وصلتني الرسالة وإيدي بدأت ترتعش، لكني مسحت دموعي بسرعة. أول غلطة كنت ممكن أعملها هي إني أخاف. أخدت الصورة ودققت فيها، ولاحظت حاجة غريبة جدًا... اللي صورني ماكانش واقف بعيد، زاوية التصوير كانت معناها إنه كان قريب مني جدًا، أقرب مما أتخيل. افتكرت فجأة موظف الأمن اللي وقف كريم وسأله عن بوابة السفر. ملامحه كانت مألوفة، لكنه ماكنش لابس الزي الرسمي كامل. وقتها بدأت أشك إن اللي حصل في المطار كله كان مترتب. فتحت تسجيل الصوت واتأكدت إنه محفوظ، وبعت نسخة منه على إيميلي وعلى حساب سحابي باسم مختلف، وبعدها مسحته من الموبايل. قلت لنفسي: "حتى لو أخدوا التليفون... الدليل مش هيضيع." لكن وأنا بقفل الشاشة، لقيت إشعار إن حد حاول يدخل على بريدي الإلكتروني من جهاز مجهول قبل دقائق. ساعتها عرفت إنهم سابقيني بخطوة، وإنهم بيحاولوا يمسحوا أي أثر قبل ما ألحق أتحرك... لكن اللي اكتشفته بعد ثواني كان أخطر من كل ده. دخلت أوضة المكتب وقفلت الباب بالمفتاح، وجبت اللابتوب القديم اللي كان بتاع أبويا. حطيت الفلاشة، وفتحت أول ملف. كان فيديو متصور من سنين. ظهر أبويا قاعد في مكتبه، وبص للكاميرا وقال: "يا يارا... لو بتشوفي الفيديو ده، يبقى أنا غالبًا مش موجود، ويبقى كريم حاول ياخد البيت." حسيت جسمي كله اتجمد. كمل وهو بيقول: "أنا ماكنتش مرتاح له من أول يوم، وعشان كده خليت كل حاجة متأمنة قانونيًا، وسيبتلك كل المستندات عند الشخص الوحيد اللي أثق فيه." بعدها ظهر اسم شخص وعنوان مكتبه على الشاشة. كنت هكتب الاسم بسرعة، لكن الفيديو وقف فجأة، وطلعت رسالة: "الجزء الثاني محمي بكلمة مرور." قلبت الفلاشة كلها، ملقتش كلمة السر. في اللحظة دي افتكرت إن أبويا كان دايمًا بيستخدم تاريخ معين... لكن قبل ما أجرب، سمعت صوت مفتاح بيلف في باب الشقة. اتسمرت مكاني. بصيت في الساعة، ولسه معاد رجوع كريم بدري جدًا. قفلت اللابتوب بسرعة، وخبيت الفلاشة في جيب البنطلون. الباب اتفتح، وسمعت صوته بينادي: "يارا... إنتِ رجعتي؟" حاولت أرد بصوت طبيعي، لكن قلبي كان بيدق بعنف. دخل الأوضة وهو مبتسم، وشكله هادي بشكل مستفز، وقرب مني وحضني وقال: "وحشتيني." لأول مرة في حياتي حسيت إن حضنه بارد وغريب. بص في عيني وقال: "كنتي فين النهارده؟" قلت بهدوء: "في المطار بودع صاحبتي." فضل يبصلي ثواني طويلة وكأنه بيقرأ ملامحي، وبعدها ابتسم وقال: "غريبة... أنا كمان كنت هناك." الجملة نزلت عليا زي الصاعقة، لأنه كان بيختبرني يشوف أنا شوفته ولا لأ. ابتسمت وقلت: "بجد؟ يا خسارة ماقابلتكش." ساعتها ابتسم هو كمان... لكن الابتسامة دي كان فيها حاجة خلتني أتأكد إنه مش مصدقني. بعد العشا دخل كريم ياخد دش، وساب موبايله على الكنبة. لأول مرة من سنين، الموبايل رن وهو في الحمام، والاسم اللي ظهر على الشاشة كان: "م. رانيا". الرنة وقفت، وبعدها وصلت رسالة قصيرة. فتحت شاشة الإشعارات من غير ما أفتح المحادثة، وكان مكتوب: "هي شكت في حاجة؟ ولو التسجيل وقع في إيدها هنضيع كلنا." في اللحظة دي سمعت صوت الميه وقف، وعرفت إن كريم هيخرج بعد ثواني... والموبايل لسه في إيدي.في أقل من ثانية رجعت الموبايل مكانه بنفس الوضع اللي كان عليه، وقعدت على الكنبة وفتحت التلفزيون كأني ماعملتش حاجة. خرج كريم من الحمام وهو بينشف شعره، أول حاجة عملها إنه بص على الموبايل. مسكه بسرعة، وقبل حتى ما يفتح الرسالة، رفع عينه وبصلي. كانت نظرة قصيرة، لكنها كفاية تخليني أفهم إنه بيختبرني. فتح الرسالة، وملامحه اتغيرت للحظة، لكنه رجع ابتسم وقال: "شكل الشغل مش هيسيبني حتى بالليل." هزيت راسي وقلت: "ربنا يعينك." لكنه فضل مركز في وشي أكتر من الرسالة، كأنه مستني غلطة واحدة تفضحني. وبعدها فجأة قال: "بالمناسبة... إنتِ قابلتي حد غريب النهارده؟" السؤال جه من غير أي مقدمات، وخلاني أعرف إنهم عرفوا إن حد سلمني الظرف في المطار... لكنهم لسه مش عارفين مين. طول الليل فضلت عاملة نفسي نايمة، بينما كريم كان كل شوية يقوم يخرج للبلكونة ويتكلم في التليفون بصوت واطي. حوالي الساعة اتنين بعد نص الليل، سمعت جملة خلت النوم يطير من عيني. قال: "فتشوا البيت كله... لازم الفلاشة تكون عندها." اتجمدت في مكاني، لأنه نطق الكلمة نفسها... الفلاشة. يعني هو عارف إنها موجودة، لكنه مايعرفش إنها معايا. استنيت لما رجع نام، وبعد ما اتأكدت إنه غط في النوم، طلعت الفلاشة من مكانها، ولبست بسرعة، ونزلت من العمارة بهدوء من غير ما أفتح باب الشقة الرئيسي، ونزلت من سلم الطوارئ اللي محدش بيستخدمه. أول ما وصلت الشارع، حسيت إن في عربية واقفة أنوارها مطفية قدام العمارة، وأول ما شافتني... دارت الموتور. وقفت أول تاكسي وعدى، وركبته بسرعة. قلت للسواق أول عنوان جه في دماغي، وهو عنوان المحامي اللي كان أبويا كاتبه في الفيديو. طول الطريق كنت ببص من الإزاز الخلفي، والعربية السودة ماشية ورانا على نفس المسافة. قلت للسواق يغير الطريق أكتر من مرة، وكل مرة كانت العربية تغير معانا. السواق نفسه بصلي في المراية وقال: "حضرتك حد بيتتبعك؟" حاولت أنكر، لكن ملامحي كانت فاضحاني. لما وصلنا قريب من مكتب المحامي، نزلت بسرعة وجريت على العمارة، بينما العربية وقفت على أول الشارع من غير ما تقرب... كأن اللي فيها مستني إشارة. طلعت الدور التالت، وخبطت على باب المكتب. فتحلي راجل كبير في السن، أول ما قلتله اسمي، اتغير لون وشه. دخلني بسرعة وقفّل الباب بالمفتاح، وقال بصوت منخفض: "أنا كنت مستني اليوم ده من سنين." طلعت له الظرف والفلاشة، فتنهد وقال: "أبوك كان عارف إن كريم طماع، لكنه ماكنش متوقع إنه يوصل للدرجة دي." بعدها فتح خزنة صغيرة في الحيطة، وطلع منها ملف عليه اسمي. الملف كان فيه أصل عقد البيت، وتوكيل رسمي يثبت إن أي توقيع خدعه كريم من يارا بعد الجواز لا ينقل الملكية، لأن البيت عليه شرط قانوني محدش يعرفه غير المحامي وأبويا. حسيت لأول مرة إن في أمل... لكن المحامي فجأة سكت وهو بيبص في شاشة كاميرات المراقبة. قربت منه، ولقيت شاشة الكاميرا مظهرة مدخل العمارة. العربية السودة وقفت تحت، ونزل منها كريم بنفسه... ومعاه رانيا. لكن اللي خلاني الدم يجمد في عروقي، إنهم ماكانوش لوحدهم. كان معاهم ظابط شرطة، وكان طالع السلم معاهم بسرعة، بينما كريم كان شايل في إيده ورقة وبيقول بثقة: "هي فوق... ومش هتخرج المرة دي قبل ما تسلم كل اللي معاها." وانتهى المشهد وأنا سامعة صوت خطواتهم وهي بتقرب من باب المكتب، والمحامي بصلي وقال: "لو فتحوا الباب... حياتك هتتغير للأبد."المحامي أخد نفسًا عميقًا، وبمنتهى الهدوء فتح درج مكتبه، وضغط على زر صغير مستخبي تحت الخشب. في أقل من ثانيتين، اتفتح باب جانبي كنت فاكرة إنه جزء من المكتبة. بصلي وقال: "ادخلي بسرعة... ومهما تسمعي برة، ماتطلعيش." دخلت وأنا قلبي هيقف، ولسه الباب بيتقفل عليا، سمعت خبط عنيف على باب المكتب. "افتح يا أستاذ سامي... معانا أمر بالتفتيش." صوت كريم كان واضح. لكن المحامي فتح الباب وهو مبتسم وقال: "اتفضلوا." من فتحة صغيرة في الباب السري كنت شايفة كل حاجة. الظابط دخل الأول، وبص حواليه، وبعده كريم ورانيا. كريم كان متوتر بشكل غريب، وفضل يلف بعنيه في كل ركن. قال للمحامي: "مراتي هنا... وأنا مبلغ إنها سرقت أوراق مهمة من البيت وهربت." أول ما سمعت الكلمة، كدت أصرخ. هو سبقني... وبلغ عني! الظابط سأل المحامي: "في حد غير حضرتك هنا؟" المحامي رد بثبات: "من ساعة ما فتحت المكتب وأنا لوحدي." كريم قرب من المكتب، وبدأ يفتح الأدراج بنفسه. كان بيدور بجنون. رانيا قالت وهي بتبص حواليها: "أكيد خبّت الفلاشة هنا." المحامي اتظاهر بالغضب وقال: "إنتوا بتفتشوا مكتبي بإذن مين؟" الظابط طلع الورقة اللي معاه، لكن المحامي أول ما قرأها ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "الغريب إن العنوان المكتوب في الإذن مش عنوان مكتبي أصلًا." الظابط اتفاجئ، وبص في الورقة، ولون وشه اتغير. كريم حاول يتكلم بسرعة: "أكيد مجرد خطأ..." لكن الظابط قاطعه وقال بحدة: "حضرتك قلتلي إن المعلومات مؤكدة." في اللحظة دي، أول مرة أشوف الخوف الحقيقي في عيون كريم. لكن قبل ما أي حد يتكلم... رن موبايل رانيا. بصت للشاشة، ووشها اصفر. خرجت بعيد وردت بصوت واطي، لكني قدرت أسمع آخر جملة قالتها: "إيه!... إزاي اختفى؟" قفلت المكالمة وهي مرتبكة. كريم قرب منها وهمس: "في إيه؟" قالت وهي بتحاول تتمالك نفسها: "الخزنة... الخزنة اللي في المكتب التاني... فاضية." كريم شهق وقال: "مستحيل!" رانيا ردت: "كل العقود... والشيكات... والأوراق... اختفت." في اللحظة دي المحامي بص ناحية المكان اللي أنا مستخبية فيه، وابتسم ابتسامة خفيفة، كأنه كان متوقع اللي حصل. لكن المفاجأة الأكبر كانت لما طلع من جيبه فلاشة تانية غير اللي معايا. رفعها قدام كريم وقال: "بتدور على دي؟" اتسعت عيون كريم بشكل مرعب. قال بصوت متقطع: "إنت... جبتها منين؟" المحامي قال بهدوء: "دي النسخة اللي كنتوا فاكرين إنها اتحرقت من سنتين." ساد صمت ثقيل. حتى رانيا رجعت خطوة لورا. كريم حاول يخطف الفلاشة من إيده، لكن الظابط منعه. المحامي قال: "قبل ما تتحرك خطوة... أحب أقولك إن اللي عليها مش بس تسجيلات... عليها كمان كاميرات ومحادثات وإيصالات تحويل تثبت كل اللي خططتله." ولأول مرة... اتكسر غرور كريم. لكن قبل ما الظابط يطلب منه يسلم نفسه... انفتح باب المكتب بعنف. ودخل رجل في أواخر الستينات، أول ما شوفته حسيت إن ملامحه مألوفة بشكل غريب. بص على كريم وقال جملة واحدة قلبت كل الموازين: "أنا الشريك الحقيقي في البيت... ولسه ماقولتش شهادتي."