ضحكوا منى السيد
مكانش المفروض أروح الحفلة السنوية للشركة الليلة دي.
جوزي، شريف رسلان، خرج الصبح وهو بيظبط كرافتته وقال بابتسامة
يا حبيبتي، ده مجرد اجتماع مع المستثمرين وتكريم الموظفين، هتزهقي هناك… ريحي في البيت.
وافقت من غير نقاش.
كنت واثقة فيه، وواثقة إن الشركة اللي بنيناها سوا عمرها ما تكون سبب خلاف بينا.
لكن الساعة تمانية بالليل افتكرت إن ملفًا مهمًا جدًا خاصًا باجتماع مجلس الإدارة ما زال في مكتبي داخل مقر الشركة.
قلت لنفسي هروح خمس دقايق وآخده وأرجع.
وصلت الفندق اللي كانت فيه الحفلة.
القاعة كانت مليانة رجال أعمال، ومستثمرين، وصحفيين، وأعضاء مجلس الإدارة.
كل حاجة كانت أفخم من المعتاد.
ورود في كل مكان… وشاشة عملاقة عليها شعار الشركة… وموسيقى هادئة.
استغربت.
هو اجتماع عادي… ولا فيه حاجة مستخبية؟
دخلت بهدوء من الباب الجانبي علشان محدش يلاحظني.
وفجأة…
الموسيقى وقفت.
الأضواء اتجمعت على المسرح.
وشريف طلع وماسك ملفًا أزرق كبير، مش خاتم ولا هدية.
قال في الميكروفون
النهارده يوم مهم جدًا في تاريخ الشركة… والكل هيعرف الحقيقة اللي فضلت مخفية خمس سنين.
اتسعت عيناي.
حقيقة إيه؟
رئيس مجلس الإدارة طلع جنبه، وقال
قبل إعلان خطة التوسع الجديدة… الأستاذ شريف طلب يعرض مستند قديم.
فتح شريف الملف…
وأخرج منه ورقة صفراء عليها توقيعان.
لكن قبل ما ينطق بأي كلمة…
وقف رجل مسن في آخر القاعة، وضرب الأرض بعصاه مرة واحدة.
وقال بصوت هز المكان كله
لو قريت الورقة دي… يبقى هتقرأها كاملة… لأن النص التاني منها معايا أنا.
ساد الصمت.
كل الموجودين التفتوا للرجل.
أما شريف…
فاختفت ابتسامته تمامًا، وتمتم بصوت مرتعش
إنت… إزاي لسه محتفظ بيها؟
وتبادل الحضور النظرات، دون أن يعلم أحد أن الورقة التي يحملها الرجل ستقلب تاريخ الشركة كله… دون أي خيانة أو علاقة غير شرعية الرجل تقدم بخطوات هادئة، وكل ضربة من عصاه على الأرض
كانت تخلي القاعة تسكت أكثر.
وقف أمام المسرح، ثم نظر إلى شريف وقال
فاكر آخر مرة شفتني فيها؟
شريف بلع ريقه وقال بصوت منخفض
كنت فاكر إن الملف ده اختفى.
ابتسم الرجل وقال
الملف اختفى… لكن الحقيقة عمرها ما اختفت.
بدأ أعضاء مجلس الإدارة يتهامسون.
أحد المستثمرين سأل
هو حضرتك مين؟
رفع الرجل بطاقة قديمة من جيبه وقال
أنا محمود عزمي… أول مراجع حسابات اشتغل مع الشركة يوم تأسيسها.
ساد الصمت.
أكمل
وفي اليوم اللي اتأسست فيه الشركة، اتكتب عقد إضافي… لكن محدش من الموجودين شافه غيري.
مد يده بالورقة التي يحملها.
تقدم رئيس مجلس الإدارة وأخذها، ثم وضعها بجوار الورقة التي كانت مع شريف.
دهش الجميع…
فالورقتان كانتا تكملان بعضهما، وكأنهما صفحة واحدة تم تقسيمها نصفين منذ سنوات.
قال رئيس المجلس
ليه اتقسمت بالطريقة دي؟
رد محمود بهدوء
لأن مؤسسي الشركة وقتها اتفقوا إن نص العقد يفضل مع الإدارة… والنص التاني يفضل مع شاهد محايد، علشان محدش يقدر يغير أي بند.
تغيرت ملامح شريف.
قال بسرعة
العقد ده انتهى مفعوله.
ابتسم محمود وقال
لو انتهى… ليه كنت محتفظ بالنص الأول لحد النهارده؟
سكت شريف.
في تلك اللحظة، طلب رئيس المجلس من الجميع الالتزام بالصمت.
بدأ يقرأ أول بند…
ثم توقف فجأة.
رفع رأسه وقال
غريب…
أحد الأعضاء سأله
في إيه؟
رد وهو ينظر إلى الورقة مرة أخرى
البند ده بيقول إن الشخص صاحب الفكرة الأصلية للشركة له حق قانوني لا يسقط بالتقادم… حتى لو تنازل عن الإدارة مؤقتًا.
كل الأنظار اتجهت نحو شريف.
لكنه هز رأسه بسرعة وقال
مش فاهمين البند صح.
وقبل أن يكمل…
دخلت موظفة الأرشيف مسرعة وهي تحمل صندوقًا مليئًا بالملفات القديمة.
وقالت وهي تلهث
لقينا حاجة في مخزن الشركة… مكتوب عليها لا تُفتح إلا إذا ظهر العقد الأصلي.
ساد الصمت…
وتقدم رئيس مجلس الإدارة نحو الصندوق ببطء، بينما شريف أغلق عينيه للحظة، وكأنه كان يخشى ما سيخرج منه وُضع الصندوق على الطاولة الرئيسية.
كان مغلقًا بقفل نحاسي قديم، وعلى الغطاء ورقة باهتة كُتب عليها
أمانة لمجلس الإدارة… لا تُفتح إلا بحضور جميع الشركاء.
نظر رئيس مجلس الإدارة إلى الحضور وقال
أعتقد إن الشرط اتحقق.
أخرج المفتاح من داخل ظرف كان مع ملفات الأرشيف، وأدار القفل.
صدر صوت خافت…
ثم انفتح الغطاء ببطء.
داخل الصندوق لم يكن هناك مال ولا مجوهرات.
كان هناك ثلاثة أشياء فقط
دفتر محاضر الاجتماعات الأول للشركة.
فلاشة معدنية قديمة.
ظرف مختوم بالشمع الأحمر.
أمسك رئيس المجلس بالدفتر أولًا.
فتح أول صفحة…
فوجدها تحمل توقيعات جميع المؤسسين.
ثم قلب عدة صفحات، حتى توقف فجأة.
قال بدهشة
الاجتماع ده… عمرنا ما شوفنا محضره!
شريف اقترب خطوة وقال
المحضر ده غير معتمد.
لكن محمود هز رأسه وقال
بالعكس… ده أهم اجتماع حصل في تاريخ الشركة.
بدأ رئيس المجلس يقرأ
اتفق المؤسسون بالإجماع على أن أي قرار استراتيجي يخص ملكية الشركة أو تغيير هيكلها لا يصبح نافذًا إلا إذا وافق عليه جميع المؤسسين كتابة.
ساد الصمت.
أحد المستثمرين قال
يعني أي تعديل حصل بعد كده لازم نراجعه.
وقبل أن يرد أحد…
التفتت موظفة الأرشيف إلى الظرف المختوم وقالت
حضرتك… الظرف مكتوب عليه اسم شخص واحد.
أخذ رئيس المجلس الظرف، ونظر إليه.
ثم تغيرت ملامحه.
قال بهدوء
الاسم المكتوب هنا… مش اسم شريف.
تبادل الجميع النظرات.
سأله أحد الأعضاء
أمال اسم مين؟
نظر رئيس المجلس إلى الظرف مرة أخرى، ثم رفع عينيه ببطء وقال
الظرف موجه إلى… صاحب الفكرة الحقيقية للشركة.
وفي تلك اللحظة…
رفع محمود يده وقال
قبل ما الظرف يتفتح… في شخص لازم يحضر. لأنه الوحيد اللي يقدر يثبت إذا كانت كل المستندات دي أصلية… أو في حد لعب فيها من سنين.
وتوجهت أنظار الجميع نحو باب القاعة، بعد أن سمعوا صوت المصعد يتوقف عند الدور، وكأن الشخص المنتظر قد وصل بالفعل فُتح باب المصعد ببطء…
ونزل منه رجل في أوائل الستينات، يحمل حقيبة جلدية سوداء، وعلى وجهه ملامح هادئة.
ما إن رآه محمود حتى ابتسم وقال
الحمد لله… وصلت في الوقت المناسب.
تقدم الرجل وصافحه، ثم التفت إلى الحضور وقال
أنا المستشار فؤاد السيوفي… الموثق القانوني اللي أشرف على تأسيس الشركة من أول يوم.
همس أحد أعضاء مجلس الإدارة
إحنا فاكرين إنك اعتزلت من سنين.
ابتسم المستشار وقال
اعتزلت الشغل… لكن ما اعتزلتش حفظ الأمانة.
فتح حقيبته وأخرج سجلًا جلديًا قديمًا.
وضعه على الطاولة بجوار العقد.
قال
كل مستند اتوقع يوم التأسيس له نسخة محفوظة عندي.
ساد الصمت.
بدأ يقلب صفحات السجل ببطء، حتى وصل إلى صفحة محددة.
ثم قال
قبل ما نفتح الظرف… لازم نتأكد إن التوقيعات مطابقة.
ناول السجل لرئيس مجلس الإدارة.
ظل الأخير يقارن بين التوقيعات عدة دقائق.
ثم رفع رأسه وقال
التوقيعات… كلها أصلية.
في تلك اللحظة، تنفس محمود الصعداء.
أما شريف، فكان يقف صامتًا، وعيناه لا تفارقان الظرف المختوم.
اقترب رئيس المجلس منه وسأله
أنت كنت تعرف بوجود الظرف ده؟
رد بعد تردد
كنت أعرف إنه موجود… لكن ماكنتش أعرف في إيه.
وقبل أن يفتح رئيس المجلس الظرف…
رن جرس هاتف المستشار فؤاد.
نظر إلى الشاشة، ثم اعتذر ورد على المكالمة.
استمع لثوانٍ قليلة…
ثم تغيرت ملامحه تمامًا.
أغلق الهاتف ببطء، ونظر إلى الجميع وقال
في خبر وصلني حالًا…
سأله محمود بقلق
خير؟
رد المستشار
في مخزن الشركة القديم… العمال كانوا بيجهزوه للتجديد.
توقف لحظة، ثم أكمل
وأثناء الشغل… لقوا غرفة صغيرة كانت متقفلة بحائط جبس من أكتر من خمس سنين.
ساد الصمت في القاعة.
وأضاف بصوت منخفض
والغرفة دي… فيها خزنة حديدية، وعلى بابها نفس الختم الموجود على الظرف اللي قدامنا.
تبادل الجميع النظرات، بينما ظل الظرف مغلقًا فوق الطاولة… وكأن ما بداخله مرتبط بما ينتظرهم داخل تلك الخزنة الغامضة تبادل أعضاء مجلس الإدارة النظرات في صمت.
قال رئيس المجلس بحزم
محدش هيفتح الظرف دلوقتي… هنروح كلنا للمخزن الأول.
خلال نصف ساعة…
وصل الجميع إلى المقر القديم للشركة.
كان المبنى
لمحة نيوز