ضحكوا منى السيد
من جيب سترته قلمًا قديمًا.
وقال
المؤسس الأول سلمني القلم ده قبل ما يسافر، وقال لي اليوم اللي يختفي فيه المرفق… القلم هو اللي هيدلكوا عليه.
نظر الجميع إلى القلم في دهشة.
لكن قبل أن يشرح عادل قصده…
صدر صوت خفيف من القلم نفسه، ثم انفتح غطاؤه تلقائيًا، وخرجت منه لفافة ورق صغيرة جدًا لم يكن أحد يعلم أنها مخبأة بداخله بعد دقائق…
دخل المهندس عادل منصور إلى المخزن.
كان شعره قد اشتعل شيبًا، لكنه ما زال يحتفظ بنفس الهدوء الذي عرفه به الجميع.
وقف أمام الحضور، ثم نظر إلى المظروف البني وقال
إذن… جه اليوم.
صافحه محمود بحرارة وسأله
إزاي عرفت إنك تيجي النهارده؟
أخرج عادل من جيبه خطابًا قديمًا.
وقال
وصلني بالبريد من أسبوع. كان مكتوب عليه لا تفتحه إلا يوم تتلقى اتصالًا من الشركة.
فتح الخطاب أمام الجميع.
كانت بداخله جملة واحدة
إذا عاد الجميع للاجتماع مرة أخرى، فلا تسمح لأحد بفتح المظروف قبل أن تسأل سؤالًا واحدًا.
نظر رئيس مجلس الإدارة إلى عادل وقال
وإيه هو السؤال؟
رفع عادل عينيه، ونظر إلى كل شخص في القاعة، ثم قال بهدوء
مين منكم يقدر يقول… ليه اتقسم العقد الأصلي لنصفين؟
ساد الصمت.
كل واحد كان ينتظر أن يجيب الآخر.
مرت ثوانٍ…
ثم قال شريف
علشان محدش يزور العقد.
هز عادل رأسه بالنفي.
وقال
دي كانت فايدة جانبية… لكن مش السبب الحقيقي.
ثم التفت إلى رئيس مجلس الإدارة وأضاف
السبب الحقيقي مكتوب داخل المظروف.
نظر رئيس المجلس إلى الجميع.
ثم قال
دلوقتي كل الأشخاص المطلوب حضورهم موجودين.
رفع المظروف…
وبدأ يزيل ختم الشمع الأحمر ببطء شديد.
وفي اللحظة التي سقط فيها آخر جزء من الختم…
انزلقت من داخل المظروف بطاقة صغيرة قبل أي أوراق.
التقطها محمود.
قرأها…
وفجأة تغير لون وجهه.
نظر إلى عادل، ثم إلى شريف، وقال بصوت مذهول
واضح إننا كنا بندور على الحقيقة في المكان الغلط طول السنين دي…
وقبل أن يكمل، أخرج رئيس مجلس الإدارة أول ورقة من داخل المظروف…
ثم تجمد مكانه، وكأن أول سطر فيها قلب كل ما كان يعتقده عن بداية الشركة أمسك عادل لفافة الورق بحذر شديد.
كانت ملفوفة بإحكام، ومربوطة بخيط رفيع اصفرّ من الزمن.
فك الخيط ببطء، ثم نشر الورقة فوق الطاولة.
اقترب الجميع.
لم تكن خريطة كاملة…
بل رسمًا يدويًا لجزء من المبنى القديم، وعليه علامات بالقلم الأحمر.
وفي أسفلها عبارة قصيرة
البداية دائمًا تحت أول حجر.
نظر محمود إلى الرسم، ثم قال فجأة
دي مش خريطة المخزن…
اقترب أحد العمال، وبعد أن دقق فيها قال
دي خريطة بهو الاستقبال القديم… اللي اتجدد من عشر سنين.
التفت الجميع إلى رئيس مجلس الإدارة.
قال بحزم
نروح حالًا.
بعد دقائق، كانوا يقفون داخل بهو الشركة القديم.
الأرضية كلها رخام جديد، لكن في المنتصف كانت توجد بلاطة مختلفة قليلًا عن باقي البلاط.
انحنى عادل، وربت عليها بيده.
صدر صوت أجوف.
ابتسم وقال
هي دي.
أحضر العمال أدواتهم، وبدأوا يرفعون البلاطة بحذر.
وما إن أزيحت…
ظهر صندوق خشبي صغير، مغلف بطبقة من القماش المشمع.
أخرجه محمود ببطء، ومسح عنه التراب.
كان على الغطاء لوحة نحاسية صغيرة مكتوب عليها
لا تُفتح إلا بعد أن يتفق الجميع.
نظر رئيس مجلس الإدارة إلى الموجودين وقال
إحنا مختلفين من أول الليلة… إزاي هنتفق؟
ساد الصمت.
ثم لأول مرة، تكلم شريف بهدوء
أنا موافق… أيًا كان اللي جواه.
هز محمود رأسه موافقًا.
ثم قال عادل
وأنا كمان.
وبعد ثوانٍ، أعلن كل الموجودين موافقتهم.
ابتسم المستشار فؤاد، ورفع الصندوق.
ثم قال
دلوقتي… اتحقق آخر شرط.
وأدار المزلاج ببطء…
لكن قبل أن يرفع الغطاء، لاحظ الجميع أن داخل الصندوق يصدر ضوءًا خافتًا، وكأن شيئًا ما ظل محفوظًا هناك طوال هذه السنوات، في انتظار أن يراه أول شخص يفتح الصندوق رفع المستشار فؤاد غطاء الصندوق ببطء…
وكان الضوء الخافت صادرًا من مصباح صغير يعمل ببطارية قديمة، موضوع بجوار ظرف كبير ودفتر جلدي.
أخرج الدفتر أولًا.
كانت أول صفحة مكتوبًا عليها بخط المؤسس الأول
إذا وصلتم إلى هنا، فاعلموا أن هدفي لم يكن إخفاء الأسرار… بل حماية الشركة من الخلاف.
ساد الصمت.
بدأ رئيس مجلس الإدارة يقلب الصفحات.
لم يجد اعترافات، ولا فضائح، ولا اتهامات.
وجد سجلًا كاملًا يحكي كيف بدأت الشركة، وكيف ساهم كل مؤسس بفكرة أو مال أو جهد.
وفي الصفحة الأخيرة كانت هناك وثيقة موقعة من جميع المؤسسين، تنص على أن
الشركة بُنيت بجهد جماعي.
لا يجوز أن ينسب أي شخص النجاح لنفسه وحده.
عند حدوث أي خلاف، تُعاد مراجعة هذه الوثائق لتذكير الجميع أن التعاون هو أساس النجاح.
ثم فتح الظرف الكبير.
كان بداخله خطاب موجه إلى مجلس الإدارة.
قرأه رئيس المجلس بصوت مسموع
إذا كنتم تقرأون هذه الرسالة، فهذا يعني أن الخلاف كبر حتى نسي الجميع لماذا بدأنا. لا تجعلوا الماضي يهدم المستقبل. راجعوا الحقوق، وأنصفوا كل صاحب فضل، ثم ابدأوا من جديد.
نظر الجميع إلى بعضهم.
لم يكن هناك منتصر ولا مهزوم.
كان هناك درس فقط.
وقف شريف، وتقدم نحو محمود وعادل والمستشار فؤاد، وقال
أنا أخطأت لما ظنيت إن النجاح ممكن يُنسب لشخص واحد. من النهارده، كل واحد هياخد حقه كاملًا.
صافحه محمود، ثم صافحه عادل.
ابتسم رئيس مجلس الإدارة وقال
إذن… أول قرار في الاجتماع الجديد هو اعتماد الوثائق التاريخية، وتسجيل أسماء جميع المؤسسين في سجل الشركة الرسمي.
صفق الحاضرون.
وبعد أسابيع، أقامت الشركة احتفالًا كبيرًا، ليس لإعلان مشروع جديد، بل للكشف عن لوحة رخامية عند مدخل المبنى كُتب عليها
هذا النجاح صنعه فريق آمن بأن التعاون أقوى من المنافسة، وأن الأمانة تبقى مهما مر الزمن.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت قصة تأسيس الشركة تُدرَّس لكل موظف جديد، ليعرف أن أعظم الإنجازات لا يصنعها شخص واحد، بل يصنعها الإخلاص والعمل المشترك.
تمت.
متابعة القرا