ممرضه فقيره
بسرعة
اديني التليفون.
قربته من ودنه.
فضل ساكت ثواني، وبعدين قال بصوت هادئ
ماما… إنتِ فين؟
لكن اللي حصل بعد كده خلاني الدم يتجمد في عروقي.
صوت الست اتغير.
البكاء اختفى.
وجالي صوت راجل بيضحك.
كنت متأكد إنك هتمسك الطُعم.
سيف سحب التليفون من إيدي بعنف، وقفله فورًا.
بصلي وقال
دي مش أمي.
قلبي وقع.
إزاي؟
قال وهو بيحاول يقعد على السرير رغم تعبه
أمي ماتت من سنتين.
فضلت باصة له مش مستوعبة.
يعني… حد كان مقلد صوتها عشان يعرف إذا كان صحي فعلًا.
في اللحظة دي، دخل واحد من الرجال اللي كانوا مع سيف وهو بيجري.
كان وشه شاحب.
قال
يا باشا… في مصيبة.
اتكلم.
كل كاميرات المستشفى اتقفلت… وفيه مجموعة دخلت من الجراج السفلي.
كام واحد؟
مش أقل من خمستاشر.
سيف غمض عينه لحظة، كأنه بيحسب حاجة في دماغه.
وبعدين فتحها وقال
هما مش جايين يقتلوني.
الراجل استغرب.
أمال؟
سيف بص على كف إيدي، اللي كنت لسه ماسكة فيه المفتاح.
وقال
جايين ياخدوا ده.
رفعت المفتاح قدام عيني.
كان شكله عادي جدًا…
قطعة فضة صغيرة عليها رقم 17.
قلت باستغراب
إيه اللي يخلّي كل الناس دي تخاطر بحياتها عشان مفتاح؟
سيف طلب مني أقرب.
همس بصوت منخفض جدًا
لأنه مش مفتاح خزنة.
أمال مفتاح إيه؟
رد
ده مفتاح صندوق أمانات في بنك.
وفيه إيه؟
سكت ثانيتين.
ثم قال
أدلة.
أدلة على إيه؟
نظر نحوي مباشرة.
على ناس أكبر مني بكتير.
قبل ما أقدر أسأله أكتر…
دوّى انفجار هز المستشفى كلها.
الأرض اهتزت تحت رجلينا.
سقف الأوضة نزل منه تراب.
وأجهزة الكهرباء طفت بالكامل.
بقى المكان غارق في الظلام.
ثانيتين…
ثلاثة…
ثم اشتغلت لمبات الطوارئ الحمراء.
لكن أول ما النور رجع…
شهقت.
السرير اللي كان عليه سيف…
كان فاضي.
والنافذة الكبيرة في آخر الأوضة كانت مفتوحة على آخرها.
أما على الملاية…
فكان فيه ظرف أبيض مكتوب عليه بخط واضح
ليلى… متفتحيهوش إلا لو اختفيت رجعت لورا خطوة من غير صوت.
قلبي كان بيدق بعنف.
لو فتحت الباب… ممكن أكون بسلمه كل حاجة.
ولو ما فتحتش. .. ممكن يقتحم الأوضة.
الراجل خبط مرة تانية، لكن المرة دي كان صوته أهدى.
آنسة ليلى… الأستاذ سيف كان متوقع إنك هتخافي.
عشان كده سابلك كلمة سر.
اتسمرت.
إزاي يعرف؟
كمل من بره
قوليلي… آخر جملة قالهالك قبل ما يختفي.
ما رديتش.
ابتسم، وكان باين من نبرة صوته.
مش هتعرفي… لأنه قالها لي أنا كمان.
في اللحظة دي، افتكرت كلام سيف
متديش المفتاح لأي حد… حتى لو قال إنه صاحبي.
رجعت خطوتين، ومسكت الظرف أكتر.
وفجأة…
الموبايل الصغير اللي كان تحت المرتبة اهتز.
بصيت للشاشة.
مفيش رقم.
مكتوب بس
لا تفتحي.
رديت بسرعة.
سمعت نفس صوت سيف، لكن المرة دي كان بيتكلم بسرعة وكأنه بيجري.
اسمعيني كويس.
الراجل اللي بره اسمه عادل.
اشتغل معايا خمسة عشر سنة.
وأكتر واحد كنت بثق فيه.
سكت لحظة.
ثم قال
وهو أول واحد باعني.
انقطع الخط.
في نفس الثانية…
الباب اتفتح بمفتاح.
اتجمدت.
عادل دخل بهدوء، لابس بدلة رمادي، وفي إيده ملف جلدي أسود.
أول حاجة عملها…
إنه قفل الباب وراه بالمفتاح.
بصلي وقال بابتسامة هادئة
واضح إنه لحق يحذرك مني.
رجعت لورا.
متقربش.
رفع إيديه.
مش جاي أؤذيكي.
أمال جاي ليه؟
فتح الملف، وطلع ورقة مختومة.
دي وصية الأستاذ سيف.
مدهالي.
لكن ما أخدتهاش.
قال
اقري أول سطر.
بصيت من بعيد.
كان مكتوب بخط واضح
إذا وصلت هذه الورقة إلى ليلى عبد الرحمن، فهذا يعني أن المرحلة الأخيرة بدأت.
اتسعت عيني.
عادل لاحظ ده، وقال
شايفة؟
أنا بقول الحقيقة.
لكن قبل ما يكمّل…
صوت رصاصة كسر زجاج الأوضة.
الرصاصة عدت جنب رأس عادل مباشرة.
الورقة وقعت من إيده.
والإزاز اتناثر في كل مكان.
كلنا بصينا ناحية الشباك.
كان فيه ضوء ليزر أحمر بيتحرك على الأرض…
وبعدين طلع على صدر عادل.
قناص.
عادل صرخ
انبطحي!
وارتمى على الأرض.
بعد أقل من ثانية…
دوى إطلاق نار تاني.
لكن الغريب…
إن القناص ماكانش بيصوب عليا.
ولا على سيف.
كان بيحاول يقتل…
عادل نفسه ارتميت على الأرض وأنا بغطي راسي بإيديا.
الرصاصة التانية اخترقت الحيطة فوقنا مباشرة، والزجاج المتبقي في الشباك اتفتت.
عادل زحف بسرعة ناحية المكتب وهو بيصرخ
ابعدي عن الشباك!
نفذت من غير تفكير.
ثواني، وساد صمت غريب.
القناص بطل يضرب.
عادل رفع راسه بحذر، وأخرج من جيبه سماعة صغيرة وحطها في ودنه.
كان بيسمع حد.
بعد لحظات، وشه اتغير.
قلع السماعة ورماها على الأرض وداس عليها.
بصلي وقال
غيروا الخطة.
إيه الخطة؟
رد وهو بينهج
كان المطلوب ياخدوا المفتاح… دلوقتي المطلوب يقتلوكي.
حسيت إن الدم اتسحب من وشي.
أنا؟ ليه؟
عادل سكت ثواني، وبعدين قال
لأنك آخر شخص شاف سيف.
وفجأة…
الموبايل الصغير رن تاني.
المرة دي ظهر اسم واحد بس على الشاشة
412
رديت بسرعة.
سمعت نفس الصوت المشوش اللي كلمني قبل كده.
لكن المرة دي قال جملة واحدة
بصي تحت البلاطة الخامسة.
وقفل.
أنا وعادل بصينا لبعض.
قلت
بلاطة إيه؟
أشار بسرعة ناحية الحمام الملحق بالأوضة.
دخلنا.
بدأنا نعد البلاط من الباب.
واحد…
اتنين…
تلاتة…
أربعة…
خمسة.
كانت مختلفة فعلًا.
فيها شرخ صغير.
عادل جاب مفك من درج المغسلة، ورفع البلاطة.
كان تحتها صندوق معدني صغير.
اتفتح بسهولة…
لكن بدل ما نلاقي فلوس أو مستندات…
لقينا صورة قديمة.
الصورة كان فيها سيف، وهو أصغر بحوالي عشر سنين، واقف جنب راجل وامرأة وبنت صغيرة.
قلبي وقف.
البنت الصغيرة…
كانت أنا.
رفعت الصورة بإيدي وأنا مش مصدقة.
بصيت لعادل.
دي… مستحيل.
هو نفسه كان مصدوم.
إنتِ تعرفيه من زمان؟
هزيت راسي بعنف.
أقسم بالله أول مرة أشوفه كانت في المستشفى.
قلبت الصورة من ورا.
كان مكتوب بخط قديم
ليلى وسيف صيف 2006.
وفي أسفل الكتابة…
جملة قصيرة خلتنا إحنا الاتنين نبص لبعض في ذهول
إذا نسيت الحقيقة… ابحث عن بيت البحيرة.
وفي نفس اللحظة…
سمعنا صوت محرك عربية إسعاف يقف تحت الشباك مباشرة…
ثم صوت حد بيصرخ من برة
لقيناها… هي لسه فوق!الانفجار رمى الكل على الأرض.
السقف اهتز، وقطع من الجبس وقعت حوالينا.
صرخات المرضى كانت مالية الممر، وإنذار الحريق بدأ يدوّي في كل مكان.
حاولت أقف، لكن رجلي كانت بترتعش.
بصيت على عادل.
كان واقع جنب الحيطة، لكنه لسه ماسك الفلاشة بإيده، رافض يسيبها.
الرجال المسلحين هم كمان اتلخبطوا.
واضح إن الانفجار كان أكبر مما كانوا متوقعين.
واحد منهم صرخ
مين اللي فجّر؟! دي مش خطتنا!
الجملة دي لوحدها خلتني أفهم إن في طرف تالت دخل اللعبة.
مش سيف…
ومش الناس اللي بتحاول تقتله.
في اللحظة دي، دخان أسود بدأ يدخل الأوضة من تحت الباب.
عادل شدني من إيدي.
لازم نتحرك… حالًا.
خرجنا من الباب الجانبي قبل ما الرجال يقدروا يستوعبوا اللي حصل.
الممر كان مليان دخان.
الكهربا مقطوعة.
ولمبات الطوارئ الحمرا بتدي المكان شكل مرعب.
كنا لسه بنجري، لما سمعنا صوت طفل بيعيط.
وقفت مكاني.
في طفل!
عادل مسكني.
سيبيه… دي ممكن تكون خدعة.
لكن صوت العياط كان حقيقي.
جريت ناحية الصوت.
لقيت أوضة أطفال صغيرة، والدخان بدأ يدخلها.
وفي آخر الأوضة، طفل عنده حوالي خمس سنين مستخبي تحت السرير، بيعيط من الخوف.
شيلته بسرعة.
وأول ما خرجت بيه…
بصلي، وقال وسط دموعه
إنتِ ليلى؟
اتجمدت.
أيوه…
مد إيده الصغيرة، واداني ورقة مطوية.
وقال
الراجل اللي وشه فيه ندبة قالي أديها للممرضة ليلى… بس لو المستشفى ولعت.
فتحت الورقة بسرعة.
كان فيها سطر واحد بخط سيف
بيت البحيرة مجرد اسم كودي… الحقيقة موجودة في الغرفة 17.
وفي آخر السطر…
رقم سري مكون من ست أرقام.
عادل أول ما شاف الرقم، تغير لون وشه.
همس
لا…
بصيتله.
إيه؟
قال وهو بيبص للرقم
ده مش رقم…
ده… كود فتح صندوق الأمانات.
وقبل ما يكمّل…
رن جرس المصعد.
وسط كل الدخان والانفجارات…
باب المصعد اتفتح ببطء.
وخرج منه شخص واحد.
بدلة سوداء…
قفازات جلد…
ونص وشه مخفي بقناع.
لكن أول ما شافني…
قال باسمي من غير ما يتردد
ليلى عبد الرحمن…
ثم خلع القناع ببطء…
وأنا شهقت من الصدمة.
لأن الشخص اللي كان واقف قدامي…
كان نسخة طبق الأصل من سيف الدمنهوري اتجمد الدم في عروقي.
بصيت لعادل.
هو كمان كان باصص للصورة، وكأنه بيحاول يفهمها.
همست
أنا عمري ما شفت سيف قبل كده… الصورة دي مستحيل تكون حقيقية.
عادل أخد الصورة، دقق فيها، ثم قال بهدوء
الصورة أصلية… لكن ده مش معناه إنك فاكرة كل حاجة.
بصيتله باستغراب.
تقصد إيه؟
قبل ما يرد…
سمعنا صوت خطوات سريعة على السلم، وأصوات رجال بيصرخوا
الدور الرابع… فتشوا كل الأوض!
عادل