لما عايرته بمرتبه ج١ منى السيد
**الفصل الثاني**
فضلت واقفة في نص الأوضة مش حسة برجلي، والتليفون اللي وقع على السجادة كان يرن ويكتب اسمه على الشاشة، لكن صوابعي كانت متجمدة، مش قادرة أمد إيدي وأرفعه.
الرسالة اللي قريتها قبل ما الموبايل يقع من إيدي كانت عبارة عن سطرين اثنين، بس كانوا كفيلين يهدوا كل حاجة بنيتها في خيالي:
> “كل شيء قسمة ونصيب يا منى. الشغل الجديد خطوة كنت محتاجها لنفسي مش عشان أثبتلك حاجة. والشبكة والحاجة بتاعتك هتكون عندك بكره. أتمنى تلاقي الراجل اللي يقدر يملى عينك ويتناسب مع طموحاتك ومادياتك.”
>
نزلت على ركبي بأيدين بترتعش، ورفعت التليفون تاني وحاولت أقرأ الكلمات مرة وتنين وثلاثة، يمكن أكون قريت غلط، يمكن أكون ظلمته أو فهمت الكلام بأسلوب اندفاعي زي عادتي… لكن الكلمات كانت واضحة وسريعة زي ضربة السك\ينة.
اتصلت بيه تاني وتالت ورابع… الشبكة كانت بترن لحد ما يرجع يعطيني غير متاح، وبعدها التليفون اتقفل خالص.
أتاري الهدوء اللي كان فيه طوال الأيام اللي فاتت ما كانش زعل عابر، ده كان هدوء القرار الإنساني الأخير.. الراجل كان بياخد وقته عشان يترتب ويرتب أفكاره وياخد خطوة الخروج من حياتي بأقل خسائر لنفسيته وكبرياءه.
دخلت عليا أمي الأوضة وهي شايلة الفستان اللي المفروض كنت هقيسه عشان كتب الكتاب بعد أيام. أول ما شافت منظري وأنا قاعدة على الأرض والموبايل في إيدي وعيني مدمعة ومثبتة في الفراغ، اتخضت وقالتلي:
* “في إيه يا منى؟ مالك يا بنتي قاعد كده ليه؟ الفستان أهو وصلت أختك بيه من عند الخياط، قومي قيسيه!”
بصيت لأمي بصة غريبة، حاسة إن لساني تقيل ومش قادرة أطلع كلمة. بلعت ريقي بصعوبة وقلت بصوت مكتوم:
* “مصطفى… مصطفى فركش يا أمي.”
أمي الفستان وقع من إيدها وصوتت بصوت واطي وهي بتقرب مني:
* “يعني إيه فركش؟! إنتي بتتكلمي جد؟ ده كتب الكتاب فاضل عليه أسبوع! العزومات اتوزعت والناس عرفت، فركش إزاي يعني؟ إيه اللي حصل بينكم؟!”
ما عرفتش أقولها إيه. أقولها إني قللت منه؟ أقولها إني قولتله مش هتاخد جنيه من مرتبي وبصيتله بنظرة تقليل؟ أقولها إنه أثبتلي إنه راجل بجد، بس في نفس الوقت قرر إن وجودي في حياته بقى شيء ب يقلل منه؟
تليفون أمي رن في نفس اللحظة، وكانت والدة مصطفى. أمي ردت بسرعة وهي بترتعش:
* “أهلاً يا أم مصطفى… خير؟ منى بتقولي كلام غريب كده مش فاهمة منه حاجة!”
سمعت صوت أم مصطفى من التليفون، كان صوتها جاد، فيه زعل مكتوم وكرامة مرفوعة:
* “والله يا أم منى، مصطفى بلغنا بالقرار ده النهاردة. وقال إن كل حاجة بينه وبين منى انتهت بالتراضي، وإن الشبكة والهدايا هتتوزع وترجعلكوا بكره مع أخته. مصطفى شايف إن ربنا ما كتبش بينكم نصيب، وإحنا بنحترم رغبته… ربنا يوفقها مع حد أحسن.”
أمي اتصدمت وبدأت تعلي صوتها:
* “يا أم مصطفى ده كلام ناس عقلاء؟ كتب الكتاب فاضل عليه أيام! في إيه حصل اصبري نفهم!”
ردت أم مصطفى بهدوء يوجع أكتر من الزعيق:
* “ابني ما بيتسرعش يا أم منى، وإنتي عارفاه. ولما ياخد قرار زي ده بعد تفكير، يبقى اكيد في حاجة كسرته… والكسر في كرامة الراجل ما بيتصلحش بسهولة. سلام عليكم.”
الخط اتأفل. وأمي بدأت تصرخ عليا وتسألني بغضب:
* “عملتي فيه إيه؟ قوليلي الصراحة! الراجل ده كان متمسك بيكي وبيحبك، إيه اللي دار بينكم خلي خلاه يبيع بالبساطة دي ويفضل ينهي كل حاجة قبل كتب الكتاب بأيام؟”
حكيت لأمي اللي حصل… حكيتلها عن مكالمة الـ 30 ألف والـ 10 آلاف، وعن جملتي اللي قلتها بثقة وجفاء، وعن كلامنا في الكافيه.
أمي بصتلي بنظرة خيبة أمل عمرها ما بصتهالي قبل كده، وقعدت على السرير وهي بتهز رأسها:
* “إنتي يا منى؟ إنتي تسيبي غرورك بمرتبك يخليكي تدوسي على راجل شاريكي عشان فرق فلوس؟ الراجل ما يعيبوش إلا قلة أدبه أو قلة كرامته، ومصطفى طول عمره مكافح وابن ناس. فاكرة لما كان بيجيلك أخر الدنيا عشان يطمن عليكي؟ فاكرة لما كان بيمشي ويقتطع من قوته عشان يجيبلك هدية تفرحك؟ فاكرة لما صبر معاكي في كل الظروف؟ جاية دلوقتي عشان بقيتي بتاخدي مرتب أكبر تنسي كل ده وتقوليلو إنت مش هتاخد من مرتبي؟ إنتي فاكرة الراجل بيتقاس بالورق اللي في جيبه؟”
دموعي نزلت بجد ساعتها. الكلام كان بيجرحني بس كنت عارفة إنه صح. أنا افتكرت إن صراحتي وقوتي استحقاق، بس الحقيقة إنها كانت قسوة وغرور متغطي بشعار “طموح”.
عدت الليلة دي وأنا مش عارفة أنام. كل ما أغمض عيني، أفتكر نبرة صوته في الكافيه لما قاللي: “إنتي مؤمنة بالفلوس… مش بيا.”
الكلمة كانت بتتردد في وذني زي الجرس. هو ما جرحنيش، ما شتمنيش، وما اتخانقش معايا… هو بس انسحب بهدوء ودور على حقه في مكان تاني، وثبت لنفسه وللعالم إنه قادر ينجح، بس اختار إن النجاح ده ما يكونش معايا.
تاني يوم الصبح، جرس الباب رن.
كانت أخته الكبيرة ومعاها علبة المطبخ والشنط اللي فيها الهديا والشبكة. دخلت بابتسامة هادية لكن رسمية جداً.
أمي استقبلتها بكسوف وخجل، لكن أخت مصطفى كانت واضحة ومحددة:
* “طنط، دي الشبكة والحاجة بتاعة منى كلها كاملة زي ما خدناها. مصطفى وصاني أطمن إن كل حاجة وصلت لحضرتك، وبيقولك إنه بيحترمك جداً وما يظنش إن فيه نصيب يكمل.”
طلعت من أوضتي ووقفت قدامها، كان شكلي مجهد وعيني منفخة من البكاء. قلتلها بنبرة ترجي:
* “سارة… أنا عايزة أكلم مصطفى. هو فاهم الموضوع غلط، أنا والله ما كان قصدي أهينه.”
سارة بصتلي بهدوء وقالتلي كلام نزل عليا زي التلج:
* “منى… مصطفى مش زعلان. مصطفى استوعب. والفرق كبير بين الراجل الزعلان والراجل اللي استوعب. الزعلان ممكن يرضى بكلمة حلوة أو اعتذار، لكن اللي بيستوعب قيمته وبيعرف إن الشخص اللي معاه شايفه عالة أو أقل منه، خلاص بيمشي وما بيلتفتش وراه. مصطفى الشغل الجديد ده جاله من فترة وكان خايف يخوض التجربة، بس كلامك كان الدفعة اللي خلت عنده طاقة إثبات ذات… هو بشكرك على فكرة، بس مش عايز يكمل معاكي.”
