ضحكوا منى السيد

مهجورًا منذ سنوات، والغبار يملأ الممرات، وأصوات العمال تتردد بين الجدران.
قادهم أحد العمال إلى آخر المخزن.
وأشار إلى جزء من الحائط المكسور وقال
الخزنة كانت مستخبية ورا الجدار ده.
اقترب المستشار فؤاد.
مرر يده على الختم المعدني، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
وقال
نفس الختم… مفيش شك.
أخرج من حقيبته مفتاحًا صغيرًا ظل محتفظًا به طوال تلك السنوات.
نظر إليه محمود باستغراب
لسه معاك؟
رد بهدوء
لأن صاحب الشركة الحقيقي قال لي يومها احتفظ بالمفتاح… يمكن ييجي يوم الناس تحتاج تعرف الحقيقة.
أدار المفتاح…
لكن الخزنة لم تُفتح.
نظر إلى القفل مرة أخرى، ثم قال
فيها قفل تاني.
كان بجوار القفل لوحة معدنية صغيرة مكتوب عليها
لا تكتمل الحقيقة إلا بمفتاحين.
ساد الصمت.
سأل أحد أعضاء المجلس
والمفتاح التاني فين؟
نظر المستشار إلى شريف.
وقال
كان مع الشخص المسؤول عن إدارة الشركة.
التفت الجميع إلى شريف.
أخرج شريف سلسلة مفاتيح من جيبه، وبدأ يقلبها بيد مرتجفة.
وبعد لحظات…
أخرج مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا.
رفع رأسه وقال
أنا كنت فاكر إنه مفتاح درج قديم.
اقترب ووضعه في القفل الثاني.
أدار المفتاح…
فصدر صوت قوي من داخل الخزنة.
ثم انفتح الباب ببطء.
تقدم الجميع في توتر.
لكنهم فوجئوا بأن الخزنة لا تحتوي إلا على مجلد أسود واحد، وبجواره ساعة جيب قديمة توقفت عقاربها عند الساعة 915.
رفع محمود الساعة وقال باستغراب
ليه العقارب واقفة على التوقيت ده بالذات؟
وقبل أن يجيب أحد…
سمعوا صوت جهاز داخل الخزنة يصدر رنينًا خافتًا، وكأنه ظل يعمل بصمت طوال هذه السنوات، في انتظار أن يفتح أحد هذا الباب تراجع الجميع خطوة إلى الخلف.
الرنين كان منتظمًا… هادئًا… لكنه غريب داخل خزنة ظلت مغلقة سنوات.
اقترب المستشار فؤاد بحذر، وأزاح المجلد الأسود.
تحته مباشرة ظهر جهاز تسجيل صغير قديم.
ما إن لامسه حتى توقف الرنين.
نظر إلى محمود وقال
أعتقد إننا أخيرًا وصلنا للرسالة اللي اتسابت يوم تأسيس الشركة.
أخرج الجهاز بحرص، ثم ضغط زر التشغيل.
صدر صوت تشويش لثوانٍ…
ثم انطلق صوت رجل واضح وقوي
إذا أنتم بتسمعوا الرسالة دي… فمعناه إن خلافًا كبيرًا حصل بين إدارة الشركة.
ساد الصمت.
كان الجميع يستمع دون أن يتحرك.
أكمل الصوت
أنا سجلت الرسالة دي يوم توقيع آخر عقد… لأن النجاح بيجيب معه اختلافات، والاختلافات لو متحلتش بالعدل… ممكن تضيع تعب سنين.
نظر شريف إلى الأرض.
أما محمود، فابتسم لأنه عرف الصوت.
همس
ده صوت المؤسس الأول…
واصل التسجيل
داخل المجلد الأسود هتلاقوا خطة الشركة الأصلية، وكل فكرة اتكتبت قبل التنفيذ، وأسماء أصحابها، ومحاضر الاجتماعات الأولى.
رفع رئيس مجلس الإدارة المجلد بسرعة.
