جوزي عنده عقم
جوزي عنده عقم كامل ودائم من تسع سنين… والتحليل اللي عمله بنفسه من شهرين أكد إن مستحيل يكون عنده أولاد! بس السؤال اللي جنّن رانيا كان أبشع من الصدمة نفسها أمال عمر ابننا جه منين؟!
رانيا كانت واقفة قدام التسريحة، ماسكة ورقتين بإيد بتترعش، ومش قادرة تستوعب اللي مكتوب قدام عينيها… تقرير طبي قديم بيحكي عن حادثة حصلت لطارق من تسع سنين، وتحليل حديث عمله بنفسه من شهرين، والاتنين بيأكدوا نفس الحقيقة عقم كلي ودائم وضمور كامل يستحيل معاه الإنجاب. رانيا فضلت باصة للورقتين وهي مش عارفة تعمل إيه… لأن عمر مش طفل غريب! عمر ابنهم اللي عنده ست سنين، واللي طارق طول عمره شايفه ابنه، وبيضحك لما حد يقوله إن الولد نسخة منه! لكن دلوقتي… لو طارق فعلًا مستحيل يخلف، يبقى عمر جه إزاي؟! والأخطر من كده… يبقى ابن مين؟!
في اللحظة دي، سمعت صوت مفتاح بيلف في باب الشقة… طارق رجع من الشغل. ولما دخل الأوضة وشاف الورق في إيد رانيا، وشاف الدموع والرعب في عينيها، وشه اتغير في لحظة! وقف مكانه وبص لها وقال بصوت مخنوق إنتِ… جبتي الورق ده منين يا رانيا؟! رانيا رفعت الورقتين في وشه وهي بتترعش جبتهم من الدرج المقفول يا طارق! الدرج اللي إنت قافله بقالك شهور!
لكن طارق بدل ما ينكر… اعترف لها بالحقيقة اللي كان مخبيها
عنها بقاله شهرين التحليل اللي عمله من شهرين صح يا رانيا… أنا فعلًا ما بخلفش! رانيا اتجمدت مكانها… لكن اللي قاله طارق بعدها كان كفيل إنه يهدم بيتهم كله لو أنا عندي عقم دائم من زمان… يبقى عمر جه إزاي يا رانيا؟! رانيا بصت له وهي مش مصدقة اللي سمعته إنت… إنت بتشك فيا أنا؟!
وفي لحظة واحدة، كل السنين اللي عاشوها مع بعض اتحولت لشك وخوف واتهامات… رانيا بتحلف إنها عمرها ما خانته… وطارق مش قادر يفهم إزاي طفل عاش ست سنين قدامه، وهو أبوه، وفي نفس الوقت كل التحاليل بتقول إنه مستحيل يخلف! لكن الاتنين قرروا يعملوا تحليل DNA لعمر… يمكن التحليل هو اللي ينهي كل حاجة… أو يمكن يكشف سر محدش كان يتخيل إنه موجود أصلًا! وأسبوع كامل مر عليهم كأنه سنة… لحد ما جه اليوم اللي هيستلموا فيه النتيجة!
طارق كان ماسك الظرف الابيض بإيده اللي بتترعش كأنه ماسك جمر مش ورق، وكل دقيقة بتمر عليها كأنها سنة كاملة. رانيا كانت واقفة جنبه في صالة الشقة، عيونها مش عارفة تتركز في حاجة، وكل صوت بيدق في دماغها زي الطبول لو مش ابنه… يبقى ابن مين؟ ولو مش ابني ولا ابنه… يبقى مين جابوه لينا؟ هو فتح الظرف ببطء شديد، ويده كانت بتزلق من العرق، ولما شاف الكلام المكتوب بخط واضح فوق الورقة، اتجمد كل حاجة في المكان.
رانيا قربت منه بخطوة مترددة، وقالت بصوت مكسور بالكاد بيتسمع إيه اللي مكتوب يا طارق؟ قولي لي الحقيقة مهما كانت… خلاص مفيش حاجة تخسرها. طارق رفع عينيه عليها، وعيونها مليانة دموع وذهول، وقال بصوت متهدج مفيهوش أي نبرة شك أو غضب، بس صدمة أكبر من أي حاجة النتيجة بتقول… إنني مش أبوه بيولوجيًا يا رانيا… وإنكِ مش أمّه بيولوجيًا كمان!
رانيا سمعت الكلام ده وحست إن الأرض اتشقت تحت رجليها، ومش عارفة كانت واقفة ولا قاعدة ولا طاحت على الأرض. صوتها طلع كأنه صوت حد تاني مش أمّه؟ إزاي يعني؟ أنا اللي ولدته! أنا اللي تعبت فيه تسع شهور! أنا اللي ربيته من يوم ما جابوه لي في المستشفى! إزاي تقول إنني مش أمّه؟! وقعت على الكنبة وبدأت تعيط بصرخة مكتومة، وطارق قعد جنبها ومسك كفيها، وكل الشك والغضب اللي كان جواه طار وحل محله خوف مش عارف مصدره أنا مش بشك فيكِ يا رانيا… من أول يوم قلت لي على الحقيقة، عرفت إنكِ عمرك ما تكذبي عليّ ولا تعملي حاجة تجرحني. بس السؤال دلوقتي بقى أكبر مننا الاتنين عمر ابن مين؟ وكيف وصل لينا؟ ومين اللي لعب بنا وبحياتنا كل السنين دي؟
مر يومين والاتنين مش عارفين يناموا ولا ياكلوا، وعمر كان حاسس إن في حاجة غلط في البيت، فكان قاعد جنب أمه ومسك إيدها وقال ببراءة ماما ليه بتعيطي؟ أنا عملت حاجة غلط؟ بابا ليه مش بيضحك لي زي كل يوم؟ رانيا ضمته لصدرها بقوة كأن حد حيسرقه منها، وباست راسه وقالت بصوت مهزوز لا يا حبيبي يا روح ماما، إنت ما عملت ولا حاجة غلط. كل حاجة هتكون تمام، صدقني.
طارق شاف المنظر ده ودمعته نزلت، وعرف إن مهما كانت الحقيقة، عمر ده ابنه بالدم والروح، مش بالتحاليل والورق. لكنه لازم يعرف الحقيقة، لازم يعرف مين اللي خدعهم وعبث بمصيرهم. بدأوا يفتكروا في كل تفاصيل اليوم اللي وُلد فيه عمر، كل حاجة صغيرة ولا كبيرة. رانيا قالت وهي بتحاول تسترجع الذكريات أنا كنت في مستشفى النور في العباسية، الدكتورة اللي كانت معايا اسمها سمية كامل. كانت فترة ولادة صعبة، وفقدت وعيي لمدة يوم كامل. ولما صحيت، جابولي الطفل وقالوا لي ده ابنك، وكنت سعيدة ومش مصدقة، وطارق كان جاي لي وقال لي إنه شبهي في كل حاجة…
طارق مكمل عليها أنا كنت فرحان بيكِ وبالولد ده لدرجة إنني ما شفتش أي تفاصيل غريبة. كنت جاي من الحادثة بتاعتى قبل كده بفترة صغيرة، والطبيب قال لي إن الأمر محتاج متابعة، وكنت خايف أقولكِ حاجة عشان ما أضيعش فرحة العمر دي. ومرت السنين، وكنت بشوف الولد شبهي في الحركات والضحكة، وقلت يمكن التحاليل غلط، أو إن الحادثة ما أثرتش بالكامل… لحد ما عملت التحليل من شهرين واتأكدت من الحقيقة.
قرروا يروحوا للمستشفى نفسها،