جوزي عنده عقم
يسألوا ويتحققوا. لما وصلوا، مدير المستشفى كان متردد في البداية، ولما قصوا عليه الحكاية كلها ووروه التحاليل والورق القديم، قال لهم بصوت خافت هذه الحالة قديمة، والملفات بتاعت تلك الفترة ممكن تكون ضاعت أو اتلفت. بس الدكتورة سمية ما زالت عايشة وساكنة في منطقة المطرية، ممكن تسألوها هي.
ذهبوا لبيت الدكتورة سمية، ولما فتحت لهم الباب وشافت الورق في إيدهم، اتغير لون وجهها وبدأت تترعش. دخلتهم البيت وقعدت قدامهم وقالت بصوت متهدج أنا كنت عارفة إن اليوم ده هيجي في يوم من الأيام… الحقيقة تقيلة ومؤلمة، ومحدش كان عايز يخبركم بيها عشان ما يخرب حياتكم. رانيا قالت بلهفة قولي لي يا دكتورة أرجوكِ… عمر ابن مين؟ وكيف وصل لينا؟ ومين اللي عمل كده؟
العجوز أخذت نفس عميق وبدأت تحكي لهم السر اللي كان مخبي تحت التراب ست سنين في نفس الوقت اللي ولدتي فيه يا رانيا، كانت في سيدة تانية في نفس المستشفى، اسمها سلوى، كانت ولادة أولى ومتعسرة جداً. كانت متزوجة من رجل أعمال كبير اسمه كمال الجمال، وكان عايز ولد بأي شكل، ولو كانت بنت كان طلقها واخد كل أموالها وملكها. ولما وُلد الولد، جالها سكتة قلبية وماتت في نفس اللحظة. وابن عمها اللي كان جاي معاها، كان عارف إن كمال ده هيقتل الطفل لو عرف إن امه ماتت، فجالي وعرض عليّ فلوس كتير عشان أبدل الطفل بطفل تاني، وقلت له مفيش أطفال تانيين في نفس الوقت، فقال لي خليه عند أي عيلة محترمة ومش هتكلم ولا تسأل. وكنت عارفة إنكِ يا رانيا وزوجك طارق عايزين أطفال بجد، وإن طارق كان عنده مشكلة في الإنجاب ومش عايز يخبر حد، فخفت أقولكِ الحقيقة وتتعبي أكتر، فأعطيتك الطفل ده وقلت لكِ ده ابنكِ، وقلت لطارق إنه شبهه ومفيش أي مشكلة. والفلوس اللي اخدتها ما صرفتش منها ولا قرش واحد، كلها في صندوق في الدولاب ده، وكنت مستعدة أدفعها في أي وقت لما ألقى الفرصة المناسبة.
طارق ورانيا اتسمروا مكانهم، ومش عارفين يردوا بكلمة. فجأة سمعوا صوت باب الشقة بتاعهم بيخبط بقوة، ولما طارق فتح، لقى رجلين ضخامين، ووراهم رجل في الخمسينات من عمره، لابس بدلة غالية ومظهره يوحي بالقوة والسلطة، وعيونه بتشع بغضب لا حدود له. قال الرجل بصوت عالٍ أنا كمال الجمال! أين ابني؟ أعطوني ابني حالاً وإلا هدمت عليكم البيت ومن فيه!
رانيا وقفت قدامه وضم عمر لظهرها وقالت بصوت عالٍ مفيهوش أي خوف ابنك مش هتاخده أبداً! عمر ده ابني وابن طارق، ومش هيسيبوه مهما كان السبب! كمال ضحك بصوت عالٍ مليان استهزاء أنتِ مجنونة؟ ده ابني وريثي الوحيد! ما لكمش فيه أي حق! أنا دفعت فلوس كتير وعملت تحريات وعرفت كل حاجة! الطفل ده اتسرق مني وسلم لكم، والحق راجع لصاحبه!
طارق قرب منه وقال بصوت هادئ لكنه حازم الحق مش بالفلوس والسلطة يا سيد كمال. الحق بالتربية والحنان والسنوات اللي قضيناها معاه. لو انت عايزه حقاً، تعالى نعرفه، لكن مش هتاخده مننا بالقوة، ولازم نعرف الحقيقة كاملة من أولها لآخرها.
بدأت الأيام الصعبة، كمال استخدم كل وسائل النفوذ والفلوس، جاب محامين، وهدد، وحاول يخطف الطفل أكتر من مرة، لكن طارق ورانيا كانوا أقوى من كل حاجة، ووقفوا جنب بعض كالجبل، وكل المحاولات فشلت. وظهرت حقائق تانية في الطريق ابن عم سلوى كان خايف من كمال لأنه كان بيتعامل مع تجار الممنوعات وملوك السوق السوداء، وكل أمواله حرام ومش نظيفة، وحتى أموال سلوى كانت مسروقة من أهلها، وكمال كان عايز الولد عشان ياخد كل الميراث ويربطه بأعماله الملوثة من صغره.
وفي يوم من الأيام، جالهم خبر إن كمال اتقبض عليه في قضية تهريب وغش تجاري، وكل أمواله وممتلكاته اتجمدت، واتحكم عليه بالسجن لمدة طويلة. وطارق ورانيا راحوا للمحامي بتاعه، وعرضوا عليه الحقيقة كلها، وقدموا كل الأدلة، وقرروا يعملوا تحليل DNA تاني في مكان تاني، ونتيجتها أكدت نفس الكلام عمر مش ابن طارق ولا ابن رانيا، لكنه ابن سلوى وكمال.
المحكمة قررت إن حضانة الطفل تظل لطارق ورانيا، لأنهم الأقدر على تربيته وتوفير الحياة السليمة والأمنة له، وإن كمال فقد كل حقوقه لما أثبتت الأدلة إنه شخص غير أهل للتربية وله تاريخ في الجرائم والانحراف.
في ليلة من الليالي، والثلاثة قاعدين جنب بعض على السطح، وبينظرين للنجوم، عمر قال بصوت هادئ بابا، ماما، ليه الناس بتقول لي إنني مش ابنكم؟ طارق ضمّه لصدره وقال وهو بيمسح على شعره يا حبيبي يا نور عينيا، البنوة مش بالدم ولا بالتحاليل والورق. البنوة بالحب والتربية واللي بنعيشه مع بعض. أنت روحنا وابننا مهما قالت الناس ومهما كانت الأوراق تقول إيه. ومفيش حاجة تغير ده أبداً. رانيا مسكت إيده وقالت بابتسامة مليانة دموع فرح صدق كلام بابا يا عمر. أنت جيت لينا في الوقت اللي كنا محتاجينك فيه أكتر من أي حاجة في الدنيا، وربنا جابك لينا عشان تكمل فرحتنا، ومش هيسمح لأحد يفرق بيننا أبداً.
وبعد مرور سنة، اتغيرت أحوالهم كتير، وطارق فتح مشروع صغير ناجح، ورانيا رجعت لعملها كمعلمة، وعمر كبر شوية وبدأ يفهم الحقيقة بالشكل اللي يناسب سنه، وظلوا أسرة واحدة مترابطة، والسر اللي كان هيدمرهم هو اللي جمعهم أكتر وأكتر، وعرفوا إن الحب الصادق أقوى من أي سر، وأقوى من أي ورقة أو تحليل، وأقوى من كل الفلوس والسلطة في الدنيا. وكل ما حد يسألهم عن الحكاية، يقولوا له اللي ربنا جمعه، ما حدش يقدر يفرقه. واللي جابه الحب، بيضل بالحب للأبد.