الكلام كان حاد وقاسي، بس حقيقي.
سارة سابت الشنط ومشت، وأنا فضلت واقفة في نص الصالة مش عارفة أعمل إيه.
صاحبتي اللي كانت بتقولي إنتي قاسية اتصلت بيا، وحكيتلها اللي حصل.
قالتلي:
* “منى… إنتي غلطتي، بس لو بتحبيه فعلاً ولازم تنقذي الموقف، ما ينفعش تسيبيه يضيع بسهولة كده. انزلي وقابليه في شركته الجديدة، اتكلمي معاه وش لوش. التليفونات والرسائل مش هتعمل حاجة.”
الكلمة دخلت في دماغي. أنا مش متعودة إني أخسر، ومش متعودة إن حد ينسحب من حياتي بالسهولة دي، والأهم من ده كله… أنا اكتشفت إني بحبه بجد، وإني اتعودت على وجوده السند الحقيقي في حياتي، بس غبائي وطمعي في الصورة الكملية عموني عن حقيقته.
قررت أروحله.
عرفت مكان الشركة الجديدة من على صفحته في السوشيال ميديا. كانت شركة استشارات مالية كبيرة في التجمع الخامس.
لبست شيك جداً، وحاولت أداري آثار البكاء بالميكأب، وركبت عربيتي وطلعت على هناك.
وصلت المبنى، كان فخم جداً. دخلت الريسيبشن وسألت عن الأستاذ مصطفى في قسم المحاسبة والاستشارات.
الموظفة بصتلي وقالتلي:
* “أستاذ مصطفى عنده اجتماع حالياً، ممكن تنتظريه في الاستراحة.”
قعدت في الاستراحة والوقت كان بيمشي بطيء جداً. كل دقيقة بتعدي عليا كأنها سنة.
كنت بشوف الموظفين طالعين نازلين، وبفكر: هل مصطفى بقى جزء من المكان ده؟ هل بقى المكان ده بيدي له القيمة اللي كان يدور عليها وملاقهاش معايا؟
بعد حوالي ساعة، باب قاعة الاجتماعات اتفتح.
طلع مصطفى وهو لابث البدلة الكحلي، متأنق جداً، وشكله مختلف تماماً عن مصطفى اللي كنت بشوفه بالقميص المربعات البسيط اللي بيجري بيه في المصالح الحكومية والشركات الصغيرة. كان بيتكلم مع مدير الشركة بثقة، وبيبتسم بثبات.
أول ما عينه جت عليا وهو طالع من القاعة، ابتسامته اختفت نهائياً.
وقف مكانه لحظة، وبعدين استأذن من مديره وقرب مني بتمهل.
وقف قدامي، والمسافة بيننا كانت متر واحد، بس كنت حاسة إن بيننا جبال.
قال بصوت واطي وهادي:
* “منى؟ إنتي إيه اللي جابك هنا؟”
قلتله بنبرة مرتعشة ومخفوضة:
* “مصطفى… محتاجة أتكلم معاك 5 دقايق بس. أرچوك ما ترفضش.”
بص حواليه للموظفين، وبعدين أخد نفس عميق وقال:
* “تعالي نطلع في الكافيتريا اللي في الرووف.”
طلعنا الرووف، الهواء كان شديد والمكان فاضي.
أول ما وقفنا، بصلي وقال بجمود:
* “خير يا منى؟ أظن الرسالة كانت واضحة، والحاجة وصلتلك البيت الصبح.”
دموعي خانتني ونزلت، مسكت إيده بسرعة لكنه سحب إيده بهدوء شديد ورجعها في جيبه.
قلتله وأنا بتمتم:
* “مصطفى أنا آسفة… أنا أغبي إنسانة في الدنيا. أنا ما كانش قصدي أقلل منك ولا أهينك. أنا بس كنت عايزاك تكون أحسن، بس استخدمت أسلوب زبالة… أنا بحبك يا مصطفى، وما أقدرش أتخيل إن كتب كتابنا اللي فاضل عليه أيام بيتغى بالشكل ده! إديني فرصة تانية، أرجوك… أثبتلك إني اتعلمت الدرس.”
مصطفى بصل للبنايات البعيدة، وابتسم ابتسامة مكسورة وقال:
* “عارفة يا منى… أنا الموقف ده ما زعلنيش منك، ده نبهني. إنتي ما غلطتيش في الأسلوب بس، إنتي كشفتي عن النظرة اللي جواكي ليا. إنتي كنتي شايفاني “مشروع راجل” محتاج تعديل وتطوير عشان يناسب مقامك المادي… مش راجل بتبني معاه حياتك وتستحمليه في حلوه ومُره.”
كمل وهو بيبص في عيني بجمود مرعب:
* “أنا جالي الشغل ده بعيداً عن كلامك، بس كلامك أدافي القلم اللي صحاني من الغفلة. أنتي أعدتي صياغة مشاعري ناحيتك… أنا مبقتش خايف من الفقر أو المرتب القليل، أنا بقيت خايف أعيش مع حد يشوفني أقل منه في يوم من الأيام، أو يمن عليا بمرتبه لما الظروف تضيق.”
مسكت أيده تاني وقالتله بعياط:
* “والله مش هعمل كده تاني! والله أنا مستعدة أستقيل من شغلي خالص لو ده يرضيك ويثبتلك إن الفلوس مش فارقة معايا!”
ضحك بصوت واطي وموجوع:
* “تستقيلي؟ إنتي كده برضه بتفكري بنفس الطريقة… فاكرة إن المشكلة في الشغل أو المرتب! المشكلة في الفكرة يا منى… إنتي مش شايفاني الراجل اللي تفخري بيه، إنتي شايفاني الراجل اللي ينفع تحتويه بشرط إنه يتغير عشان يرضيكي.”
قرب مني خطوة، وقال نبرة حاسمة قطعت كل أمل جوايا:
* “كتب الكتاب اتلغى، والناس كلها عرفت، وأنا حياتي الجديدة بدأت من النهاردة… ومفيش ليها مكان ليكي فيها.”
لف دهره وكان هيمشي، فصرخت فيه بصوت مكتوم:
* “يعني خلاص كده؟ بتبِيع كل السنين دي في لحظة زعل؟!”
وقف وهو مديها ضهره، وما التفتش، وقال كلمة واحدة قبل ما يدخل من باب الأسانسير ويسيبني لوحدي في الرووف:
* “أنا مابعتش… أنا اشتريت نفسي.”
نزلت من الشركة وأنا حاسة بانهيار كامل. كل حاجة حولي كانت بتدور. دخلت عربيتي وقعدت أعيط بحرقة، مش بس عشان خسرته، بس عشان اكتشفت إن الغرور ممكن يهد أحسن حاجة في حياة الإنسان في لحظة غباوة.
عدى يومين، وأنا محبوسة في أوضتي برفض الأكل والكلام مع أي حد.
أمي كانت بتدخل تحاول تهديني، بس أنا كنت حاسة إن الحياة وقفت.
وفجأة… يوم الخميس، اليوم اللي كان المفروض يكون يوم كتب كتابنا…
تليفوني رن برقم غريب.
رديت بصوت مجهد: “ألو؟”
جالي صوت ست كبيرة، صوتها كان باين عليه التوتر والقلق الشديد:
* “ألو… معايا أنسة منى؟”
رديت: “أيوه… مين معايا؟”
قالتلي بصوت بيرتعش:
* “أنا خالة مصطفى يا بنتي… الحقينى يا منى، مصطفى عمل حادثة كبيرة بالكرتة على طريق السخنة وهو راجع من شغل الشركة… وهو حالياً في المستشفى في العناية المركزة، وفي غيبوبة، والموبايل بتاعه مفيش عليه غير رقمك مكتوب عليه (منى) في القائمة السريعة…”
التليفون اتزحلق من إيدي تاني، وحسيت الدنيا كلها اسودت في وشي…