روحت اتعشى انا وجوزي برا رشا خالد
بزيارة غداً الصبح!
وبعد أن أنهيتُ كلامي، ضغطتُ على زر الاتصال.
ابتسمتُ ابتسامة صغيرة وأنا أضع الهاتف في حقيبتي بعد أن أنهيتُ المكالمة الثالثة.
نظر إليّ سامح بدهشة امتزجت بذهول صامت، بينما أخذت أمي تفرك يديها وتترقب ما سيحدث وكأنها تنتظر بداية فيلم سينمائي!
مرت ثلاثة أيام فقط… وكان الحي يبدو في ظاهره هادئاً، لكن تحت هذا الهدوء كانت هناك عاصفة تُطبخ على نار هادئة.
في صباح اليوم الرابع، وتحديداً في تمام الساعة الحادية عشرة صباحاًوهو الوقت الذي تبدأ فيه هناء في إعداد مطعمها لاستقبال زبائن الغداءتوقفت ثلاث سيارات حكومية متتالية أمام باب المطعم прямо.
من الأولى، نزل مفتشو حماية المستهلك يحملون دفاترهم، ومن الثانية نزل رجال مصلحة الضرائب، أما السيارة الثالثة فكانت ضباط الحماية المدنية والحي.
كنتُ أقف في شرفة شقتي العلوية أشرب قهوتي بنشاط، وأمي بجواري تراقب المشهد بنظاراتها المكبرة!
شيرين! تعالي شوفي! دي الحكومة كلها تحت عند مطعم هناء! صرخت أمي بحماس مكتوم.
دخلت اللجنة الأولى كالصاعقة.
خلال دقائق معدودة، ساد الهرج والمرج داخل المطعم. خرج الشاب هيثم يركض مذعوراً ليتصل بهناء التي لم تكن قد وصلت بعد.
وبعد أقل من عشر دقائق، أقبلت هناء ترتدي عباءتها وتتسارع خطواتها، وقد طار من وجهها كل الكبرياء والغرور الذي واجهتنا به منذ أيام.
قفزت داخل المطعم وهي تصيح خير يا فندم؟! في إيه؟! إحنا محل ورقي سليم ومترخص!
لكن المفتشين لم يمنحوها فرصة للمناورة.
أخرج مفتش حماية المستهلك نسختين من الفواتير وسألها ببرود
يا مدام، جاي لنا بلاغ رسمي بالفاتورة التفصيلية دي.. حضرتك كاتبة هنا طاجن عكاوية ب 488 جنيه ولحوم باردة ب 498 جنيه، والزبون مأكلش ولا طلب الأصناف دي! ناهيكِ عن إنك مش حاطة قائمة أسعار معلنة برة، وبتدبسي الزبائن في سعر إجباري للفرد!
حاولت هناء التلعثم دي. . دي كانت أخطاء مطبعية من الولد بتاع الكاشير! وبعدين إحنا بنقدم خدمة فاخرة…
وهنا تدخل مصلحة الضرائب أخطاء مطبعية؟! طب مراجعة الدفاتر اليومية والتجميع الضريبي للافتتاح بتقول إن الفواتير المطبوعة غير مطابقة لنسب المبيعات الحقيقية، وده في القانون يُعتبر تزوير في مستندات رسمية وتهرب ضريبي!
ولم تكن تلك النكسة الوحيدة؛ فبينما كانت هناء تحاول التوسل لرجال الضرائب والحماية المدنية تفحص أجهزة الإطفاء والمداخن، ليصدر القرار الحاسمن المطعم يفتقر للحد الأدنى من اشتراطات الأمن الصناعي، وتوجد توصيلات كهربائية عشوائية في المطبخ تُشكل خطراً على الأرواح.
قبل أن ينتصف النهار، كان المشهد كالتالي
غرامات مالية باهظة من حماية المستهلك للتلاعب والتدليس، محضر تهرب ضريبي يجري إحالته للنيابة المالية، وتشميع المطعم ب الشمع الأحمر من قبل الحي ولجنة السلامة لحين توفيق الأوضاع وسداد الغرامات!
وقفت هناء على الرصيف أمام مطعمها والمشمع الأحمر يغطي الباب الصاج، ودموع الغيظ والحسرة تتساقط من عينيها، واليافطة الملونة مطفأة بالكامل.
في تلك اللحظة، نزلتُ من العمارة متظاهرة بأني ذاهبة لشراء بعض المستلزمات.
عندما رأتني هناء، ركضت نحوي ودموعها تملا وجهها، وقالت بصوت مكسور يملؤه الندم
مدام شيرين! الحقيني يا ختي! المحل اتأفل ودفعوني غرامات تقطم الضهر! أنا أكلت عيشي اتقطع في أول أسبوع!
نظرتُ إليها بهدوء، وأخرجتُ من حقيبتي منديل ورقي وقدمته لها، ثم قلت بنبرة هادئة وابتسامة خفيفة
معلش يا مدام هناء.. أصل أنا برضو بحب أقول نصيحة لوجه الله الواحد لما يفتح باب رزق جديد، لازم يكون سمح وأمين وميطمعش في جيرانه.. عشان ربنا يباركله في قرشه.
تجمدت هناء في مكانها، واتسعت عينها وهي تنظر إليّ… وفهمت في تلك اللحظة بالذات، أن الفاتورة الطويلة التي سلمتها لي بيدها، لم تكن سوى حبل الشنق الذي ألفته حول رقبة مشروعها بنفسها!