فاتوره الصمت منال علي

ليلى حسنين واقفة في نص المطبخ الضيق، ماسكة إيصال الصيدلية في إيد، وفاتورة الكهربا في التانية. رغوة اللبن كانت بتفور على البوتجاز، بتسيح على الوش كله وبتنقط على الأرض. ريحة اللبن المحروق كانت متداخلة مع ريحة نقط الفاليريان القوية—كانت لسه واخدة عشرين نقطة من أرخص نوع، النوع اللي عليه عرض بقلم منــال عـلـي

من ورا الحيطة، صوت الضحك جاي من الشقة اللي جنبهم، والتليفزيون في الأوضة التانية بيعلن عن رحلات “اللحظة الأخيرة” للبحر الأحمر: “شاملة كل حاجة، الرحلة يوم السبت، احجز دلوقتي قبل ما الأماكن تخلص.”

ليلى بصّت على الإيصال: اللي خمسة وسبعين جنيه. فاليريان، فحم نشط، ضمادات. الحاجات الأساسية بس. أرخص حاجات.

بصّت على الموبايل اللي مرمي على الطاولة، الشاشة مشروخة من النص كأنها ندبة. جنب الموبايل شات حسام مع أمه مفتوح. صورة للحاجة سنية ومي واقفين على البحر، متصورين بضحكة صافية، والتعليق مكتوب: “ابني، شكراً على الإجازة! مي فرحانة أوي!”

وتحتها رسالة مبعوتة النهاردة: “حسام، لاب توب مي اتكسر. محتاجة واحد جديد للشغل. لقت موديل كويس ورخيص—بس 15 ألف.”

ليلى قعدت على الكرسي بهدوء. اللبن كان لسه بيغلي، وهي مش قادرة

تتحرك.
همست لنفسها بصوت بيرجف: “يعني أمه وأختو مسافرين وبيجيبوا أجهزة جديدة، وأنا اللي بأقطع من جسمي ومن دواي عشان يوفروا؟”
حسام كان قاعد في الأوضة التانية. سمع كل كلمة، وما نطقش.

حسام اتربى وهو مقتنع إنه “الراجل اللي شايل الشيلة”. أبوه مات وهو عنده تسع سنين. بعد العزاء، أمه رجعت البيت، قعدت في المطبخ، فضلت باصة في نقطة واحدة فترة طويلة، وبعدين بصت لحسام وقالتله: “أنت دلوقتي راجل البيت يا حسام. أنت الحامي بتاعي.”

كان عنده تسع سنين بس.

الحاجة سنية اشتغلت في عيادة كمسؤولة عن المعاطف. مرتب قليل، وشفتات طويلة. كانت بترجع البيت رجليها وارمة، تدفي الشاي، وتعيط في المطبخ في صمت، فاكرة إن العيال نايمين مش سامعينها. لكن حسام كان سامع. حسام دايمًا كان سامع.

أخته مي كبرت مدللة ومتطلبة. أمهم كانت بتشوفها أضعف واحدة—”ياريت كان أبوها معاها.” حسام ما زعلش، حسام كان فاهم. ابتدى يشتغل من بدري، يوصل جرائد، يصلح كمبيوترات الجيران، يدي دروس. كل قرش يطلعه يديه لأمه، وهي تاخد الفلوس وعينيها مليانة دموع: “كنت هعمل إيه من غيرك يا ابني؟”

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *