ممرضه فقيره
صغيرة.
الدكتور قرب من السرير وهو بيبتسم ابتسامة باردة.
فتح الشنطة.
طلع منها حقنة.
مش أي حقنة…
اللون اللي جواها كان أزرق غامق، عمري ما شفته قبل كده.
سألته بتوتر
دي حقنة إيه؟
رد من غير ما يبصلي
تعليمات جديدة.
مد إيده ناحية ذراع سيف.
من غير ما أفكر، وقفت قدامه.
استنى… لازم أشوف أمر الطبيب.
رفع عينه ناحيتي ببطء.
وقال بابتسامة اختفت منها أي ملامح للرحمة
إنتِ بقالك كام يوم هنا؟
حوالي شهر.
وأنا بقالي 18 سنة في المستشفى.
سكت لحظة.
متعلمنيش شغلي.
واحد من رجال الأمن قرب مني خطوة.
ابعدي.
قلبي كان هيقف.
لو الحقنة دي دخلت جسم سيف…
أكيد مش هيفوق تاني.
وفجأة…
من غير أي إنذار…
سيف حرك صباعين من إيده تحت الغطا.
حركة صغيرة جدًا…
لكنها كانت واضحة ليا.
كان بيكتب بإصبعه على الملاية.
ركزت…
رسم رقمين.
7… 3
فضلت مش فاهمة.
كررهم تاني.
7… 3
وفجأة افتكرت.
رقم الغرفة القديمة للأجهزة الطبية…
غرفة 73.
الغرفة اللي شفت مرة عامل الصيانة داخلها، ومكتوب عليها ممنوع الدخول نظام المراقبة.
بصيت لسيف.
كانت عينه مغمضة…
لكن حسيت إنه بيوجهني.
وفي نفس اللحظة، الدكتور نزع غطاء الإبرة…
وقربها من ذراع سيف…
وأنا أدركت أن الثواني الجاية هتحدد إذا كان هيعيش…
أو هيموت قدامي قبل ما سن الإبرة يلمس جلده، اندفعت من غير تفكير.
خبطت إيد الدكتور، والحقنة طارت من إيده واتكسرت على الأرض.
ساد صمت مرعب.
الدكتور حسام بصلي ببطء، والغضب باين في عينيه.
قال بصوت منخفض
إنتِ عملتي أكبر غلطة في حياتك.
قبل ما أرد، واحد من رجال الأمن مسكني من دراعي بعنف.
صرخت
دي مش موجودة في ملف العلاج! من حقي أعرف بتدوله إيه!
الدكتور ابتسم ابتسامة باردة.
ملف العلاج… بيتكتب للناس اللي لسه ليها مستقبل.
وبعدين لف للراجل اللي ماسكني وقال
خرجوها بره.
في اللحظة دي…
صدر صوت من جهاز القلب.
بيب… بيب… بيب…
الإيقاع اتغير فجأة.
كل الأنظار اتجهت للشاشة.
وسيف…
فتح عينه.
المرة دي قدامهم كلهم.
الدكتور حسام اتراجع خطوة كأنه شاف شبح.
واحد من رجال الأمن همس
مستحيل…
سيف حرك رقبته بصعوبة، وبص للدكتور مباشرة.
وقال بصوت ضعيف لكنه واضح
كنت… مستني اللحظة دي.
لون وش الدكتور اتغير تمامًا.
وفي أقل من ثانية، بدل ما يفرح إنه فاق…
طلع مسدس صغير من تحت البالطو.
صوب ناحية سيف.
صرخت بكل قوتي
لااااا!
لكن قبل ما يضغط على الزناد…
انفتح باب الجناح بعنف.
دخل أكتر من عشرة رجال مسلحين ببدل سوداء، لكن وشوشهم كانت مختلفة عن الحراس اللي بره.
أول واحد فيهم صرخ
ارمِ السلاح يا دكتور!
الدكتور لف بسرعة، وحاول يهرب من الباب الجانبي.
لكن واحد من الرجال أسقطه على الأرض قبل ما يوصل له.
خلال ثواني، الغرفة اتحولت لفوضى.
أسلحة مرفوعة.
أوامر بتتقال.
وأصوات أجهزة الإنذار بدأت تشتغل في المستشفى كلها.
أنا كنت واقفة مش مستوعبة أي حاجة.
واحد من الرجال قرب من سرير سيف، وانحنى باحترام شديد وقال
الحمد لله على سلامتك… يا باشا.
سيف هز رأسه بهدوء.
ثم أشار ناحيتي.
قال بصوت مرهق
محدش يقرب منها.
الراجل بصلي باستغراب.
حضرتك تعرفها؟
سيف رد بكلمة واحدة
أثق فيها.
لكن قبل ما أقدر أستوعب اللي بيحصل…
دخلت ممرضة كانت بتجري وهي بتنهج، ووشها كله رعب.
صرخت
في مشكلة!
الكل بص ناحيتها.
قالت وهي بتحاول تاخد نفسها
الخزنة الخاصة في بدروم المستشفى… اتفتحت.
سيف اعتدل بصعوبة لأول مرة منذ ثلاثة أشهر.
وسأل سؤالًا واحدًا جعل كل الموجودين يصمتون
المفتاح… فين؟بصيت على كف إيدي…
كان لسه مقفول بقوة من غير ما أحس.
فتحت صوابعي ببطء.
المفتاح الفضي كان مكانه… لكن الدم اللي كان عليه نشف.
رفعت عيني لسيف.
أول ما شافه، اتنفس بارتياح لأول مرة.
مد إيده ناحيتي وقال
هاتيه.
كنت لسه هقرب منه…
لكن صوت طلق نار دوّى في الجناح.
باااام!
الرصاصة خبطت في الحيطة على بعد سنتيمترات مني.
صرخت واترميت على الأرض.
كل الموجودين استداروا ناحية الباب.
واحد من رجال الأمن اللي كانوا واقفين مع الدكتور حسام، وكان الكل فاكره مقبوض عليه، استغل الفوضى وسحب مسدس مخبي.
صرخ وهو بيصوب علينا
المفتاح مش هيخرج من هنا!
بدأ إطلاق نار متبادل.
الزجاج اتكسر.
أجهزة المراقبة وقعت.
أنا زحفت تحت السرير، ولسه المفتاح في إيدي.
وفجأة…
سيف ناداني بصوت منخفض جدًا
ليلى… بصي تحت المرتبة.
مديت إيدي تحت المرتبة وأنا برتعش.
حسيت بحاجة بلاستيك.
طلعتها.
كان موبايل صغير جدًا، قديم، من النوع اللي بطاريته بتقعد أسابيع.
قال
شغليه.
ضغطت على زر التشغيل.
اشتغل فورًا.
مفيش غير رقم واحد محفوظ عليه.
اسمه…
إذا صحيت.
بصيت لسيف بعدم فهم.
قال
اتصلي.
ضغطت اتصال.
رن مرة…
مرتين…
وفي التالتة رد راجل صوته هادئ جدًا.
قال
تأخرتوا تلات شهور.
سكت ثانيتين، ثم سأل
هل سيف فتح عينه بنفسه… ولا حد أجبره؟
بصيت لسيف.
هز رأسه وقال
قولي له… الخطة اتكشفت.
نقلت الكلام.
ساد صمت طويل في الطرف التاني.
بعدها الراجل قال جملة قصيرة
إذن… المرحلة التانية تبدأ دلوقتي.
وقفل الخط.
بعد أقل من دقيقة…
كل شاشات المستشفى انطفت للحظة.
ثم اشتغلت لوحدها.
لكن بدل بيانات المرضى…
ظهر على كل شاشة في المستشفى فيديو واحد.
كاميرات مراقبة.
بتعرض اجتماع قديم.
الدكتور حسام… واثنين من رجال الأعمال المعروفين… وأحد الحراس…
كانوا بيتكلموا عن خطة اغتيال سيف وتقسيم شركاته بعد موته.
الغريب…
إن تاريخ الفيديو كان قبل إطلاق النار على سيف بأسبوع كامل.
الذعر انتشر في المستشفى.
الكل بدأ يشوف الحقيقة بعنيه.
لكن سيف بص للشاشة، وملامحه اتغيرت فجأة.
وشاور بإيده المرتعشة على شخص كان واقف في آخر الفيديو، نص وشه مستخبي في الضل.
وقال بصوت مخنوق
لا…
قربت من الشاشة.
تعرفه؟
رد وهو شاحب الوجه
ده… الشخص الوحيد اللي ماكانش المفروض يخونني.
وساعتها…
رن موبايلي الشخصي.
رقم مجهول.
رديت.
جالي صوت ست كبيرة في السن بتبكي.
وقالت
يا ليلى… اهربي حالًا.
قلبي انقبض.
مين حضرتك؟
ردت
أنا أم سيف… وهم عرفوا إن المفتاح معاكي فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أستوعب.
من ثواني كان سيف قدامي، مصاب ومش قادر يقف.
دلوقتي…
السرير فاضي.
جريت ناحية الشباك.
الدور كان الرابع.
بصيت لتحت وأنا متوقعة أشوف كارثة.
لكن ملقتش أي أثر ليه.
بس كان فيه عربية إسعاف واقفة في مكان ممنوع الوقوف، وأول ما رفعت عيني، شفتها بتتحرك بسرعة وتخرج من بوابة الطوارئ.
وراءها عربيتين سودا.
كأن كل حاجة كانت متخطط لها من البداية.
رجعت بسرعة للغرفة.
الظرف الأبيض كان لسه مكانه.
إيدي كانت بترتعش.
افتكرت آخر جملة قالها
متفتحيهوش إلا لو اختفيت.
يعني… هو كان عارف إنه هيمشي.
وفي اللحظة دي، دخل الراجل اللي كان بيناديه يا باشا.
أول ما شاف السرير، وشه اصفر.
لحقوا يا جماعة!
بدأ يدور في كل ركن من الأوضة.
بعدين وقف قدامي وقال
سابلك حاجة؟
بصيت للظرف… وبسرعة خبيته تحت البالطو الأبيض.
قلت بثبات
لأ.
فضل يبصلي كام ثانية، كأنه بيحاول يعرف إذا كنت بكذب.
لكن قبل ما يتكلم…
جهاز اللاسلكي اللي معاه اشتغل.
الهدف خرج من المستشفى.
الراجل رد بسرعة
امشوا وراه!
وقف يبصلي مرة أخيرة، ثم جري هو وباقي الرجال.
وبعد أقل من دقيقة…
بقيت لوحدي.
أنا…
والظرف…
والمفتاح.
قعدت على الكرسي، وحاولت أرتب اللي حصل.
لكن نظري وقع على شاشة جهاز مراقبة القلب.
رغم إن السرير فاضي…
كان فيه ضوء أخضر صغير بينور ويطفي.
استغربت.
قربت.
ورفعت الجهاز.
لقيت وراه قطعة إلكترونية صغيرة جدًا، حجمها أصغر من عقلة الإصبع.
كانت بتومض كل خمس ثواني.
وفجأة…
طلعت منها رسالة صوتية.
صوت سيف.
لو سمعتي الرسالة دي… يبقى أنا خرجت قبل ما أقدر أشرحلك.
اتلفت حواليا.
الصوت مكمل
الظرف اللي معاكي متفتحيهوش مهما حصل.
والمفتاح… متديهوش لأي حد.
سكت لحظة.
ثم قال
حتى لو الشخص ده قال إنه صاحبي.
قلبي انقبض.
لأن الخيانة بدأت من أقرب الناس.
وفي اللحظة دي…
سمعت صوت خطوات هادئة في الممر.
مش جري.
مش فوضى.
حد ماشي بثقة.
الخطوات وقفت قدام الباب.
ثم طرق الباب…
ثلاث طرقات بطيئة.
دق…
دق…
دق…
وبعدين جه صوت راجل هادئ جدًا
آنسة ليلى…
أنا محامي الأستاذ سيف.
ومعايا وصية مكتوبة باسمه… فيها اسمك.
تجمدت في مكاني.
لكن قبل ما أتحرك ناحية الباب…
بصيت من فتحة الزجاج الصغيرة.
واتسعت عيني من الصدمة…
لأن الراجل اللي بيقول إنه محامي سيف…
كان نفس الشخص اللي شفته قبل دقائق في فيديو المؤامرة، واقف في الخلفية ووشه نصه مستخبي في الضل اتسمرت مكاني.
بصيت لسيف.
أول ما سمع كلمة أمي، ملامحه اتغيرت، وكأنه نسي ألمه كله.
مد إيده وقال