سلفتي بتتجسس عليا من شباك المنور ج٣ منى السيد

الفصل الرابع:
الصوت اللي طلع من المنور مكنش صوت بني آدم طبيعي، كانت ضحكة مكتومة مسمومة، فيها كمية شماتة تخلي الدم يتجمد في العروق. تامر وقف مكانه كأنه اتصعق، وعينيه رايحة جاية بين السحر اللي مفرود على الرخامة وبين الشباك الموارب. إيلين مكنتش قادرة تنطق، دموعها كانت نازلة في صمت، وإيديها بتترعش وهي بتشاور على الشباك.
تامر مد إيده، سحب سكين المطبخ الكبيرة، ومشي بخطوات سريعة وزي المجنون ناحية الشباك. رزعه بإيده لآخره وبص في ضلمة المنور وهو بيصرخ بصوت هز حيطان البيت:
— مين هنااااا؟! اطلعي يا شيطانة.. اطلعي يا كلبة!
المنور كان هس، مفيش غير صدى صوته وهو بيرتد، ونسمة هواء باردة دخلت المطبخ طفت النور الصغير اللي فوق الحوض. إيلين صرخت ولمت نفسها في ركن المطبخ، وتامر نور كشاف موبايله بسرعة وفضل يلف بيه في المنور يمين وشمال. مكنش في حد واقف، شباك شيماء كان مقفول بالضبة والمفتاح، بس كان في ريحة بخور غريبة وخانقة لسه هافّة من ناحيتهم.
* **تامر (وهو بيلف لإيلين وصوته بيرتعش من الغل):** الست دي متمشيش من هنا.. الست دي لازم تموت النهارده! كل السنين دي وإحنا بنموت بالبطيء بسببها؟ كل الوجع والمرمطة على الدكاترة وكسرة قلبي وقلبك كل شهر كانت بسبب العمل ده؟!
* **إيلين (وهي بتمسكه من هدومه وبتعيط بانهيار):** بلاش يا تامر.. عشان خاطري بلاش دم، إحنا مش قد الناس دي، دي بتتعامل مع شياطين! شوف الورقة مكتوب فيها إيه.. شوف اسمي واسمك!
تامر مسك الورقة السودا وبص فيها تحت ضوء الكشاف. الخط كان أحمر بلون الدم الناشف، والطلاسم والرموز كانت متوزعة حوالين أساميهم، وفي الآخر جملة واضحة ومقروءة: *”لا يجمعهم بيت، ولا يربطهم ولد، ويموت الحب في قلوبهم كما مات صاحب هذا الأثر”*.
### مواجهة نص الليل.. الفضيحة الكبرى
تامر مسمعش كلام إيلين. أخد الورقة والحاجة في إيده، وبأقوى ما عنده رزع باب الشقة وخرج للممر. إيلين جريت وراه بالإسدال وهي بتترجاه يهدى، بس تامر كان غايب عن الوعي، الغضب عماه.
وصل قدام باب شقة مراد وشيماء، وبدأ يرزع بالرجل وبالإيد، صوت الرزع كان عامل زي القنابل في هدوء الفجر. البيت كله صحي على الصوت. حماها وحماتها طلعوا جري بالهدوم اللي عليهم، ومراد فتح الباب وهو مخضوض وعينيه مليانة نوم، ووراه كانت واقفة شيماء، وشها كان باهت وتحت عينيها أسود، بس أول ما لمحت الحاجة اللي في إيد تامر، عينيها برقت واختفت ورا جوزها بسرعة.
* **مراد (بزهول):** في إيه يا تامر؟ إنت اتجننت يا أخويا؟ في حد يخبط كده الفجر؟
* **تامر (وهو بيحدف العمل والسحر في وش مراد):** اسأل الهانم اللي مستخبية وراك! شوف مراتك المصونة كانت دافنالنا إيه في شق المنور! شوف سبب عقمي وعقم مراتي وتعبنا بقالنا تلات سنين!
مراد وطى على الأرض ومسك القماشة والورقة، وبص فيهم. حماها الحاج محمود قرب منه وسحب الورقة من إيده، وأول ما شاف الطلاسم وصورة بنته وابنه مخرومة بالدبابيس، عكازه أفلت من إيده ووقع على السلم.
* **الحاج محمود (بصوت مبحوح ومكسور):** يا مري.. سحر وعمل؟ في بيتي؟ ومن مين؟ من مرات ابني؟!
* **حماتها (وهي بتلطم على وشها وبتصرخ):** يا خراب بيتك يا شيماء! يا فاجرة يا بنت الفاجرة! ده أنا كنت بقول عليكي غيورة وبصّاصة، تطلعي ساحرة ومؤذية؟! ده إنتي بتاكلي معانا في طبق واحد!
شيماء بدأت تصرخ وتدافع عن نفسها بزعيق عالي عشان تلم ناس المنطقة:
— كدب! والله العظيم كدب! هما اللي حاطين الحاجة دي عشان يلبسوهالي! هما عايزين يطردوني من البيت ويطلقوني من مراد عشان ياخدوا الشقة! يا ناس الحقوني، بيتبلوا عليا في شرفي وعملي!
### المواجهة الحقيقية.. خط شيماء
إيلين مفيش حاجة وجعتها قد كدب شيماء وبرودها، فقررت تنهي التمثيلة دي فوراً. قربت منها وبصت في عينيها وقالت بصوت قوي ومرتب مسمعوش منها قبل كده:
— كدب؟ طب والصورة دي؟ مين اللي صورها؟ مش دي صورتنا اللي اتسرقت من ألبومي من سنتين لما دخلتي تنظفي معايا الشقة؟ والخط ده.. الخط المعوج ده مش خطك؟ أنتي نسيتي إنك كنتي بتكتبي ورايا طلبات البيت والخط هو هو بالظبط؟!
مراد بص للخط اللي على ظهر الصورة، وبص لشيماء. ملامحه اتغيرت وبقت مرعبة. سحبها من شعرها من ورا ضهرها وخرجها في وسط الممر قدام أبوه وأمه وتامر.
* **مراد (وهو بيجز على سنانها وصوته كأنه جاي من القبر):** انطقي.. الخط ده خطك ولا لأ؟ الصورة دي جت هنا إزاي؟ أنتي بتروحي للدجالين يا شيماء؟ أنتي بتأذي أخويا ومراته عشان غلك؟
* **شيماء (وهي بتصرخ من الوجع والغل ملأ قلبها):** أيوه خطي! وأيوه أنا اللي عملته! وأكتر من كده كمان! أنا مكنتش عايزاهم يتهنوا! ليه هي تدخل شقة جديدة ومتوضبة على الحبل، وأنا أدخل على فرشك القديم يا حماتي؟! ليه هي تلبس دهب وتخرج وتتفسح وأنا قاعدة ليل نهار في خدمة العيال والبيت؟! أنا قولت طالما أنا مش متهنية، محدش في البيت ده يتهنى!
الاعتراف كان صدمة للكل. حماها قعد على السلم وحط إيده على قلبه وهو بينهج بتعب، وحماتها فضلت تدعي عليها بقلب محروق: “ربنا ينتقم منك يا شيماء.. ربنا يجعل كيدك في نحرك ويحرمك من عافيتك زي ما حرمتي العيال من ضناهم!”.
### ليلة الفراق والخراب
مراد ساب شعرها، وبص لها بنظرة احتقار وكأنه شايف حشرة مقرفة على الأرض. تف في وشها وقال:
— إنتي محرمة عليا ليوم الدين.. لبسيها هدومها يا أمي، وخدي منها عيالها، الست دي متقعدش مع عيالي ثانية واحدة، دي ممكن تسحر لولادي لو زعلوا معاها في يوم! اطلعي بره بيتي وبره حياتي.. أنتي طالق، طالق، طالق، وملكيش عندي غير الهدوم اللي في جسمك!
شيماء لما لقت إن كل الأوراق اتكشفت وإنها خسرت كل حاجة، اتحولت لشر مطلق. بدأت تضحك بصوت عالي وهي نازلة على السلم:
— مفكرين إنكم لما تطردوني خلاص كده؟ العمل ده معمول بدم، ومحدش هيعرف يفكه! هتفضلوا كده طول عمركم، لا هتشوفوا ضنا ولا هتشوفوا راحة! أنا مشيت، بس سبتلكم الخراب في الحيطان!
تامر كان هيجري وراها يقتلها، بس مراد مسكه وحضنه وهو بيبكي:
— عشان خاطري يا أخويا.. سيبها لربنا، متضيعش نفسك عشان خاطر واحدة شيطانة.. حقك عليا أنا، أنا اللي دخلت الأذى بيتك من غير ما أعرف.
تامر ساب أخوه وخد إيلين في حضنه، الوجع كان كبير قوي على إن الكلمات تداويه. ليلة كاملة مفيش حد في البيت نام فيها. شيماء مشيت في ضلمة الليل وهي بتجر أذيال الخيبة والشر، ومراد قفل باب شقته على عياله وهو مكسور، وحماها وحماتها دخلوا شقتهم وهما حاسين بالذنب تجاه تامر وإيلين.
### الصباح الباهت.. والبحث عن حل
تاني يوم الصبح، الشمس طلعت بس مكنش ليها دفا. البيت كان كئيب ومقبض. تامر وإيلين كانوا قاعدين في الصالة، والحاجة اللي لقوها في المنور كانت محطوطة في علبة مقفولة على الترابيزة.
* **تامر (وهو باصص للعلبة):** إيلين.. إحنا لازم نلاقي حد يفير الحاجة دي.. أنا مش هسكت، لازم نعرف العمل ده يتفك إإاي، أنا مش قادر أعيش وأنا حاسس إن في سحر رابط حياتنا.
* **إيلين (بخوف):** أنا بخاف من الشيوخ والدجالين يا تامر.. خايفة نروح لحد يطلع زي شيماء ويزود الطين بلة.
* **تامر:** لأ، إحنا هنروح لشيخ جامع بجد، حد بيعالج بالقرآن وبس.. أنا سألت صاحبي وقالي على شيخ معروف في منطقة قريبة مننا، راجل بركة ومبيخدش فلوس، بيعمل كده لله.
بالفعل، لبست إيلين ونزلت مع تامر. أخدوا العلبة ومعاهم كل الأثر اللي لقوه. وصلوا للشيخ “عبد الرحمن” في بيته البسيط جنب المسجد. الراجل كان وشه بشوش ولحيته بيضا، وأول ما دخلوا وشاف وشوشهم الباهتة عرف إنهم جايين وفي وراهم حمل ثقيل.
قعدوا وحكوا له كل حاجة من أول شباك المنور لحد اعتراف شيماء بالليل. الشيخ عبد الرحمن كان بيسمع وهو بيهز راسه بأسى وبيستغفر ربنا.
* **الشيخ عبد الرحمن:** لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. الفضول لما بيتحول لغل بيموت القلوب يا ولادي.. هتلولي العلبة دي.
تامر فتح العلبة وقدمها للشيخ. الشيخ سحب القماشة السودا، وبص للورقة والصورة المخرومة. ملامحه اتغيرت وبقت جادة جداً، وبدأ يقرا آيات من سورة البقرة بصوت عذب وجميل ملأ الأوضة س*كينة.
إيلين وهي قاعدة تسمع القرآن، بدأت تحس بحاجة غريبة.. جسمها بدأ يسخن جداً، ونبضات قلبها بقت سريعة لدرجة إنها حست إن قلبها هيقف. عينيها زغلت، وبدأت تحس برغبة شديدة في القيء، كأن في حاجة مكتومة جوه صدرها وعايزة تطلع.
* **الشيخ عبد الرحمن (وهو مركز نظره على إيلين وبيعلى صوته بالقرآن):** *”قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين”*.. اقرأ معايا يا تامر، واثبتي يا بنتي.
إيلين مكنتش قادرة تثبت.. حست إن الأوضة بتلف بيها، وفجأة، صرخت صرخة مكتومة ووقعت من على الكرسي على الأرض وهي بتترعش بكل قوتها، كأن في معركة حامية شغالة جوه جسمها!
تامر جري عليها وهو مرعوب:
— إيلين!!! مالك يا حبيبتي؟ يا شيخ عبد الرحمن الحقنا!
الشيخ عبد الرحمن فضل يقرا ويزيد في الآيات، وصوته بيقوى ويهز الأركان، وهو بيقول:
— سيبها يا تامر متلمسهاش.. ده أول الغيث، السحر بدأ يتحرك وبيتفك.. بس العمل ده دافنين معاه حاجة تانية إحنا لسه ملقيناهاش!
إيلين فتحت عينيها بصعوبة، ونظرتها مكنتش نظرتها الطبيعية، وبصت للشيخ وقالت بصوت غريب ومخيف:
— مش هتعرفوا تفكوه.. في حتة تانية محدش هيوصلها.. هتموت وهي كده!

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *