قصه انتقام

تمنه……
بدأت دينا ترتعش بشكل هستيري، وبدأت ملامح التحدي في وجه كريم تتحول إلى نظرات ارتباك، خاصة وهو يرى حسام يخرج من الملف مجموعة من الأوراق الرسمية الموثقة بختم النيابة العامة.
اقترب حسام بخطوات واثقة، وتجاهل وجودهم تماماً، وتوجه نحوي قائلاً دكتورة ياسمين، لقد وصلت النتائج التي طلبتِها من المعمل الجنائي المركزي. تقرير الحمض النووي DNA الخاص بالطفل، بالإضافة إلى تقرير المستشفى الذي تمت فيه الولادة قبل عام.
ساد صمت مطبق في الممر. كريم نظر إليّ ثم إلى دينا، وقال بصوت متقطع DNA؟ تقارير إيه دي؟ دينا.. هو بيتكلم عن إيه؟
نظرتُ إلى دينا التي كان العرق يتصبب من جبينها، اقتربتُ منها بخطوات هادئة وأمسكت بكتفها، فانتفضت وكأنها لمست سلكاً كهربائياً. قلت بهدوء مرعب كنتِ دايماً تقوليلي يا دينا إنك بتحبيني، وإنك

بتخافي عليا. بس اللي ما كنتيش تعرفيه إن دكتورة الأطفال اللي بتشوف مئات الحالات يومياً، مش ممكن يغيب عنها تفصيل صغير زي فصيلة الدم ونوع التطور الجيني للطفل.
التفتُّ إلى كريم، وقلت له بنبرة باردة أنت كنت فاكر إنك بتكسرني لما قولتلي إن دينا قدرت تديك اللي أنا ما قدرتوش.. بس الحقيقة يا كريم، إنك كنت مجرد كوبري لدينا.
سأل كريم بعصبية مفرطة قصدك إيه؟ انطقي!
فتح حسام الملف وأخرج صورة ضوئية لتقرير طبي، وقال بصوت جهوري الحقيقة يا سيد كريم، أن دينا ليست الأم البيولوجية لهذا الطفل. دينا لم تكن حاملاً من الأساس. هذا الطفل هو ابن مسروق من قسم الحضانة في مستشفى خاص منذ عام، في قضية شغلت الرأي العام، ودينا هي المسجلة في السجلات المزورة ك أم.
تجمد كريم في مكانه، كأن صاعقة ضربته. أما دينا، فقد انهارت على الأرض وهي تغطي وجهها بيديها، بينما بدأ أمن المستشفى الذي كان حسام قد استدعاهم مسبقاً بالاقتراب من المكان.
لم يتوقف الأمر هنا. التفتُّ إلى كريم الذي كان لا يزال يحاول استيعاب الصدمة، وقلت له يا كريم، دينا ما اختارتكش عشان بتحبك، هي اختارتك لأنك كنت الشخص الوحيد اللي عنده استعداد يصدق كذبة الخلفة عشان يرضي غروره، ولأنك كنت واجهة اجتماعية بتغطي على أوراقها المزورة. هي استغلتك عشان تهرب بطفل مسروق وتدعي إنه ابنها، وتعيش في وهم إنك أب، عشان تضمن إنك هتحميها بفلوسك ومكانتك لما تكتشف إنها عقيمة هي كمان!
صاح كريم بجنون دي كدابة! دينا، قوليلي إنها كدابة!
في هذه اللحظة، جاء الرد من دينا بانهيار تام، اعترفت وهي تبكي كنت خايفة يا كريم.. خايفة تطلقني زي ما طلقتها.. خايفة يرجعوا يرموني في الشارع.. ما كانش قدامي غير إني أشتري طفل وأقول إنه ابنك.
في تلك اللحظة، وصلت الشرطة. لم تكن مجرد قضية طلاق أو خيانة، كانت قضية اتجار بالبشر وتزوير أوراق رسمية. رأيت كريم، الرجل الذي كان يتبجح ب فحولته منذ لحظات، وهو ينهار أرضاً بينما يتم تقييد يديه مع دينا للتحقيق في التواطؤ.
وقفتُ وسط الممر، أنظر إليهم وهم يُقتادون بعيداً. لم أشعر بالشماتة بقدر ما شعرت ب العدالة. نظرت إلى ملفاتي في يدي، ثم اتجهت إلى مكتبي.
بينما كنت أفتح باب مكتبي، توقفت للحظة، التفتُّ للوراء، لم يكن هناك أحد سوى صدى خطواتي. أدركت حينها أني لم أعد ياسمين التي تبكي على الأطلال، بل ياسمين التي أغلقت ملف الماضي بالشمع الأحمر، لتبدأ حياة لم تعد فيها مرتبطة بأي شيء يخصهم.
دخلت مكتبي، أغلقت الباب، ووضعت سماعة الطبيب حول عنقي.. أخيراً، بدأت وردية عملي الحقيقية، وردية الحياة التي لا مكان فيها للغرور أو الأكاذيب.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *