المفاجأة ج٢ صافي هاني

فللأبدصوت مراد كان مسموع بوضوح في الصالة، صوته الهادي اللي بيخبي وراه سم، قال لفيكتور: “مفاجأة مش كده يا فيكتور؟ من سنين طويلة وأنا مستني اللحظة اللي ألم فيها شتات عيلة ستيرلينج كلها في مكان واحد.”
​فيكتور كان صوته ثابت، بس باين عليه الغضب المكتوم: “مراد.. إيه اللي جابك هنا؟ وفين عادل؟ أنت كنت بتلعب عليه هو كمان؟”
​مراد ضحك ضحكة باردة: “عادل؟ عادل ده مجرد بيدق في لعبة أكبر بكتير.. كان محتاج الفلوس والمكانة اللي أنا وعدته بيها، وفي المقابل كان هو عينيا اللي بتنقل لي كل تحركاتكم، وهو اللي سهّل لي الوصول لاتفاقيات تضرب أسهمكم في البورصة من سنين، من غير ما حد فيكم يلاحظ.”
​سمعت فيكتور بيتحرك بخطوات واثقة، وقال: “أنت فاكر إننا أغبياء؟ في اللحظة اللي دخلت فيها بيتنا، أنت اللي وقعت في الفخ.. البيت ده متراقب، والأمن في الطريق.”
​مراد ضحك تاني، بس المرة دي كانت ضحكة انتصار: “أمن؟ فيكتور، أنت مفصول عن العالم اللي بره من ساعة ما دخلت الفيلا دي.. أنا قطعت كل خطوط الاتصال، ومش بس كده، أنا اللي كنت ببعت الرسائل دي عشان أستدرجكم للمكان اللي أنا عايزه.. مكان مفيش حد يقدر يوصل له فيه.”
​صوفيا بدأت تتهز في حضني، حطيت إيدي على بقها عشان متطلعش أي صوت، ودموعي نزلت بصمت. كنت بسمع حركة في الصالة، كأن فيه رجالة تانية دخلوا مع مراد. مراد كمل بصوت فيه تهديد: “أنا مش جاي أهزر يا فيكتور.. أنا جاي أخد اللي ضاع مني زمان. عيلة ستيرلينج خدوا كل حاجة، والنهارده، فيفيان هتدفع التمن.”
​فيكتور صرخ: “فيفيان بره اللعبة دي! ملكش دعوة بيها!”
​مراد تجاهله، وبدأ ينادي باسمي: “فيفيان.. أنا عارف إنك سامعاني. اطلعي بهدوء، بدل ما أضطر أكسر الباب ده وأخدك أنتِ وبنتك بطريقتي.. والنتيجة وقتها مش هتعجبك.”
​حسيت بـ “مراد” بيقرب من باب الأوضة، وأنفاسي بقت متقطعة. نظرت حولي في الأوضة، لقيت شباك صغير بيطل على الجنينة الخلفية. بصيت لصوفيا، وبدأت أهمس في ودانها: “حبيبتي، لازم نكون شجعان.. هنخرج من هنا من غير ما حد يحس، فاهمة؟”
​هزت راسها بخوف، وبدأت أفتح الشباك ببطء شديد، وصوت الخشب القديم كان بيصرخ. مراد وقف خبط على الباب بكل قوته: “فيفيان! قدامك دقيقة واحدة!”
​نطيت من الشباك بهدوء، ونزلت على النجيلة، وبدأت أجري في الضلمة ناحية سور الفيلا الخلفي. قلبي كان بيدق في وداني، وصوت تكسير الباب ورايا كان بيزيد. فجأة، سمعت فيكتور بيصرخ: “فيفيان.. اهربي!”
​بصيت لورا، لقيت الفيلا بدأت تطلع دخان، ومراد ورجالته كانوا بيحاولوا يسيطروا على فيكتور. جريت بكل قوتي، والسور كان عالي، رفعت صوفيا فوق السور، وطلعت وراها، وأول ما نزلنا في الشارع التاني، لقيت عربية واقفة.. والباب بتاعها اتفتح، وخرج منها حد أنا مكنتش أتخيل إني أشوفه في حياتي.
​كانت الست الكبيرة.. اللي شفتها في الفندق. بصت لي وقالت بصوت هادي: “اركبي بسرعة.. أنا الوحيدة اللي تقدر توقف مراد السويفي عند حده.”
​مترددتش، ركبت العربية، والست الكبيرة داسيت بنزين والبيت ورايا كان بيتحول لكتلة نار.. وفيكتور لسه جوه. صرخت: “فيكتور! لازم نرجع لفيكتور!”
​الست الكبيرة بكلمات باردة قالت لي: “فيكتور في أمان.. هو عارف هو بيعمل إيه. دلوقتي، لازم تعرفي مين اللي فعلاً بيحرك الخيوط، ومين اللي مصلحته إن عيلة ستيرلينج تختفي تماماً.” مشي مع الست الكبيرة، واللوبي بدأ يفضى والناس بتهمس وتخرج، وعادل واقف في مكانه زي التمثال، لا عارف يروح لمين ولا يبرر لمين. كريمة، السكرتيرة اللي كانت من دقيقة بس بتبصلي باحتقار، بقت بتبص لعادل بخوف، وكأنها حست إن المركب بتغرق وإنها أول واحدة هتترمي منها.
​صوفيا كانت ماسكة إيدي وباصة لأبوها، عيونها الصغيرة فيها نظرة وجع تكسر الصخر، همست لي: “ماما، هو بابا ليه شكله خايف؟ وليه الست دي زعلانة منه؟” مسحت على شعرها وضميتها لي: “الناس الكبار أوقات بيغلطوا يا صوفيا، والنهارده الحقيقة طلعت عشان الغلط ده يتصلح.”
​فجأة، عادل بدأ يتحرك، مشي خطوات تقيلة ناحيتنا. كريمة حاولت توقفه: “عادل، استنى، لازم نلحق الموقف، لو المحامين بتوعهم دخلوا في الموضوع الشركات هتضيع..” عادل بصلها نظرة خلتها تسكت فوراً، نظرة كلها ندم وكسرة، وقال لها: “الشركات ضاعت يا كريمة.. من ساعة ما بدأت أصدق إني بنيت نفسي بنفسي ونسيت مين اللي ساندني.”
​عادل وصل قدامي، وقف على بعد خطوة، وبص في الأرض، صوته كان مكسور: “فيفيان.. أنا عارف إن أي كلمة هقولها دلوقتي مالهاش قيمة، وعارف إن اللي عملته لا يغتفر. بس لازم تعرفي إن كل اللي حصل ده كان…”
​قاطعته قبل ما يكمل: “كان طمع؟ ولا كان غرور؟ ولا كنت فاكر إني طيبة زيادة عن اللزوم وهسامحك للأبد؟” سكت لحظة، وبصيت له بحدة: “أنت مش بس خنتني، أنت خنت بنتك اللي كانت بتفكرك بطلها، وخنت العيلة اللي كانت بتمول طموحك اللي مش بيخلص.”
​صوفيا رفعت عقد الورق اللي كانت عملاه: “بابا، أنا تعبت وأنا بعمله.. أنت مش عايز تاخده؟”
​عادل لما شاف العقد، انهار تماماً، عيونه لمعت بالدموع، ومد إيده عشان يلمس العقد، بس أنا سحبت صوفيا خطوة لورا. قلت له بصوت حازم: “العقد ده كان هدية من قلب طفلة مش شايلة في قلبها غير الحب.. وأنت ضيعت الحق إنك تلمسه لما اخترت طريق تاني.”
​في اللحظة دي، رجع فيكتور، وبص لعادل نظرة أخيرة وقال له: “العربية مستنياك بره يا عادل، الست هانم حددت ميعاد في المكتب بكره الصبح. هتجيب معاك كل أوراق التنازل عن حصتك في الشركة، وكل ما يخص أملاك فيفيان وصوفيا. أي محاولة للعب في الأوراق أو تسريب أصول، هتخلي نهايتك في السجن مش بس في الشركة.”
​عادل هز راسه بموافقة ذليلة، وبص لي نظرة أخيرة مليانة انكسار، ومشي بخطوات مهزوزة ناحية الباب، وكريمة ماشية وراه بخطوات سريعة ومرتبكة، بتهرب من نظرات الناس.
​بصيت لفيكتور: “خلصنا؟”
فيكتور مسح على وشه بتعب: “دي البداية يا فيفيان. اللي جاي أصعب، بس أنا موجود، وكل عيلة ستيرلينج في ضهرك.”
​خرجنا من الفندق، والهوا البارد ضرب وشنا. صوفيا نامت على كتفي، وبصيت للسما والمطر خف، وحسيت إن الهدوء اللي حواليا هو أول هدوء حقيقي أحسه من سنين. ركبت العربية، وفيكتور ساق ببطء، وقال لي: “إيه الخطوة الجاية؟”
​ابتسمت ابتسامة خفيفة، ابتسامة أول مرة أحس فيها إني فيفيان “ستيرلينج” بجد: “الخطوة الجاية إننا نسترد كل حاجة، ونبدأ صفحة جديدة.. صفحة أنا اللي كاتباها، مش حد تاني.”
​فيكتور ابتسم: “على بركة الله.”
​وإحنا ماشيين بالعربية، تليفوني رن.. كان رقم غريب، فتحت، سمعت صوت راجل بيقول: “ألف مبروك يا فيفيان.. عادل خسر كل حاجة، بس في حد تاني كان مستني اللحظة دي عشان يظهر.. اللي كان بيحرك الخيوط من ورا الستار، مش دومينيك، ولا كريمة..”
​الخط قطع.. ووقفت العربية فجأة في نص الطريق. فيكتور بص لي بقلق: “في إيه؟ مين اللي كان على التليفون؟”
​بصيت للموبايل، وبعدين بصيت للطريق المظلم قدامنا، وقلت بصوت مش قادرة أسيطر على رعشته: “المعركة لسه ماخلصتش يا فيكتور.. طلعت فيه حد تالت خالص، واللعبة شكلها أكبر بكتير مما كنا نتخيل.فيكتور بصلّي والتوتر بانت ملامحه، وسألني: “مين ده يا فيفيان؟ وكلامه ده معناه إيه؟”
​بصيت لصوفيا النايمة في حضني وقلبي مقبوض، وقلت له: “مش عارفة، بس الصوت كان مألوف.. كأنه حد كان بيراقبنا من سنين، مش بس من وقت ما بدأت المشاكل.”
​فجأة، موبايلي رن تاني، بس المرة دي كانت رسالة نصية. فتحتها، وكانت صورة.. صورة ليا أنا وفيكتور وإحنا خارجين من الفندق من دقايق، ومكتوب تحتها جملة واحدة بس: “الستيرلينج مش هما اللي بيحركوا الخيوط دايماً.. فيه ألعاب تانية أكبر بكتير بدأت.”
​فيكتور سحب الموبايل من إيدي، وقرأ الرسالة، وعينيه اتسعت من الصدمة. ضرب بإيده على الدريكسيون وقال: “ده معناه إننا متراقبين من قبل ما ندخل الفندق حتى! فيفيان، لازم نرجع البيت فوراً، ونأمن المكان.”
​بصيت ورايا من إزاز العربية، لقيت عربية سودة مضللة ماشية ورانا بمسافة ثابتة، لا بتقرب ولا بتبعد. قلبي بدأ يدق بجنون، قلت لفيكتور بصوت واطي: “بص وراك.. فيه عربية ماشية ورانا من وقت ما طلعنا.”
​فيكتور بصلها في المراية، وضغط على البنزين عشان يختبرهم، والعربية التانية عملت نفس الشيء وزودت سرعته. فيكتور قال لي بصوت حازم: “امسكي صوفيا كويس.. احنا مش هنروح البيت.”
​”ليه؟ هنروح فين؟”
​رد وهو بيدور في تقاطع جانبي بسرعة: “لو هما عارفين تحركاتنا، أكيد عارفين بيتنا. لازم نروح لمكان ميتعرفش، مكان العيلة بتلجأ له في وقت الخطر.”
​العربية اللي ورانا حاولت تزنق علينا، بس فيكتور كان متمكن، دخل في شوارع ضيقة ومظلمة، وشوارع القاهرة القديمة اللي عارف خباياها. حسيت إننا في فيلم أكشن، بس الحقيقة كانت أرعب بكتير لأن بنتي كانت في حضني.
​بعد مطاردة استمرت دقايق طويلة، فيكتور قدر يضللهم ويدخل في شارع مسدود، وبعدين لف من شارع فرعي تاني وطلعنا على طريق سريع بعيد عنهم. سكتنا الاتنين، والهدوء اللي في العربية كان بيخنق.
​بعد فترة، وقف فيكتور قدام فيلا قديمة ومقفولة بقالها سنين، في منطقة هادية جداً على أطراف القاهرة. نزلنا، والجو كان كئيب. دخلنا الفيلا، وفيكتور فتح النور، وقعدني على الكنبة.
​”دي فيلا جدي القديمة، مفيش حد يعرف عنها حاجة غيري أنا وإخواتي.. هنا هنكون في أمان.”
​قعدت وأنا بنهج، وبصيت لفيكتور اللي كان بيجهز تليفون تاني مش متراقب. سألته: “تفتكر مين اللي ممكن يكون ورانا؟ عادل كان مجرد واجهة.. مين اللي ورا الواجهة دي؟”
​فيكتور قعد قدامي، وعيونه كانت بتلمع بتحدي: “أنا هعرف.. هقلب الدنيا عشان أعرف مين اللي بيهدد حياة عيلة ستيرلينج. بس قولي لي يا فيفيان.. فيه حد من معارفك القدامى، حد كان بينافسك في الشغل قبل ما تتجوزي، حد يكون ليه مصلحة في تدميرنا؟”
​فكرت للحظة، وجوه كتيرة عدت قدامي.. زملاء قدامى، منافسين، ناس كانت بتغير من مكانة عيلتي.. وفجأة، افتكرت اسم واحد كان دايماً بيحاول يوقع عيلة ستيرلينج في أي صفقة.. “مراد السويفي”.
​قلت لفيكتور بصوت مرعوب: “مراد.. مراد السويفي.”
​فيكتور اتجمد في مكانه، وبص لي بذهول: “مراد السويفي؟ ده اختفى من السوق من سنين! إنتي متأكدة؟”
​في اللحظة دي، سمعنا صوت خبط خفيف على باب الفيلا.. خبطات منتظمة، كأن حد عارف إننا جوه، وبيستنانا نفتح. فيكتور قام بسرعة وطلع سلاحه، وبص لي بنظرة مرعبة وقال: “فيفيان.. ادخلي جوه مع صوفيا واقفلي الباب بالمفتاح، مهما حصل، متفتحيش إلا لما تسمعي صوتي أنا وبس.”
​قمت وأنا شايلة صوفيا، والدم كان بيجري في عروقي ببرود.. وصلت لأوضة النوم، وقفلت الباب، وبدأت أسمع صوت فيكتور وهو بيفتح الباب الخارجي.. وصوت حد بيدخل معاه، وصوت ضحكة غريبة ومألوفة.. ضحكة “مراد السويفي”.
​وقفت ورا الباب، وكاتمة نفسي، وبدأت أسمع الحوار اللي هيغير حياتنا للأبد.”بصيت للست الكبيرة بذهول، وهي ماشية بالعربية بسرعة بين شوارع القاهرة الضلمة، وقالت لي: “عيلة ستيرلينج دايماً كانوا أقوى من إنهم يتدمروا بـ ‘بيدق’ زي عادل، أو حتى واحد حاقد زي مراد.. بس اللي أنتِ متعرفيهوش، إن الصراع ده أكبر من مجرد فلوس، ده صراع على إرث أجيال.”
​سكتت لحظة، وبعدين بصت لي بابتسامة غامضة وكملت: “أنا كنت مراقباكي يا فيفيان من بعيد، وشفت فيكي القوة اللي عيلتك كانت محتاجة تستعيدها.. فيكتور بخير، وهو دلوقتي بيقود هجوم مضاد على كل أصول مراد السويفي اللي سرقها بالخداع.”
​فجأة، تليفوني رن.. كان فيكتور. رديت بسرعة وبصوت مهزوز: “فيكتور؟ أنت فين؟”
​صوته كان هادي ومطمن: “أنا كويس يا فيفيان.. الست دي وصلت لك؟ هي اللي أنقذتني من الحريق، وهي اللي خلت رجالتي يسيطروا على الموقف. مراد السويفي في قبضتنا دلوقتي، وكل ألاعيبه اتكشفت قدام القانون.”
​دموعي نزلت من الراحة، وبصيت للست الكبيرة اللي كانت بتبص للطريق بوقار. فهمت وقتها إن “الخيوط” اللي كانت بتتحرك، مكنتش بس خيوط الشر، كان فيه “أيد” تانية بتبني وبتحمي.
​الست الكبيرة نزلتني قدام بيتي اللي كنت فاكرة إني مش هرجعه تاني، وقبل ما تمشي، قالت لي: “فيفيان.. عادل دفع تمن خيانته، ومراد دفع تمن حقده.. دلوقتي الدور عليكي، عشان ترجعي اسم ‘ستيرلينج’ لمكانته الحقيقية، مش بس في البنوك، لكن في قلب عيلتك.”
​دخلت البيت، لقيت صوفيا في حضني وهي نايمة بسلام. مسحت دموعي، وبصيت لنفسي في المراية.. شفت فيفيان اللي كانت قبل ما تتجوز، بس أقوى، أنضج، ومعاها درس العمر.
​فتحت دولابي وطلعت الورق اللي كنت بكتب فيه قصصي، وبدأت أكتب الصفحة الأولى من حياتي الجديدة.. حياة مفيش فيها مكان للضعف أو للخداع. قفلت القصة وأنا عارفة إن رغم كل اللي حصل، النهاية كانت بإيدي أنا، وبقوة إرادتي اللي مفيش حد يقدر يكسرها تاني.
​انتهت ليلة الخيانة، وبدأت فجر جديد لـ “فيفيان ستيرلينج”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *