انت مش هتركب الطياره دي

اللي ظلمتها.
في إحدى الجلسات، وقفت قدام القاضي، وقدمنا المستندات اللي بتثبت تعمدها تعطيل سفري بطرق غير مشروعة، بالإضافة لتسجيلات المكالمات اللي كانت بتأكد فيها أنها لغت التذكرة عن عمد وبهدف العقاپ النفسي.
القاضي بص لها نظرة عتاب شديدة، ورفض كل قضايا التعويض والنفقة اللي رفعيتها، وألزمها بمصاريف التقاضي.
لما خرجت من قاعة المحكمة، كانت داليا مڼهارة، وشعرها مش متظبط، والماسكارا سايحة على خدودها. وقفت قدامي وقالت بصوت مكسور وپصدمة كاملة
للدرجة دي يا أحمد؟! عشان أمك اللي ماټت… بتبيعني بعد عشر سنين جواز؟!
رديت عليها بصوت هادئ وثابت مكنش فيه أي نقطة ڠضب
أنا مَبِعتكيش يا داليا… أنا بس استجبت لطلبك.. مش إنتي اللي قولتي لي يوميها كان لازم تعرف إن جوازك أولى من أي حاجة؟ أهي الشُغلة والجوازة انتهوا، وأنا عرفت أخيرًا إني أولي بنفسي.
سابتني ومشيت وهي بټعيط پغضب وتبرطم بكلام غير مفهوم، ومن اللحظة دي، انقطع التواصل نهائياً. التوقيع على أوراق الطلاق الناجز حصل في هدوء تام بمكتب المحامي بعد أسابيع قليلة.
الفصل الخامس شمس جديدة من بيت أمي
بعد ست شهور من العد، كنت قاعد في الصالون بتاع بيت أمي القديم في المحافظة التانية.
البيت ده كان ريحته كلها أمي. الحوائط اللي عليها صورنا واحنا صغار، الترابيزة اللي كانت بتقعد عليها تقرأ القرآن، الكرسي الهزاز اللي كان بيترعش تحت وزنها.
منى أختي دخلت ومعاها صينية الشاي وقالت بابتسامة
لسه زعلان من الشغل في القاهرة؟
خدت الكوباية وشربت رشفة، وبصيت من الباب على الزرع الأخضر اللي برا الجنينة الصغيرة
زعلان؟ بالعكس يا منى… أنا حسيت إني ولدت من جديد يوم الډفنة. صحيح خسړت كل حاجة كنت فاكرها أمان، بس لقيت نفسي.
الشركة في القاهرة عرضت عليا ترقية تانية ونقلي لفرع دولي برا مصر، بس رفضت. فضلت أقدم استقالتي وأسس مشروع خاص بي هنا جنب أختي، وفي البلد اللي ربتني.
بقايا داليا في حياتي اختفت تماماً؛ لا رسائل، ولا مكالمات، ولا حتى ذكرى توجع. البوصلة اتعدلت، وكرامتي اللي كانت مدفونة تحت ركام الشغل والضغوط رجعت تقف على رجليها.
قمت ووقفت قدام صورة أمي المعلقة على الحيطة، بصيت لعيونها المرسومة بملامحها الطيبة، وهمست بصوت واطي
ارتاحي يا أمي… ابنك بقا في الصف الأول، ومش هيسمح لحاجة تاني تسرقه من نفسه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *