رجعت بعد سنتين

رجعت بعد سنتين، لقيت طليقتي شايلة أمي في الشارع، وفي نفس اللحظة تقريبًا كانت مراتي الحالية باعتالي رسالة بتقول
مامتك كويسة جدًا ومفيهاش حاجة.
ما اتخانقتش.
ما سألتش حتى مين الكداب ومين الصادق.
أخدت أمي لمكان آمن، وبعدها فتحت ملف قديم كان مستخبي تحت السرير.
جواه لقيت توكيل لبيت تمنه يقرب من سبعة مليون جنيه
وتوقيع أمي عليه.
توقيع أقسمتلي إنها عمرها ما حطته على الورقة دي.
الجزء الأول
ما تودينيش البيت يا ابني بالله عليك. لو هي عرفت أنا فين، هتخلص عليّا.
دي كانت أول جملة قالتها أمي بعد ما شفتها لأول مرة من حوالي سنتين.
اليوم ده كنت راجع القاهرة بعد شهور طويلة من الشغل في إسكندرية.
نزلت من القطر في محطة رمسيس، وأنا شايل شنطتي وكيس كبير مليان حاجات لأمي.
كنت جايبلها علبة حلويات من اللي بتحبها، وكيس يانسون، وشال صوف تقيل عشان الجو كان برد وهي طول عمرها بتشتكي من البرد.
طول الطريق وأنا متخيل لحظة ما أشوفها.
أكيد هتزعقلي.
أكيد هتقوللي
سنتين يا كريم؟! إنت فاكرني عايشة للأبد ولا إيه؟
وكنت مستعد أسمع منها أي كلام.
المهم أشوف أمي قدامي وأطمن عليها.
لكن وأنا ماشي في شارع جانبي قريب من محطة رمسيس، وسط زحمة الناس وبرك المية اللي سابها المطر، لمحت ست ماشية بصعوبة.
كانت شايلة ست عجوز على ضهرها.
الست اللي شايلة العجوز كانت لابسة جاكت بني قديم، وبنطلون متبهدل ومليان طين، وفي إيدها كيس أدوية.
أما الست اللي على ضهرها، فكانت رجلها متربطة بشاش من عند الركبة لحد الكاحل.
وقفت مكاني.
في حاجة في المشهد خلتني أبص تاني.
قربت كام خطوة.
الست اللي شايلة العجوز لفت وشها ناحيتي.
ساعتها حسيت إن قلبي وقف.
كانت
سمر.
طليقتي.
الست اللي طلقتها من سنتين وأنا مقتنع إنها أنانية، وإنها عايزة تبعدني عن أمي، وإن كل اللي كان فارق معاها هو البيت اللي أبويا سابهولنا.
سمر!
هي كمان اتجمدت مكانها.
ولما بصيت على الست اللي شايلها
كيس الحلويات وقع من إيدي.
ماما؟!
جريت عليهم.
أمي، الحاجة فاطمة، كانت قدامي.
بس دي ما كانتش أمي اللي فاكرها.
كانت هزيلة بشكل يخوف.
وشها دبل، عينيها غايرة لجوه، شفايفها ناشفة، وعلى دراعها كدمات واضحة لونها أزرق وأصفر.
حسيت إن نفسي اتخنق.
إيه اللي حصلك؟! إنتِ عاملة كده ليه؟! بقالك قد إيه تعبانة؟!
أمي ما ردتش.
مديت إيدي عشان أشيلها من على ضهر سمر.
لكن أمي مسكت في رقبة سمر بكل قوتها.
مش عايزة أرجع.
بصيتلها بعدم تصديق.
ترجعي فين؟
أمي بصتلي، وعينيها اتمَلوا رعب.
البيت.
البيت.
بيتها اللي عاشت فيه أكتر من تلاتين سنة.
البيت اللي كنت دايمًا شايفه أأمن مكان ممكن تكون فيه.
بصيت لسمر.
وقبل ما أسألها أي سؤال، سألت أنا
طب فين نجلاء؟
نجلاء كانت مراتي الحالية.
الست اللي سيبتها مسؤولة عن أمي وأنا مسافر، وكنت فاكر إنها هتخلي بالها منها.
سمر ما ردتش على طول.
نزلت عينيها وقالت
مش هنا يا كريم.
أمال فين؟
لازم نمشي من هنا الأول.
سمر، أنا عايز أفهم!
بصتلي في عيني وقالت
لو عايز تفهم، خد أمك من هنا الأول وبعدها هقولك كل حاجة.
بصيت لكيس الأدوية اللي معاها.
كانت فيه ورقة طالعة من النص.
سحبتها.
مستشفى حكومي.
الاسم فاطمة عبدالسلام.
تاريخ الدخول من سبعتاشر يوم.
قلبي دق بعنف.
فتحت موبايلي بسرعة.
من تلات أيام بس، نجلاء كانت باعتالي رسالة
مامتك زي الفل يا حبيبي. النهارده حتى خرجت تسقي الزرع.
وقبلها بخمس أيام، وصلتني رسالة من رقم أمي
ما تقلقش عليا يا ابني، أنا كويسة. ركز في شغلك وربنا يوفقك.
وريت أمي الرسائل.
فضلت تبص في الشاشة شوية.
وبعدين رفعت عيني ناحيتي.
أنا ما كتبتش الكلام ده.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
أمال مين اللي كتبهم؟
أمي بدأت تترعش.
سمر سندتها بسرعة.
مش هنا يا كريم.
مين يا أمي؟ مين كان ماسك تليفونك؟
أمي مسكت إيد سمر، وقربت مني وقالت بصوت واطي
ما تقولش لنجلاء أنا فين.
في اللحظة دي فهمت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد إهمال.
في حاجة حصلت.
وحاجة أمي كانت خايفة منها لدرجة إنها مش قادرة حتى تتكلم عنها في الشارع.
سمر أخدتنا لشقة صغيرة إيجار في منطقة شعبية على أطراف القاهرة.
الشقة كانت متواضعة جدًا.
أوضة واحدة، سرير قديم، مرتبتين محطوطين على الأرض، وترابيزة بلاستيك فوقها أدوية وتحاليل وعلب علاج.
بصيت لأمي.
إنتِ عايشة هنا؟
سمر هزت راسها.
بقالها حوالي تلات شهور.
بصيت لها باستغراب.
معاكي؟
أيوه.
بصيت للمراتب.
كانوا اتنين.
واحدة لأمي، والتانية
بصيت لسمر.
وإنتِ بتنامي فين؟
ردت بمنتهى الهدوء
على الأرض.
ما عرفت أقول حاجة.
لمحت شوية إيصالات علاج على الترابيزة.
مسكتهم.
تحليل.
أشعة.
أدوية.
مصاريف مستشفى.
المبلغ كله كان معدي التلاتين ألف جنيه.
رفعت عيني لسمر.
مين دفع كل ده؟
سكتت ثواني.
وبعدين قالت
أنا.
اتصدمت.
إنتِ؟!
هزت راسها.
ما كانش قدامي حل تاني.
وبينما أنا ببصلها، خدت بالي من إيدها.
كان في حاجة ناقصة.
الخاتم.
الخاتم الصغير اللي كانت لسه محتفظة بيه حتى بعد ما اتطلقنا.
بصيت لإيدها.
خاتمك فين؟
وشها اتغير.
ما ردتش.
لكن سكوتها كان واضح.
بعتيه؟
هزت راسها.
لما أمك دخلت المستشفى، الفلوس خلصت.
سكتت لحظة.
فبعته.
فضلت باصلها من غير ما أعرف أقول إيه.
أنا كنت فاكر إن الست دي طماعة.
فاكر إنها كانت عايزة البيت.
فاكر إنها عمرها ما حبت أمي.
لكن الحقيقة كانت قدامي.
طليقتي باعت آخر حاجة كانت محتفظة بيها من جوازنا
عشان تعالج أمي.
وفجأة سمعت صوت أمي وهي بتعيط.
كريم
قربت منها.
نعم يا أمي؟
مسحت دموعها بإيد مرتعشة.
سمر ما لقتنيش تعبانة.
سكتت.
وبعدين رفعت كم هدومها.
كان حوالين رسغها كدمة غامقة.
كدمة واضحة كأن حد كان ماسك إيدها بعنف.
بصيتلها.
مين عمل فيكي كده؟
أمي قفلت عينيها.
سمر هي اللي أنقذتني.
بصيت لطليقتي.
أنقذتك من مين؟
أمي فتحت عينيها وبصتلي.
والخوف اللي شفته في نظرتها خلاني أنسى أتنفس.
من نجلاء
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
ومن حسام.
حسام.
ابن خالي.
الراجل اللي كنت طول عمري بعتبره أخويا.
اللي كان يدخل بيتي من غير ما يخبط.
اللي كنت بسيبه مع أمي وأنا مسافر وأنا مطمن.
اللي كنت باعتبره أكتر شخص ممكن أثق فيه بعد أمي.
بصيت لسمر.
كانت واقفة قدامي ووشها ثابت.
قالت
ولو فاكر إن كل اللي حصل بدأ بعد ما سافرت، تبقى غلطان.
يعني إيه؟
ما ردتش.
انحنت تحت السرير.
طلعت صندوق كرتون صغير، عليه تراب كأنه بقاله سنين مستخبي.
حطته قدامي.
الحكاية بدأت قبل ما تطلقني بوقت طويل.
فتحت الصندوق.
جواه كان فيه صور.
وحسابات بنكية.
ورسايل مطبوعة.
وتسجيلات على فلاشة.
وكام ورقة عقود.
مديت إيدي لأول ورقة.
وبمجرد ما قرأت أول سطر
حسيت إن الدم نشف في عروقي.
لأن الورقة دي كانت بتتكلم عن بيتنا.
بيتنا اللي تمنه دلوقتي يقرب من سبعة مليون جنيه.
وفي أسفل الورقة كان فيه توقيع أمي.
بصيت لها.
إنتِ مضيتي هنا؟
أمي هزت راسها بسرعة.
لأ.
متأكدة؟
والله ما مضيت.
سمر قالت بهدوء
وأنا عارفة إنها ما مضتش.
بصيت لها.
أمال التوقيع ده إيه؟
ردت
ده أول دليل.
وقتها بس فهمت إن الموضوع مش مجرد خيانة.
ولا مجرد سرقة.
ولا حتى مجرد محاولة للاستيلاء على البيت.
في حد كان بيجهز حاجة من زمان.
وحسام ونجلاء ما كانوش مجرد متورطين فيها
كان واضح إنهم جزء من خطة أكبر.
وأنا كنت آخر واحد في العيلة يعرف الحقيقة.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها
إن الورقة اللي في إيدي ما كانتش أخطر حاجة في الصندوق.
لأن تحتها مباشرة
كان فيه مفتاح صغير.
وعليه ورقة مكتوب عليها بخط أمي
لو كريم رجع ما تسلمهوش المفتاح غير لما يعرف مين كان سبب طلاقه من سمر.
رفعت عيني لأمي.
وبصيت لسمر.
وساعتها لأول مرة سألت نفسي
هو أنا ظلمت طليقتي فعلًا؟
ولا كان في حد متعمد يخليني أكرهها وأطلقها
عشان

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *