سر التراب
أما ليلى، فاكتفت بالنظر إليها وهمست:
— “لقد شعرت بها… إنها تشم رائحة الأرض.”
وفي أقل من دقيقة، اندفع الأطباء إلى الغرفة بعد أن سجلت الأجهزة استجابة عصبية لم يروها طوال فترة غيبوبتها…
لكن عندما التقط طارق الوعاء الفخاري ليرفعه عن الطاولة، لاحظ شيئاً مدفوناً في قاع التراب…
شيئاً قديماً لم يكن مجرد قطعة ورق…
وكان كفيلاً بتغيير كل ما ظنه يعرفه عن زوجته.
تسارعت دقات قلب طارق وهو يراقب الأطباء
والممرضات وهم يحيطون بسرير أميرة، بينما أجهزة التخطيط ترسم خطوط الحياة بانتظام مذهل. كانت أميرة تحرك أصابعها ببطء شديد، كمن يحاول التمسك بخيوط النور بعد عتمة طويلة.
لكن عقل طارق لم يكن مع الأجهزة وحدها؛ بل كان مسماراً في ذلك الوعاء الفخاري الذي تركته الطفلة ليلى على الطاولة المجاورة.
اقترب طارق بخطوات متوجسة، ومدّ يده إلى جوف التراب الداكن. بين حبيبات الطين الباردة، اصطدمت أصابعه بجسم صلب ومغلف بقطعة قماش قتيمة، وبصعوبة بالغة، أخرج ظرفاً جلدياً قديماً، تآكل جزء منه بفعل الرطوبة والزمن، لكنه حمل خطاً يرجف له القلب:
”إلى زوجي المستقبل… إن قرأت هذا، فهذا يعني أن القدر قد اختار لي طريقاً آخر، وأنني لست معك.”
الحقيقة المذهلة
أمسك طارق بالظرف وفتحه بأصابع ترتجف. لم تكن هذه رسالة عادية، بل كانت مذكرات صغيرة كتبت قبل سنوات طويلة، في تلك القرية النائية التي أتي منها تراب الوعاء.
كانت المفاجأة الصادمة أن أميرة لم تكن مجرد زوجة عادية التقاها صدفة؛ بل كانت ابنة لعائلة غامضة تركت القرية إثر نزاع قديم حول “أرض الأسرار” التي توارثوها أباً عن جد. تلك الأرض لم تكن مجرد تراب، بل كانت مشبعة بنباتات نادرة تستخدم في تحفيز الخلايا العصبية النائمة، وهو سر طبّي قديم تناقلته أجيال تلك العائلة حصرياً.
والأدهى من ذلك… أن الطفلة “ليلى” لم تكن سوى حفيدة تلك العجوز
التي عرفت أميرة قبل سنوات، والتي أرسلت مع حفيدتها هذا الوعاء بالذات، متنبئة بأن أميرة ستدخل في “نوم عميق” بسبب حادث مروري قيل عنه إنه دُبّر بليل!
خيوط المؤامرة تتكشف
لم يكن الحادث مجرد قضاء وقدر. فبين طيات الرسالة، كشفت أميرة أن هناك من كان يحاول إسكاتها لمنعها من كشف سر طبي يتعلق بشركة أدوية كبرى كان يعمل لديها والدها الراحل. لقد حاولوا التخلص منها قبل سنوات، لكن زواجها من طارق وإنجابها أنقذها مؤقتاً، إلى أن وقع الحادث الأخير الذي دبرته نفس الأيدي الخفية لضمان عدم استيقاظها أبدًا.