي، وجريت وراه زي ما بكون بجري على “داني” وهو عنده خمس سنين ووقع في الشارع.

وصلنا للشقة اللي كان مأجرها مؤقت بعد ما الشقة اللي كانت باسمه اتباعت. المنظر كان يوجع القلب. ابني اللي كنت بتباهى بيه وبأكله، كان قاعد على الأرض في وسط كراكيب، ووشه دبلان، ودقنه طويلة، وعينه مكسورة. أول ما شافني، مكنش قادر حتى يقوم يقف.

— “ماما؟ إنتِ لسه فاكراني؟”

كلمته دي كانت سكينة في قلبي. قربت منه، ضميت راسه لحضني، شميت ريحة “الوحدة” و”الندم” اللي كانت طالعة منه. مفيش “إيمان”، مفيش صحاب، مفيش “إتيكيت” كداب. كان هو بس، والواقع اللي اكتشف فيه إن “اللايف ستايل” اللي كان بيجري وراه مبيسندش لما الدنيا تضيق.

قعدت جنبه، مسحت على شعره اللي شاب قبل أوانه، قلت له: “أنا عمري ما نسيتك يا ضنايا، حتى وأنا في قمة غضبي، كان قلبي بيدعي لك بالهداية”.

حكى لي كل حاجة، إيمان سابته أول ما الفلوس قلت، وأصحابه اللي كان بيعزمهم اختفوا، والشغل اللي كان معتمد على “المظاهر” مابقاش يطلبه. اكتشف إن كل الناس اللي كانوا بيطبلوا له، كانوا بيطبلوا لـ “القرش” مش لـ “داني”.

خدته ورجعته بيتي، في الحارة الشعبية، في الشقة اللي ريحتها سمنة بلدي ومحبة. قعدته على الكرسي اللي كان بيحب يقعد عليه وهو صغير، وقدمت له طبق محشي.. مش أي محشي، ده محشي “مداواة”، محشي معمول بدموع الصلح.

أول لقمة أكلها، دمع. دموعه كانت بتنزل على الطبق، دموع الندم اللي بتغسل كل الذنوب.

— “سامحيني يا ماما، أنا اللي بعت الأصل عشان القشور، أنا اللي رخصت نفسي ومراتي رخصتني معاها، ونسيت إن اللي ملوش خير في أمه، ملوش خير في حد”.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *