روحت اتعشى انا وجوزي برا رشا خالد
لم يمضِ على افتتاح محل الكُوارع والفتة الذي ملكته جارتنا الجديدة سوى أيام قليلة، حتى قررتُ أن آخذ زوجي وأمي وطفلي لنأكل عندها ونفتح لها باب رزق عتبة خير كما يقولون.
لم أكن أتوقع أبداً أننا عند دفع الحساب سنقف جميعاً مصدومين ومذهولين!
أربعة أفراد، الإجمالي ألفان وأربعمائة وسبعة وسبعون جنيهاً.
ظننتُ في البداية أن الموظف أخطأ في قراءة الفاتورة.
لكن صاحبة المحل ابتسمت في هدوء وثقة، وشرحت لنا ببرود
يا فندم المحل عندنا بالنفر.. الفرد ب 618 جنيه.
بمجرد أن رأيت نظرة الثقة المتكبرة على وجهها، فهمتُ فوراً أن الأمر ليس مجرد خطأ عابر، بل هو نصب وتثبيت مع سبق الإصرار والترصد.
لم يكُن لدي أي خلق للمجادلة أو العراك.
دفعتُ المبلغ كاملاً دون نقص.
ولكن، قبل أن أغادر المكان، قلتُ لها كلمة واحدة فقط
اعملي لي فاتورة تفصيلية، مكتوب فيها كل صنف وسعره وكل قرش مدفوع.
ظنت هناء أنني بلعتُ الإهانة والظلم وسكتُّ، فوافقت وهي في قمة سعادتها.
لم تكن تعلم مسكينة…
أن هذه الفاتورة بالذات ستكون السبب في أن محلها الجديد سيستقبل طوفاناً لا ينتهي من اللجان والجهات الرقابية!
أهلاً يا فندم، إجمالي حساب الطاولة 2477 جنيه.
قالها الشاب الواقف خلف كاونتر الخزينة.
من طريقة كلامه ونبرته الجافة، حزرتُ أنه أقرب لصاحبة المحل ولذلك يتصرف بكل هذا الغرور.
رفع زوجي سامح هاتفه ليدفع كالمعتاد، لكنه تجمد في
مكانه.
نظر إليّ بعينين تملؤهما الدهشة وعدم الفهم.
وحتى أنا، وقفتُ مبهوتة لعدة ثوانٍ.
في تلك اللحظة بالذات، خرجت هناء من الداخل.
هذه هي الجارة الجديدة التي سكنت في الشقة المجاورة لنا منذ فترة قصيرة، وهي نفسها صاحبة مطعم كوارع وفتة الهنا.
كانت ترتدي عباءة حمراء مجسمة، وتضع مكياجاً صارخاً، وفي يدها خاتم بزمردة كبيرة لافتة، وكانت طريقتها كلها تفوح بالمباهاة والاستعراض.
أهلاً يا مدام شرين! الأكل عجبكم النهاردة؟
سألتني وفمها يبتسم، لكن عينيها كانتا معلقتين بلهفة على الهاتف الذي يحمله سامح.
ابتسم زوجي ابتسامة باهتة وخجولة وقال
يا مدام هناء، هو الفاتورة دي فيها غلط؟ إحنا مأكلناش بكل المبلغ ده!
أخذت هناء الورقة ونظرت فيها سريعاً، ثم أطلقت ضحكة خفيفة
لا يا أستاذ سامح، مفيش أي غلط.
الإجمالي مظبوط، 2477 جنيه.
وبعدها رفعت يدها وأشارت إلى خط صغير جداً مكتوب في أسفل الفاتورة
المحل عندنا بنظام الوجبة للفرد.
الفرد ب 618 جنيه.
وحضراتكم أربعة أفراد، أنا حتى عملت لكم جبر كسور وجبرت المبلغ عشانكم.
عندما سمع سامح ذلك، سحب نفساً عميقاً من الصدمة.
أما أمي فتوقفت عن إلهاء طفلي، ونظرت إلى هناء بنظرات ذهول وعدم تصديق
الفرد بأكثر من ستمائة جنيه؟! ليه يا بنتي؟ هو إحنا بناكل ذهب؟!
على الفور، اختفت ابتسامة هناء.
وضعت يديها في خصرها، ونظرت إلينا جميعاً من الأعلى إلى الأسفل كأنها تقيمنا وتقيم ملابسنا
يا حجة، ده مش مطعم شعبى من بتوع الرصيف.
اللحوم والكوارع عندنا بتيجي طازجة يومياً وطريقة الطبخ حصرية بخلطة سرية.
الزبون بيجي هنا عشان يستمتع بجودة وفخامة.
مبتقارنش بالصمط والمحلات العادية.
كان صوتها يقطر بالأفطارية والتكبر.
نظرتُ إلى وجهها المليء بأحمر الشفاه الفاقع، وتذكرتُ أيامها الأولى عندما سكنت بجوارنا.
على مدار أسبوعين كاملين، لم يكن يمر يوم إلا وتطرق بابنا ومعها طبق فاكهة أو حلويات.
يا مدام شيرين، أنا جارتكم الجديدة واتمنى نكون أخوات، ومطعمي الجديد هيفتح تحت، لازم تيجوا تنوروني وتفتحوا نفسي، وهعملكم أحلى خصم!
تلك الكلمات المعسولة في الماضي وهذه المعاملة المهينة الآن اندمجتا في عقلي.
واشتعلت نار الغضب في صدري فوراً.
شد سامح كم قميصي بخفة وقال بصوت منخفض
خلاص يا شيرين.. بلاش مشاكل معاها.
اعتبريها دفعة بلاء وعشوة وعدت.
رأيتُ في عيني زوجي قلة الحيلة والرغبة في تفادي المشاكل.
أما أمي فكانت تحتضن حفيضها ووجها يشتعل أحمراراً من شدة الغيظ.
عندما رأت هناء رد فعل عائلتي، ابتسمت بسخرية وقالت
يا مدام شيرين.. أنا بقولها لك نصيحة لوجه الله.
الواحد لازم يكون كريم ووسيع صدر.
النهاردة يوم الافتتاح، وأنا كنت ناوي أعمل لكم خصم خاص للجيران كمان 2.
بس دام الأستاذ شايف إن الأكل غالي عليه، خلاص براحتكم.
كانت طريقتها توحي للحاضرين وكأننا ناس لم ندخل مكاناً راقياً من قبل، وأننا نصنع مشكلة لمجرد أننا بخلاء ونستخسر المال.
ضحكتُ بصوت عالٍ.
لم تكن ضحكة مجاملة.
ولا ضحكة استهزاء.
بل كانت ضحكة ذهول من كثرة الضحك على هذا الموقف!
تمام.
أخرجتُ هاتفي المحمول.
نظر إليّ سامح بدهشة كبيرة.
بينما ظهرت على وجه هناء علامات النصر والغرور.
مؤكد أنها ظنت أن كلماتها المستفزة جعلتني أخجل وأستسلم.
أمسح الكود فين؟ سألتها بكل هدوء.
من هنا يا فندم.
أشارت هناء فوراً إلى رمز الدفع، وعادت ابتسامتها لطيفة ومزيفة وكأنها لم تقل أي كلام مسيء منذ لحظات.
رنّ صوت الإشعار في المكان.
تم دفع 2477 جنيهاً بنجاح.
نظرتُ إلى الرقم على الشاشة ثم أعدتُ الهاتف إلى حقيبتي.
شكراً على زيارتكم يا مدام شيرين، ونورتونا، لازم تكرروها!
كان صوتها معسولاً بشكل يثير الغثيان.
بقيتُ واقفة في مكاني لم أتحرك.
يا مدام هناء.
أيوة؟ في حاجة تاني يا فندم؟
طلعي لي الفاتورة.
ارتبكت هناء قليلاً ثم ابتسمت
من عينيا، تحبي الفاتورة باسمك ولا باسم شركة؟
شخصية. أجبتها.
ثم أضفتُ بثبات
وراعي أن تكون مفصلة بكل صنف.
سعر الفتة، سعر الشوربة، المصاريف الإضافية، سعر كل طبق لوحده… كل حاجة تكون واضحة ومكتوبة بالقرش.
مش عايزة ولا بند ناقص.
تصلبت الابتسامة على وجه هناء فوراً.
وتغيرت ملامح وجهها وانقبضت.
وأنزلت يديها اللتين كانتا مطويتين ببطء شديد.
مدام شيرين.. أنتِ قصدك ايه بالحركات دي؟
المحل شغال بنظام الوجبات، الزبون بياخد المنيو المجمع، مفيش عندنا تفنيد لكل طبق!
لم يعد صوتها هادئاً
لمحة نيوز