فتحه…
فوجد عشرات الملفات مرتبة بعناية.
كل ملف عليه تاريخ.
وفوق الجميع ملف واحد مكتوب عليه بخط عريض
يُفتح أولًا.
مد يده إليه…
لكن المستشار فؤاد أوقفه.
وقال
استنى.
نظر إليه الجميع باستغراب.
أخرج المستشار ورقة صغيرة من جيبه، وقارنها بالختم الموجود على الملف.
ثم قال
الختم سليم… لكن في حاجة ناقصة.
سأله محمود
إيه هي؟
رد وهو ينظر إلى ساعة الجيب التي كانت داخل الخزنة
التسجيل ذكر خطة الشركة… لكن ما قالش ليه الساعة واقفة على 915.
في تلك اللحظة…
أدار محمود ساعة الجيب بين يديه.
فسمع الجميع صوت تك.
وانفتح الغطاء الخلفي للساعة تلقائيًا.
وفي داخله…
كانت هناك ورقة مطوية بعناية، أصغر من كف اليد، مكتوب عليها بخط واضح
لا تفتحوا الملف الأول… قبل قراءة هذه الرسالة أمسك رئيس مجلس الإدارة بالورقة الصغيرة بحذر شديد.
كانت قديمة، لكن الحبر ما زال واضحًا.
فتحها ببطء، وبدأ يقرأ
إذا وصلتم إلى هذه الرسالة، فاعلموا أن الخلاف لم يكن بسبب المال… بل بسبب قرار واحد غيّر مصير الشركة.
رفع رأسه وقال
قرار واحد؟
أعاد القراءة بصوت مسموع
في اجتماع يوم 12 مايو، اتخذ المؤسسون قرارًا بالإجماع، لكن بعد انتهاء الاجتماع طلب أحدهم تسجيل اعتراض سري، ووضعناه في مظروف منفصل.
نظر الجميع إلى بعضهم.
قال محمود بدهشة
أنا كنت حاضر الاجتماع… لكن عمري ما سمعت عن اعتراض سري.
ابتسم المستشار فؤاد وقال
لأنك خرجت قبل نهاية الجلسة بخمس دقائق.
ساد الصمت.
أكمل رئيس المجلس قراءة الرسالة
المظروف السري لا يوجد داخل الخزنة… بل في مكان لا يمكن لأحد أن يبحث فيه.
همس أحد المستثمرين
يعني لسه في مستندات تانية؟
في تلك اللحظة، اقتربت موظفة الأرشيف من أحد الرفوف القديمة داخل المخزن.
وقالت
حضرتك… بصوا هنا.
التفت الجميع.
كان على الحائط إطار خشبي قديم يحمل أول رخصة تجارية للشركة.
لكن الإطار كان مائلًا قليلًا.
نزعه أحد العمال…
فوجد خلفه تجويفًا صغيرًا في الحائط.
وبداخله…
مظروف بني مغلق بالشمع الأحمر.
تقدم المستشار فؤاد، ونظر إلى الختم، ثم ابتسم.
وقال
ده هو الاعتراض السري…
مد رئيس مجلس الإدارة يده ليفتحه…
لكن فجأة انطفأت أنوار المخزن بالكامل.
وسمع الجميع صوت باب حديدي ضخم يُغلق من تلقاء نفسه.
ثم دوّى صوت مجهول في المكان يقول
لو اتفتح الظرف… الحقيقة هتخرج، لكن حد منكم مش هيخرج من هنا بنفس المكانة اللي دخل بيها تجمد الجميع في أماكنهم.
نظر بعضهم إلى بعض في خوف، بينما أضاءت مصابيح الطوارئ المخزن بضوء خافت.
قال أحد العمال وهو يرتجف
الصوت ده جاي منين؟!
تقدم المستشار فؤاد نحو الحائط، ثم ابتسم ابتسامة هادئة.
وقال
متخافوش… ده نظام إنذار صوتي قديم.
نظر إليه رئيس مجلس الإدارة باستغراب.
أكمل المستشار
المؤسس الأول ركّبه وقت إنشاء المخزن. كان بيشتغل تلقائيًا لو حد فتح التجويف السري لأول مرة.
تنفس الجميع الصعداء.
لكن التوتر لم يختفِ.
رفع رئيس المجلس المظروف البني.
كان أثقل مما توقع.
قال محمود
افتحه.
وقبل أن يقطع الختم، لاحظ وجود كتابة صغيرة جدًا في أسفل الظرف.
قرأها بصوت منخفض
لا يُفتح إلا بحضور جميع من حضر اجتماع 12 مايو.
ساد الصمت.
بدأ رئيس المجلس يعدّ الأسماء الموجودة في محضر الاجتماع القديم.
ثم رفع رأسه ببطء.
وقال
إحنا ناقصنا شخص واحد.
سأله شريف بسرعة
مين؟
أجاب وهو ينظر إلى السجل
المهندس عادل منصور… مدير المشروعات وقتها.
رد محمود بحزن
بس هو استقال وسافر من أربع سنين، ومن يومها محدش يعرف مكانه.
وفي تلك اللحظة…
رن هاتف موظفة الاستقبال.
ردت، ثم اتسعت عيناها.
قالت وهي تنظر إلى الجميع
في راجل تحت بيقول إن اسمه عادل منصور… وبيقول إنه رجع لأنه وصلته رسالة بالبريد من أسبوع، مكتوب فيها إذا فُتحت الخزنة… احضر فورًا.
نظر الجميع إلى بعضهم في ذهول.
أما المستشار فؤاد، فاكتفى بابتسامة غامضة وقال
واضح إن المؤسس الأول كان مخطط لكل خطوة… حتى بعد كل السنين دي ظل رئيس مجلس الإدارة ينظر إلى أول سطر لعدة ثوانٍ دون أن ينطق.
ثم أعاد قراءة السطر مرة أخرى، وكأنه يريد أن يتأكد أنه لم يخطئ.
قال محمود بقلق
فيه إيه؟
رفع رئيس المجلس الورقة ببطء وقال
الورقة دي مش اعتراض على قرار… دي محضر اجتماع سري.
ساد الصمت.
أخذ المستشار فؤاد الورقة، وأكمل القراءة بصوت مسموع
اتفق الحاضرون على إخفاء هذا المحضر حتى يحين الوقت المناسب، حفاظًا على استقرار الشركة ومنع أي خلاف بين الشركاء.
تبادل الجميع النظرات.
قال عادل
كمّل.
أخذ المستشار نفسًا عميقًا، ثم قرأ
وفي حالة ظهور أي نزاع مستقبلاً، يُعاد فتح هذا المحضر ليعرف الجميع أن الشركة قامت على التعاون، وأن أي نجاح يُنسب إلى جميع المؤسسين دون استثناء.
تنفس محمود براحة، وقال
إذن لم يكن هناك صاحب واحد لكل الفضل.
هز المستشار رأسه موافقًا.
لكن رئيس مجلس الإدارة قلب الصفحة…
فتوقف فجأة.
عقد حاجبيه وقال
غريب…
سأله شريف
في إيه؟
أجاب
آخر الصفحة مكتوب إن فيه مرفق رقم واحد… لكنه مش موجود.
بدأ الجميع يبحثون داخل المظروف.
لكن لم يجدوا أي مرفق.
قال عادل بهدوء
أنا فاكر المرفق ده.
التفتت إليه الأنظار.
قال
كان عبارة عن خريطة مرسومة بإيد المؤسس الأول.
سأله محمود
خريطة لإيه؟
رد
لمكان احتفظ فيه بأول نموذج للمشروع… قبل ما يتحول لشركة.
شهق أحد المستثمرين
يعني في مكان لسه محدش شافه؟
ابتسم عادل ابتسامة خفيفة.
ثم أخرج

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *