روحت اتعشى انا وجوزي برا رشا خالد

ولا واثقاً كما كان قبل قليل.
نظرتُ في عينيها مباشرة وقلتُ ببرود
أنا ما يخصنيش نظام محلك إيه.
أنا بطلب حقي القانوني كمستهلك.
عايزة فاتورة ضريبية ومعاها بيان تفصيلي باللي أكلناه.
لو المحل مش قادر يطلعها أو بيمتنع، أنا هكلم حماية المستهلك حالا قدامك ونشوف التصرف القانوني إيه.
لم يكن صوتي عالياً.
لكن كل كلمة خرجت منا كانت واضحة تماماً لكل الواقفين قرب الخزينة.
اصفرّ وجه الشاب الواقف بجوارها.
وشد كم عباءة هناء بخوف واضح.
من خلفي، كان سامح يستعد للتدخل وتهدئة الموقف، لكنه عندما رأى إصراري الشديد، فضّل الصمت والوقوف جانباً.
أما هناء، فكانت ألوان وجهها تتغير بين الأحمرار والأصفار.
وكانت تنظر إليّ بغيظ شديد.
ربما لم تتوقع أن الجارة التي كانت دائماً لطيفة وهادئة معها ستتحول إلى شعلة من الصلابة في قلب مطعمها.
استمر هذا التوتر لمدة دقيقة كاملة.
وبدأ الزبائن في الطاولات المجاورة يلتفتون إلينا بفضول.
في النهاية، أجبرت هناء نفسها على رسم ابتسامة صفراء
ماشي.
أكيد طبعاً المحل بيطلع فواتير.
أصل مدام شيرين أول مرة تجينا ومش فاهمة نظام المكان بس.
ثم التفتت إلى الشاب وقالت له وهي تجز على أسنانها
يا هيثم!
اطبع لمدام شيرين الفاتورة التفصيلية.
طبع لها كل اللي هي عايزاه عشان ترتاح!
ركض هيثم فوراً خلف الكاونتر.
وسُمع صوت طقطقة لوحة المفاتيح بشكل متواصل.
وبعدها مباشرة صَدَرَ صوت الطابعة وهي تخرج الورق.
خرجت فاتورة طويلة جداً كادت تلمس الأرض.
شدتها هناء بقسوة.
ولم تكلف نفسها عناء النظر فيها، بل ضربت بها بقوة على الكاونتر ودفعتها نحوي
اتفضلي!
كده ارتحتي ويا رب يرجع لك مزاجك؟
لم يبقَ في نبرتها أي أثر للأدب.
كان كل ما يهمها هو أن نغادر المكان في أسرع وقت.
أمسكتُ بالفاتورة.
وكانت السطور متراصة بوضوح أمام عيني
طبق كوارع ممتازة، قطعة واحدة، 388 جنيه.
طاجن عكاوية، قطعة واحدة، 488 جنيه.
شوربة كوارع بالخليط الخصوصي، 228 جنيه.
…
قرأتُ بضعة سطور أخرى.
وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي.
بالفعل كما توقعت!
الفاتورة مليئة بأطباق وأصناف لم نطلبها ولم نرها على طاولتنا قط!
هناك أطباق بسعر خيالي، وأخرى بمئات الجنيهات.
حتى أنهم سجلوا طبق مشكل لحوم باردة فاخرة بسعر 498 جنيهاً!
في حين أننا طول الجلسة لم نأكل سوى طبق فتة عادي وطبق كوارع صغير!
لكي تغطي مبلغ ال 2477 جنيهاً وتجعله يبدو منطقياً، قامت هناء بتأليف قائمة وهمية محبوكة جداً.
كلما قرأتُ أكثر، كلما شعرتُ بالحماس والرضا.
لأن كل كلمة مكتوبة على هذه الورقة أصبحت الآن دليلاً ملموساً ضدها!
طويتُ الفاتورة بحرص شديد.
ووضعتها داخل حقيبتي.
تمام.
شكراً.
لم أضف كلمة واحدة أخرى.
التفتُّ إلى زوجي وأمي
يلا بينا.
لم يكن سامح يفهم ما يجري بعد، ولكنه تبعني فوراً.
وأمي حملت طفلي وخرجت خلفنا.
ومنذ لحظة خروجي من عند الخزينة وحتى باب الشارع، لم ألتفت إلى الخلف لأنظر إلى هناء ولو لمرة واحدة.
ولكنني كنتُ أشعر بعينيها تلاحقاني بغضب.
ربما كانت تعتقد أنها تخلصت من زبونة مشاكِسة.
ولا تعلم مسكينة…
أن العرض الحقيقي والممتع قد بدأ للتو!
بمجرد أن خرجنا من باب المطعم، ضربتنا نسيم الهواء العليل.
وانقضى ذلك التوتر الشديد الذي كان يخنقنا بالداخل.
تنفس سامح الصعداء وقال
الحمد لله.. أنا كنت مرعوب تتخانقي معاها جوة المطعم وتكبر المشكلة.
أما أمي فكانت لا تزال تشيط غضباً
ده مش أكل عيش ده سرقة وعينى عينك!
أنتِ أخدتي الورقة دي تعملي بيها إيه يا شيرين؟
ما إحنا دفعنا الفلوس خلاص، هي الفلوس دي بترجع تاني؟
لم أرد عليها.
مشيتُ معهما مسافة قصيرة، واخترتُ زاوية هادئة وبعيدة عن أنظار المطعم ثم توقفت.
أخرجتُ هاتفي من الحقيبة.
عندما رآني سامح أفتح شاشة الاتصال، عقد حاجبيه واستفسر
شيرين…
أنتِ ناوي تعملي إيه بالظبط؟
تجاهلتُ سؤاله.
وضغطت أصابعي على الرقم الأول بسرعة.
ولم تمضِ ثوانٍ حتى تم الاتصال.
جاءني صوت خادمة العملاء النسائي النقي والمحترف
أهلاً بحضرتك، جهاز حماية المستهلك وشكاوى المواطنين، اتفضلي يا فندم إزاي أقدر أساعدك؟
لتفتُّ بنظري نحو مطعم كوارع وفتة الهنا.
كانت اليافطة الملونة تتلألأ بالأضواء.
والزبائن يدخلون ويخرجون.
بدأتُ أتحدث بكل ثبات وهدوء
مساء الخير يا فندم.
عايزة أبلغ عن محال تجاري بيستغل المواطنين.
اسم المحل كوارع وفتة الهنا…
أمليتُ عليهم العنوان بالكامل وبكل دقة.
ثم شرحتُ تفاصيل المخالفة
المحل ده بيمارس التلاعب في الأسعار والتعريفة.
مش حاطط قائمة أسعار معلنة للمواطنين زي ما القانون بيلزم.
وبيعمل إعلانات مضللة وبيغير طريقة الحساب لما الزبون يجي يدفع.
وفي نفس الوقت، فتحتُ الفاتورة في يدي.
وبدأتُ أقرأ للموظفة كل بند وكل صنف مكتوب فيها.
وأقارن الأسعار المكتوبة بالواقع.
كانت الموظفة تسجل كل تفصيلة أقولها باهتمام.
وبعد أن تأكدت من أخذ كل البيانات، انتهت المكالمة.
كان سامح يقف بجواري ووجهه يحمل كل علامات الذهول والصدمة.
فتح فمه ليتكلم ويوقفني.
لكنه في النهاية التزم الصمت.
ولم أتوقف أنا أيضاً.
على الفور، طلبتُ الرقم الثاني.
خط البلاغات الخاص بمصلحة الضرائب والتهرب الضريبي.
مساء الخير.
عايزة أبلغ عن مطعم بيصدر فواتير وهمية وغير مطابقة للواقع.
الفاتورة فيها أصناف وأطباق الزبون مأكلهاش ولا طلبها أصلاً.
عندي شائبة إن المحل ده بيزور في الفواتير وبيهرب من الضرائب وبيدلس البيانات.
طلب مني الموظف اسم المطعم ورقم الفاتورة المطبوعة.
أمليتُ عليه البيانات بالتفصيل الدقيق.
حتى المبالغ والجنيهات الخاصة بكل طبق لم أترك منها شيئاً.
أغلقتُ المكالمة الثانية.
ولم تسترخِ أصابعي، بل فتحت لوحة الأرقام مجدداً.
طوارئ وبلاغات السلامة والصحة المهنية والحماية المدنية الحريق.
عندما رآني سامح أستعد للاتصال الثالث، لم يستطع التحمل أكثر من ذلك
شيرين…
أنتِ لسه هتشتكي في إيه تاني؟!
نظرتُ إليه، وقلتُ بمنتهى البساطة والهدوء
المحل لسه فاتح جديد.
وداخل عليه زحمة وزبائن كتير.
لو إشغالات السلامة والأمن الصناعي وأجهزة الحريق عندهم تمام ومطابقة للمواصفات، يبقى خير وبركة ومش هيخسروا حاجة.
أما بقى لو مش مطابقة…
يبقى فيه لجان حظر وتفتيش هتسعدهم

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *