وصلتُ إلى موقع الحادث. كانت العشرات من سيارات الإطفاء والإسعاف تحيط بالمبنى الضخم. النيران كانت تأكل واجهة مخازن القماش الخام، والعمال والمهندسون يركضون برعب في كل اتجاه.
نزلتُ من السيارة، ولأول مرة أخلع جكت البدلة السوداء، وأمسك بـ”خوذة حماية” بيضاء من على الطاولة الفرعية للأمن، وألبسها فوق شعري المرفوع.
ركض مدير الأمن المهندس “سامح” نحوي، وجهه كان مغطى بالهباب الأسود وعيناه تفيضان بالدموع:
— “يا ست ليلى! الحريق مش طبيعي! الماس الكهربائي ما يعملش كده.. المواد المشتعلة اترشت بفعل فاعل في الأركان الأربعة للمخزن في نفس التوقيت!”
— “عارفة إنه بفعل فاعل يا سامح..” ردستُ بثبات وأنا أنظر لألسنة اللهب. “المهم عندي دلوقتي.. المخزن التاني.. المخزن الاحتياطي المغلق بالنظام الإلكتروني، جاله حاجة؟”
ساد الصمت الشديد من سامح، ونظر إليّ بصدمة:
— “المخزن التاني؟! ده المخرن السري اللي ما حدش يعرفه غير الست أمينة الله يرحمها وحضرتك!”
ابتسمتُ ابتسامة صغيرة وسط أدخنة الحريق.
سهير وطارق وفؤاد كانوا فاكرين إن المخزن الرئيسي اللي قدامهم ده هو كل ثروة الشركة من المواد الخام. ما يعرفوش إن جدتي أمينة المنشاوي، من أربع سنين، بنى نظام مخازن ذكي تحت الأرض بخرسانات مسلحة ومضادة للحرائق للانفجارات، خبينا فيه 70% من المخزون الإستراتيجي الممتاز تحسبًا لأي أزمة أو غدر.
في تلك اللحظة، لمحتُ سيارة بيضاء مظللة تقف على بعد مسافة قريبة من موقع الحريق، محركها يعمل، ومن شباكها الخلفي ظهر وجه “سهير السيوفي”. كانت تشاهد النيران بابتسامة تشفي وغل، وتقوم بتصوير الحريق بهاتفها، متوقعةً أن تراني أبكي وأصرخ أمام عدسات الصحفيين الذين بدأوا بالتجمع.